
كل أسبوع بروح أنا وأمي مركز خاص عشان جلسات (غسيل الكِلى) بتاعتها، ورغم إن الموضوع ده كان مسببلي تعب نفسي فوق الوصف إلا إني كنت دايمًا بضحك ومُبتسم، دايمًا بهزر حتى وهي أمي على الجهاز بتغسل عشان أبقا من الناس اللي بتقابل أقدار ربنا بالابتسامة والسكينة، بس من جوايا كنت عارف إن الموضوع بيتعقد أكتر وأكتر، وإني قريب مش هلاقي جنيه واحد في جيبي عشان الجلسات دي..
رجعت يومها من الجلسة على بيتي بعد ما روحت أمي ولقيت مراتي مستنياني وعنيها بتطلع شرار، أكيد فيه خنـ,ـاقة جديدة كالعادة، والخنـ,ـاقة أكيد عشان المصاريف المتأخرة علينا، وبعد كلام كتير وصل للزعيق سبتها ودخلت الأوضة عشان أنام، وهي فضلت في الصالة تتفرج على التلفزيون، بس للأسف معرفتش أنام ولو لحظة واحدة من الحر والخـ,ـنقة اللي جوايا.. قمت من مكاني وروحت على الحمام عشان أسمع مراتي بتكلم صحبتها وبتقول بالنص: ـ طبعًا خدت شبكتي خبتها عند أمي أحسن يطلبها مني أنا عارفة، وشكلي كمان هطلق قريب لأني مبقتش مستحملة العيشة دي..
يمكن أكون غلطان ويمكن أكون اتسرعت، بس بعد اللي سمعته متحملتش لحظة واحدة، كانت الساعة ١٢ ونص، كلمت أبوها اللي جالنا مخضوض وطلقت بنته قدامه وطلبت منه ييجي بكرة ياخد حاجتها، صدمتهم كانت كبيرة وتحديدًا مراتي، بس من جوايا كنت عارف إني عملت الصح، مش دي الست اللي ينفع أكمل معاها حياتي، سنة كاملة كلها مشاكل تخليني فعلًا مفضلش جوة القفص ده..
وبعد الطلاق بأيام حصل اللي كنت متخيله، فُجر في الخصومة وصل لمرحلة تشويه السُمعة واتهام في الأعراض وأمور قـ ـذرة كتير، تجاهلتها تمامًا ورميت الموضوع للأبد، وكملت جلسات أمي بعد ما روحت أقعد معاها لأني ببساطة بعت الشقة وسددت من تمنها المؤخر ونفقة العِدة والمُتعة وكملت بالمبلغ اللي كنت محوشه.. ولقيت نفسي ومع الجلسات مضطر اشتغل شغل تاني جنب شغلي، لأن مرتبي كله بقا رايح على أمي وتحديدًا لما أخواتي شالوا إيديهم من موضوع علاجها وبقا الحِمل كله عليا، وكأنهم ما صدقوا إني طلقت وشافوا إني خلاص بقيت حُر ومعايا فلوس، ورغم كل ده كنت مبتسم وباخد الأمور بهزار وضحك..
وأثناء ما كنت على القهوة وبتكلم مع واحد صاحبي وبقوله إني مش عارف هلاقي شغل تاني ازاي بالليل وكمان شغل متاح أنام فيه، واتفاجئت إن الشغل موجود بالفِعل، بس شغل غريب مكنش ييجي على بالي إطلاقًا.. قالي إن فيه تُربي اسمه (عم جمال) محتاج حد معاه في الشغل عشان يساعده، محتاج حد يكون (حفَّار) وميزة الشغل في المقـ,ـابر بالليل إنك بتفضل نايم أغلب الليالي، إلا لو في ليلة جت جنـ,ـازة بالليل بتشتغل ساعة بالكتير وترجع تنام، وجـ,ـنازات الليل دي بتيجي قليل أوي..
معرفش ليه خدت الموضوع بضحك كالعادة رغم إن قلبي اتقبض، بس لما عرفت إن بيتعملك راتب شهري وإنه هيسند جامد مع المرتب التاني وإن أغلب الشغل نوم وافقت، وافقت وقابلت عم جمال اللي رحب بيا وفضل معايا أسبوع كامل فهمني فيه كل حاجة، الموضوع مش صعب إطلاقًا، والجنازات الليلية بعرف إنها جاية بالتليفون وبعرف مكان المقـ,ـبرة فبجهزها وبدفن وخلاص، وده بيحصل مرة أو مرتين بالكتير أسبوعيًا..
