
أمي قبل ما تمـ,ـوت بأيام كانت حاسة إنها هتمـ,ـوت ومبتتكلمش على أي حاجة غير المـ ـوت وبس، وكان خوفها الأول والأخير عليا أنا، لأني بنت لسة في العشرينات وشايفة إني هتفرم بعد مـ,ـوتها، وتحديدًا لأن أبويا متجوز واحدة تانية اسمها (هند)..
والخوف الأكبر اللي أمي كانت دايمًا بتردده في مرضها الأخير إن هند دي عملتلها حاجة، وإن المرض اللي احتار فيه الأطباء ما هو إلا سحر عملته ضرتها هند ليها عشان تتخلص منها، وإن أبويا شبه عارف كل الكلام ده لكنه بيميل لمراته التانية وبس وبيفضلها في كل حاجة، وتحديدًا لأنها خلفتله الولد اللي كان نفسه فيه وكانت أجمل وأصغر من أمي كمان..
وكلها أيام ومـ ـاتت أمي، واتقهرت يومها وحسيت إن كل حاجة راحت من إيديا مرة واحدة، وحتى الحُزن ملحقتش أحزنه لأن أبويا أجبرني أروح أعيش معاه في شقته التانية مع مراته هند، ورغم إني حاولت أعترض لكن ولأول مرة أشوفه قاسي للدرجة دي وقالي إنه استحالة يسمح لبنت عندها ٢٢ سنة تقعد في شقة لوحدها..
بدأ يفهمني إنه هيحافظ عليا وإني هعيش في أمان معاه ومع مراته التانية، وفعلًا روحت واتعملتلي أوضة في الشقة وبدأت حياة جديدة، حياة تانية خالص مكنتش أتمناها أبدًا في يوم من الأيام، وقررت وقتها أعتزل كل حاجة، لدرجة إني كنت بقعد في أوضتي ٢٤ ساعة كاملة، ولا بخرج ولا عايزة أشوف أبويا ولا مراته ولا أخويا الصغير (حازم) اللي مكنش بيبطل بكاء..
أبويا حاول معايا بس كنت مُصرة على العُزلة وهو في النهاية سابني لوحدي، كانت مراته بتعمل حسابي في الأكل وكنت بخرج مرة في اليوم للحمام وأخد الأكل وأرجع مرة تانية للأوضة بتاعتي، ومن جوايا كنت دايمًا حاسة بالخطر، حاسة إن فيه حاجة غلط وإني هتأذي من هند، بل وكنت شايفة اللُطف اللي بتتعامل بيه مجرد تمثلية هتنتهي قريب أوي..
الحاسة اللي عند كل ست اللي مبتكذبش أبدًا، وفعلًا زي ما توقعت، بدأت أحس بشعور غريب من وقت للتاني وأنا موجودة في الأوضة، وكأن فيه حد بيراقبني وأنا نايمة من ورا الستارة، وأكتر من مرة أتخيل إن فيه عنين موجودين في الضلمة وبشوف لمعتهم، ولما كنت بقوم من نومي خايفة ومخضوضة مكنتش بلاقي أي حاجة.. كنت بحاول أطمن نفسي وأقول إن كل حاجة طبيعية ومفيش أي مشاكل، لكن مع الوقت بدأت الكوابيس تهـ,ـاجمني، وبقيت بسمع صوت مألوف أوي بيفضل ينادي عليا ويستغيث وكأنه بيتعذب في قلب الجـ,ـحيم..
ليلي اتحول لنهار ونهاري اتحول لليل لأني كنت بخاف أنام بالليل بسبب الكوابيس دي، ورغم كدا بقيت بشوف الكوابيس ليل نهار، كوابيس مبتخلنيش أعرف أنام ولو ساعة واحدة، أعصابي كانت بتنهار مع الأيام وجسمي كان بيضعف وشكلي كان بيتغير، لحد ما بدأت ألاحظ آثار خـ,ـنق بتظهر على رقبتي كل ما بصحى من النوم، صوابع معلمة على جلدي ولونها أحمر وكأن اللي عملها لسة عاملها دلوقتي..
من جوايا بدأت اتأكد إن الست دي فعلًا عملت كدا في أمي وإن أمي مظـ,ـلمتهاش، ومش بعيد تكون عملتلي حاجة عشان تتخلص مني وتمشيني من البيت خالص، بدأت ألمح لأبويا من بعيد وأحاول أفهمه إن الست اللي معاه دي مش كويسة، وإن قيام الليل والصلاة والصوم اللي بتصومه كله تمثيل وإنها في الأصل شـ,ـيطانة، لكنه مصدقش ولا أقتنع، ولما أصريت بدأ يعاملني بقسوة ويهـ,ـددني بالضـ,ـرب كمان، عشان كدا سكت خالص وبدأت أفكر ازاي ههرب من البيت ده وأروح أي مكان تاني بعيد عن تحكمات أبويا..
بس الغريب إني في الفترة دي ولما بدأت أراقب هند، لاحظت حاجة غريبة أوي، لاحظت إن فيه علامات خنـ,ـق بتظهر على رقبتها هي كمان، ومش بس كدا، ده بدأت تحصل مشاكل وكنت بسمع صوتها وهي بتبكي بالليل وخايفة لما تدخل أوضة ابنها وتلاقي علامات الخنق هي كمان على رقبته، وسمعت بالصدفة إنها بتحكي لأبويا إن فيه حد هيقـ,ـتل ابنها حازم وإنها حاسة إن فيه حاجة مش طبيعية، بدأت استغرب وأفكر ومبقتش فاهمة أي حاجة..
كنت مستغربة صمت أبويا المستمر، وكأنه مش عايز يكبر المواضيع وكان بياخد كل الأمور ببرود غريب، لحد ما شوفت حلم، بس كان حلم مختلف أوي، شوفت أمي بتبكي في المقابر وفيه واحدة شبهها بالظبط ماشية جنبها وبتضحك.. وكأنهم نسختين من أمي، النسخة اللي بتبكي بصت ناحيتي بحزن وقالتلي: ـ شوفي أبوكي عمل فيا إيه.. وراحت مشاورة على بطنها، وقتها شوفت في بطنها حاجة بتحرق فيها، ولقيت التانية اللي بتضحك قالت: ـ لازم تجيبي حق أمك وإلا مش هسيبك..
صحيت من النوم مفـ,ـزوعة وخايفة أوي ومش عارفة أعمل إيه، خرجت من الأوضة لقيت أبويا في الشغل ومراته قاعدة حـ,ـاضنة ابنها وعمالة تبكي بطريقة غريبة، ولأول مرة تصعب عليا وقربت منها ولقيت نفس العلامات على رقبتها ورقبة ابنها.. ولما قربت منها اترعشت أكتر وخافت، بدأت أتودد منها واسألها عن اللي بيحصل معاها، لقتها دخلتني الحمام، وهناك لقيت حاجة مكتوبة بالدـ,ـ م على مراية الحمام.. ـ جوزك قتـ ـلني وعايزة حقي..
وقتها جسمي كله اتنفض، ولأول مرة بدأنا نتكلم كتير مع بعض، وحكتلي عن العلامات اللي بتصحى تلاقيها على رقبتها، والكلام اللي بيتكتب ويتمسح، وابنها اللي بيتخنق بالليل، وكأن فيه حاجة بتهددها بمـ ـوت ابنها، وقتها قدرنا نفهم، أبويا اللي بيشتغل في المستشفى وياما اتكلم عن حاجات بتعمل جلطات في القلب، أبويا هو اللي اتخلص من أمي، يمكن منعرفش السبب الرئيسي لكن هو اللي عمل كدا..
وعرفنا إن الحاجة اللي في البيت مش هتمشي غير لما حد ياخد حقها، والتهديد الأكبر دلوقتي هو أخويا، ابنها الصغير (حازم) اللي بقا فعلًا بيصحى متبهدل وكل مكان فيه بيشتكي، ولأول مرة أشوف هند عاملة زي المجنونة، زي القطة اللي ممكن تاكل ولادها عشان تحميهم، كانت نظراتها غريبة، وشكلها مُخيف، كلمتها عن والدي لقتها بتقولي إنها هتحمي ابنها بأي طريقة، حتى لو هتتخلص منه تمامًا..
ورغم إني اترعبت من كلامها إلا إني معترضتش، وإنما دخلت أوضتي وقفلت عليا الباب، وكلها ساعات وسمعت صوت صراخ رهيب، خرجت أجري من أوضتي لقيت هند ماسكة سـ,ـكينة وجرحت بيها أبويا اللي قدر يمسكها بكل قوته ويحمي نفسه منها.. عشان كانت ثايرة خطف منها السكـ,ـينة وقفل باب الشقة بالمفتاح والشبابيك عشان متخرجش أو تجري لحد ما يفهم إيه اللي بيحصل، وقتها بس حسيت بالرعب وهي عمالة تصرخ وتقول: ـ أنت اللي قتـ ـلـت مراتك، أنا هقـ ـتلك زي ما قتـ ـلتها..