فهمت الشغل ومشيت الأمور وبقا عم جمال بيغيب كتير أوي، وبقا اعتماده إن فيه واحد تاني موجود غيره، وأنا بصراحة كنت مرتاح كدا، لأن وجوده كان قلق وكلام مبيخلصش، إنما أنا كدا مرتاح وبنام تقريبًا طول الليل، لحد ما جت ليلة الخميس وكنت وصلت المقابر وولعت على الشاي وقاعد لقيت مكالمة من عم جمال بيقولي إن فيه جنازة جاية دلوقتي وهتدفـ,ـن في الحوش رقم ٢٢ ب..
روحت جهزت الحوش واستنيت الجـ,ـنازة على أول المـ,ـقابر، عربية ملاكي وعربية ميكروباص فيهم ١٠ أشخاص من ضمنهم ٨ سيدات، يمكن تستغرب شوية لكن ده أمر طبيعي وبيحصل لما تكون الجـ,ـنازة جاية من محافظة تانية، شيلت التابوت مع الرجلين واللي كان خفيف جدًا ووصلنا للقـ,ـبر، عرفت إنها واحدة ست كبيرة في العُمر، نزلت معاهم القبـ,ـر وحطوها وخلتهم يوجهوها ناحية القِبلة وحطيت تحت جنبها الشمال شوية رمل عشان تبقا أقرب للنوم على الجنب اليمين وخرجنا، دعينا للمتوفية ومشينا..
رجعت على الأوضة وأنا همـ,ـوت وأنام لأني كنت مرهق جدًا، وأول ما روحت في النوم سمعت خبط على باب الأوضة اللي بنام فيها، قمت مخضوض من مكاني لأن ده في العادي مبيحصلش أبدًا، فتحت الباب ملقتش أي حاجة، قولت يمكن بتخيل ونمت، وأول ما نمت سمعت صوت الباب بيخبط مرة تانية، بس المرة دي كان في الحلم.. قومت في الحلم وفتحت الباب لقيت واحدة ست واقفة، كنت مستغرب وجودها في المكان وسألتها عن السبب لقتها بتقولي:
ـ تعالى أعدلني يابني عشان مش عارفة أنام كويس الله يباركلك.. معرفش ليه دققت في ملامحها بس مقدرتش أعرف دي مين وصحيت من النوم.. كنت دايخ وراسي تقيلة أوي، ونمت في ثواني كأني مضروب على راسي عشان أشوف نفس الحلم مرة تانية، وكأني بكمل الحلم، ولقتها بتقولي: ـ أنت حطيت رملة كتير وأنا مش عارفة أنام الله يباركلك يابني أعدلني.. قمت من تاني وأنا مصدع وهمـ ـوت من الصداع، عملت كوباية شاي وفين وفين لحد ما الصداع راح، وقررت أتجاهل اللي شوفته وأنام، وأول ما نمت اتكرر الحلم للمرة التالتة، بس المرة دي قالتلي حاجة مُخيفة أوي:
ـ أعمل خير عشان أمك المريضة تلاقي اللي يعملها خير.. وقتها صحيت وأنا عرقان وقلبي بيدق وعرفت إنها مش هلوسة، استعذت بالله وروحت فتحت القـ,ـبر عليها وأنا عمال اقرأ أدعية التحصين، نورت الكشاف ونزلت جنب الجُـ,ـثمان، وفعلًا مكنتش عارف أعمل إيه ولا ينفع ألمس الست لأنها مش من أهلي، بس بدأت ألاحظ حاجة غريبة، زي بروز في الكفن بتاعها من جوة، بروز غريب..
حطيت إيدي عليه لقتها حاجة زي الحديد مكنتش فاهم هي إيه، فكيت عقدة الكـ,ـفن وبصعوبة شديدة عشان ملمسش الجسم طلعت الحاجة دي، كانوا ٤ غوايش دهب مربوطين في بعض، استغربت أوي ومبقتش فاهم الدهب ده جه ازاي، خدته وخرجت وقفلت عليها، والغريب إني لقيت نفسي مطمن لأن الجسم كدا مرتاح بعد ما شيلت من تحته الدهب..