أول ما سمع منها الكلام ده ضـ ـربها بالقلم بكل قوته عشان تفوق وتتكلم من غير الجنان اللي بتعمله، وقتها انهارت على الأرض وبدأت تقول: ـ كلنا اتأكدنا إن أنت اللي اتخلصت منها، وبنتك كمان أكدتلي ده.. لقيته بص ناحية باب الأوضة لما كنت واقفة بتجسس عليهم، ولقيت عنيه بتطلع شرار، وردد جملة خلتني أقع مكاني من الرعب ـ شيطانة زي أمها.. وجري ناحيتي وفي إيده السكـ,ـينة اللي خدها من مراته، ولأول مرة شوفت في عنيه المـ ـت، وإني لو متكلمتش فعلًا هيمـ ـوتني، وقتها بس حكيت، حكيت كل حاجة..
أنا اللي عملت كل ده، أمي من يوم ما أبويا اتجوز تاني وهي عايزة تخرب الجوازة بكل الطرق، ودايمًا كانت بتردد وتقول إن أبويا مسحور عشان كدا اتجوز هند، وإنها لازم ترد بنفس الطريقة، كنا كل شهر بنزور واحد، كان بيعمل حاجات عشان أبويا يطلق هند ويرجع لأمي، لكنه مكنش بيطلقها، بالعكس كان بيتعلق بيها أكتر، وأمي اتقهرت على مدار سنين ومـ ـاتت بمرض غريب ومش مفهوم، وفهمتني قبل ما تمـ ـوت إن ده بسبب سحر هند..
ولما كنت عايزة أنتـ,ـقم لأمي، زورت دجال جديد، وعملت سحر لهند ولابنها ولأبويا، كنت عايزة أجننهم ومحدش يشك فيا أبدًا، كنت بقوم أخـ,ـنق أخويا بالليل وأخنقها وأخوفها واكتبلها بالد ـ,ـم وأرجع أمسحه، وهي فعلًا كانت بتصدق كل اللي بعمله.. خلتها تصدق إن أبويا اللي قتـ ـل أمي وإن السبيل الوحيد عشان تحمي ابنها إنها تقتـ ـل أبويا، كنت عاوزاها تمـ ـوته وتتسجن وأخد أنا كل حاجة، الشقتين والفلوس وكل حاجة، لأني اتعلمت من صغري على إيد أمي إني أكره أبويا هو كمان، أكرهه أكتر من أي حاجة تاني..
لكن اللي اكتشفته إن هند فعلًا ست محترمة ومتدينة، وعمرها ما عملت حاجة حرام، وإن أمي شربتني سـ,ـم من صغري، سـ,ـم يتلخص في كراهية أبويا وإني أصدق إن مراته بتاعة أعمال، عشان كدا مـ ـاتت من الحقد والغل اللي جواها بعد ما ورثته ليا، مـ ـاتت وسابتني عبارة عن شعلة من الغل والحقد والشر، ودلوقتي حطتني في موقف مرعب، أبويا فعلًا كان هيتخلص مني وكان شايفني شيطانة..
الغريب إن اللي اتدخلت وبـ,ـاست على رجله إنه ميأذنيش كانت هي هند، هي اللي وقفتله واترجته وفكرته إني بنته، هي اللي طلبت منه يسامحني وهي اللي شغلت قرآن وفضلت تذكر الله كتير أوي، وهي اللي ربنا جعلها سبب إن الموقف يعدي، وهي اللي خدتني المسجد وهي اللي بدأت تحفظني قرآن، هي اللي طهرتني من النـ,ـار اللي جوايا وغيرتلي حياتي كلها، وهي اللي بدعيلها ليل نهار في صلواتي..
وأمي اللي بدعي عليها في كل صلواتي، أمي اللي عملت حاجة ستات كتير بيقعوا فيها، إنها تحط الابن أو الابنة طرف في مشكلة قايمة بينها وبين جوزها، في حين إن الأطفال دايمًا لازم يكونوا برة الصـ,ـراع تمامًا، حتى لو حصل طلاق، وحتى لو طرف ظلم التاني، لازم الأطفال يتعلموا يحبوا أبوهم وأمهم بدون ما طرف يحاول يخليهم يكرهوا الطرف التاني، لأن اللي هيسقي الزرعة بالحقد والنار هو اللي هيحصدها في النهاية، واللي هيتقي الله ربنا هينجيه مهما حصل..
[وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا] سورة الطلاق بقلم/ أحمد محمود شرقاوي