فضلت يوم كامل بفكر ومش عارف أعمل ايه، وكل اللي في دماغي إن ده رزق وإني أخد الدهب ده، تحديدًا وإني محتاج الفلوس عشان أمي، محتاجها جدًا كمان، أنا واحد طلقت مراتي وخسرت بيتي وأمي مريضة وحياتي كلها ضنك، ليه أضيع الفرصة من إيدي، لكن فيه صوت تاني أتكلم جوايا وقال: ـ وهل ده سبب إنك تاخد حاجة مش من حقك، يعني تخسر كل حاجة وكمان تخسر آخرتك..
لحد ما كنت هناك ومسكني الصداع من تاني ونمت، وشوفت ست شكلها غريب ولابسة جاكيت أحمر وجاية ناحيتي، ومن الناحية التانية شوفت الست المدفونة بتبص ناحيتها وحسيت إنها غـ,ـضبانة غـ,ـضب شديد، وصحيت من تاني مصدع صداع غير طبيعي، وأول ما فوقت سمعت خبط على الباب.. قمت من مكاني وفتحت بسرعة لقيت واحدة ست، ولقتها مترددة جدًا، وقالتلي إنها عاوزاني في حاجة مهمة، قالتلي إنها بنت الست اللي اتدفـ,ـنت واللي أنا دفنتها، وإنها مودعتش أمها كويس ونفسها تودع أمها بجد لأن أمها كل شوية تجلها في المنام، وعرضت عليا ٥ آلاف جنيه مقابل إنها تنزل قبر أمها ولو دقيقة واحدة..
لوهلة كنت هقولها ده فيه دهب وأنا لقيته بس افتكرت الحلم، ولما ركزت لقيتها لابسة جاكيت أحمر برضه، رفضت اللي هي عاوزاه وهددتها لو فضلت إني هبلغ المباحث، الست خافت ومشيت من المكان بسرعة.. ولقيت نفسي تاني يوم بجيب عنوان الست المدفـ,ـونة من رقم ابنها اللي جبته من عم جمال وقابلته، وحكيتله عن إن أخته جاتلي وطلبت مني كذا وكذا، الراجل استغرب واتصل على أخواته البنات كلهم والكل أنكر إنه عمل كدا، طلب مني أوصف الست دي ووصفتها، ولقيت صوته اتغير وقالي دي مراتي وفعلًا خرجت امبارح بالليل..
حكتله كمان إني لقيت دهب في الكـ,ـفن والحلم وكل حاجة، لقيت وشه اتغير بصورة أشد وقالي إنه دلوقتي فهم، مراته كانت بتخدم أمه في آخر أيامها، وبعد ما دفنوها محدش لقي الدهب بتاعها إطلاقًا، ولحد دلوقتي بيدوروا عليه لأنه كان في دولاب شقتها، وإن أخواته البنات حذروه من مراته أكتر من مرة وهو مصدقهمش.. واجهها ومراته اتكشفت وطلقها، وبعتلي بعد أسبوع وكان أخواته كلهم موجودين وقالولي بالنص أنت راجل أمين وأحنا متنازلين كلنا عن الدهب عشانك، حاولت أرفض لكنهم أصروا وقالوا كفاية إن أمنا ارتاحت، ولو ده ورث فأحنا هناخده وبعدها هنديهولك كهدية..
خدت الدهب بعد إصرار كبير وأنا مش مصدق إطلاقًا، بعته ولقيت نفسي معايا مبلغ أعمل جلسات لأمي ٣ سنين قدام، مبقتش عارف أبكي من رحمة ربنا ولا أبكي لأني كنت هطـ,ـمع واخده من نفسي، ولا إني كنت فاكر إن طلاقي لمراتي بلاء وكان هو الخير، لأن مراتي كانت هتكون زي مرات ابن الست دي.. أنا واثق تمامًا إنها كانت هتكون زيها عشان كدا ربنا خلصني منها، وعرفت إن مهما ظروفك كانت صعبة أوعى تبرر لنفسك وتاخد حاجة مش من حقك، وإن مهما الدنيا تضيق بيك، اعرف إن ربنا بيبعدك عن الشر وبيهيئك لخير كبير، بس أنت اصبر واحتسب لوجه الله..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي



