
أمي بقالها فترة متوترة وخايفة ومبتخرجش من البيت إطلاقًا، ولما حاولت أكتر من مرة أعرف أيه المشكلة مكنتش بتقول، لحد ما عرفت من بعض الناس إنها عملت مشكلة كبيرة وستات منطقة جنبنا مسكوها ضـ,ـربوها وعـ,ـدموها العافية وحلفوا إنهم لو شافوها بتلف في منطقتهم هيسلموها للحكومة، والحقيقة اللي مش عايزة أقولها عن أمي إنها تستاهل، ويمكن تستاهل أكتر من كدا كمان، لكن هي في النهاية أمي ولازم أقف في صفها رغم رفضي الكامل للي بتعمله من سنين طويلة..
أبويا الله يرحمه مـ,ـات يمكن من ١٥ سنة كاملين وأنا طفلة صغيرة، مـ ـات في خناقة كان بيدافع فيها عن ابن عمه واتضـ,ـرب بالسـ,ـكينة ومـ ـات في ساعتها، وكل اللي سابه ليا أنا وأمي تروسيكل صغير كان بيشتغل عليه، واللي ميعرفش فالتروسيكل ده حاجة زي الموتوسيكل ولكن له زي صندوق من ورا بتحمل عليه بضايع وتنقلها من مكان لمكان، ولقت أمي نفسها مرة واحدة مضطرة تشتغل عشان تصرف عليا وعلى نفسها، والحقيقة إن أمي كانت شاطرة جدًا وخلال سنة كانت بتتاجر وتشتغل في كل حاجة تقريبًا..
اشترينا خزان مية كبير وحطيناه على التروسيكل وكنا بنعبي فيه مية من المحطة ونوزع على البيوت بمقابل، أيام البلح كنا بنجمع البلح التالف نوعًا ما من البيوت ونوديه لمصنع العجوة ونكسب، وفي العادي كنا بنلف ونجمع الخُردة من البيوت (الحديد والكرتون والبلاستيك) ونروح نوديها لمخزن الخُردة ونكسب.. حتى لما حد كان بيحتاج ينقل حاجة كان بيتصل بينا ونحملها على التروسيكل وكان بيكرمنا بمقابل كبير، كل الناس كانوا بيحبوا أبويا وكانوا بيجاملوا أمي بفلوس زيادة ويطلبوها هي أكتر من أي حد، بس للأسف أمي كانت ست طماعة، وكانت شايفة إن من حقها تعمل أي حاجة طالما هي أرملة وفقيرة ومحتاجة..
أمي عملت كل الخدع عشان تغش في الميزان، لما كانت بتاخد من الناس البلح كانت تقعد في الصندوق مربعة وتحط طرف صباعها الكبير تحت كفة الميزان وترفع لفوق بدون ما أي حد يلاحظ، وكانت بتبخس في الوزن بالطريقة دي يمكن ٢ كيلو كاملين، ولما كانت بتشتري خردة كانت بتجيب الميزان الحديد المغشوش وتغش يمكن في ١٠ كيلو في أي بيعة كبيرة، ولما كانت بتبيع خضار كانت بتحط عجينة تحت الكفة عشان تقلل الوزن، وحتى جراكن المية مكنتش بتعبيها للآخر عشان تكسب أكتر..
ناس كتير حذروها وبدأت تطلع عليها سُمعة مش كويسة، الناس اتحملوها كتير لحد ما خلاص زهقوا منها، مبقاش حد بيتعامل معاها في منطقتنا خالص، واضطرينا نخرج لبلاد تانية ومناطق تانية عشان نشتغل، وفضلت نفس السُمعة تطاردها لحد ما حصل اللي حصل من أيام واتخانقت مع واحدة في الشارع بسبب الغِش، بس اللي مكنش متوقع إنهم سحلوا أمي في الشارع لأنها كانت نصبت على أكتر من واحدة في المكان..
قعدت معاها أحاول أطيب بخاطرها وأطلب منها إننا نمشي مظبوط وربنا هيرزقنا لكنها مكنتش بتسمع مني أصلًا، غير إن حالتها النفسية بدأت تسوء أكتر وأكتر بسبب الموقف اللي اتعرضت له وبقت عصبية وبتتخانق وتزعق على أقل كلمة، ومع الوقت بدأت الفلوس تخلص من البيت وكان لازم نخرج عشان نشوف رزقنا، لفينا في أكتر من مكان عشان نجمع الخُردة لكن سُمعة أمي خلتنا نلف طول اليوم ومنجمعش حتى كرتونة واحدة، وكأن الكل أجمع إنه مينفعش يتعامل معانا..
حاولنا في موضوع المية محدش اشترى مننا، حاولنا بعدها في أكتر من حاجة لكن مكنش فيه أي حلول إطلاقًا، حتى لما بقينا في موسم البلح محدش كان بيتعامل معانا خالص، عشان كدا كان لازم نبعد أكتر وأكتر ونروح بلاد بعيدة مكناش بنروحها إطلاقًا، وعشان كدا بقينا بنضطر نخرج من الفجر عشان نلحق نوصل ونلف شوية ونرجع قبل الشمس ما تغيب، كنا في الفترة دي ولأننا محتاجين أي حاجة بقينا بنلف ونجمع الخُردة والبلح التالف، كنا قاسمين التروسيكل نصين وبنحاول نعمل أي حاجة لأن التكلفة علينا بقت أكبر بسبب المشاوير البعيدة..
ونوعًا ما بقت الدنيا كويسة والناس بيتعاملوا معانا، فرحت من قلبي وطلبت من أمي إنها تبطل موضوع الغِش ده لأننا ما صدقنا إن الناس بيتعاملوا معانا ومش عايزين أي مشاكل، وكنت فاكرة إن أمي هتلتزم، وفضلنا حوالي شهر شغالين والدنيا كويسة أوي، لحد ما بدأنا نوصل لأماكن زراعية بعيدة أوي، وبقينا بنضطر نعدي من الأماكن دي عشان نوصل للطريق السريع أنا وأمي..
وفي يوم لقيت أمي بتطلب مني أقف ولقتها نزلت بسرعة، مكنتش عارفة هي بتعمل أيه لحد ما شوفتها بتدخل على نخلة قصيرة وبتاخد منها عرجون بلح كامل وبتحطه على التروسيكل وبتطلب مني أجري، حاولت أمنعها وأطلب منها ترجع البلح لأن دي سـ,ـرقة لكنها زعقتلي وخلتني أتحرك غصب عني، وعلى آخر اليوم كان التروسيكل مليان بلح راحت بيعاه لمصنع العجوة وعملت مبلغ كويس..
وعرفت إن أمي لقت مصلحة جديدة مفيهاش أي تعب، نروح الصبح بدري على الأماكن دي نسـ,ـرق البلح ونرجع بسرعة، حاولت معاها بكل الطُرق لدرجة إني قولت إني مش هخرج معاها لكنها قالتلي إنها هتروح لوحدها حتى لو هتمـ,ـوت، وإن ده حقها وإننا لازم نعمل كدا عشان ناكل، وبعد أيام قررت تبطل لأن حد شافها وكانت هتتمسك لولا إن ربنا سترها عليها وهربت من المكان..
ورجعت أخرج معاها من تاني لحد ما جه اليوم اللي مش هنساه عمري كله، فضلنا نلف يومها ومجمعناش غير ٦ كيلو بلح تقريبًا، يعني مكسب ٢٠ جنيه بالكتير، وفضلنا نلف لحد بعد المغرب ومفيش أي جديد، ومن كتر اللف في اليوم ده توهنا ودخلنا في منطقة زراعية ومعرفناش نخرج منها، وفضلنا نلف ييجي ساعة لحد ما خلاص الليل دخل علينا، وفي النهاية لقينا راجل عجوز سألناه ووصف لنا الطريق واتحركنا عشان نرجع..
لكن أمي قررت تعمل نفس العَملة، لقت نخلة قصيرة فيها بلح فنزلت بسرعة وقطعت كل البلح اللي عليها وحطته على التروسيكل، كنت هتجنن من أفعالها لدرجة إني اتخانقت معاها وصوتنا كان عالي، وفي النهاية اتحركنا وأنا بغلي من جوة، وأول ما اتحركنا ظهر طفل صغير قدامنا وكان بيبكي، أمي حاولت تتفاداه لكني نزلت بسرعة وسألته عن سبب بكائه وعرفت منه إنه خايف والجو بقا ليل، سألته عن بيته وعرفت إنه قريب من المكان، في نفس طريقنا..
ركبته معانا على التروسيكل رغم اعتراض أمي، قولت نعمل حاجة خير وسط الحرام اللي أحنا غـ,ـرقانين فيه، وفعلًا وصلنا في النهاية وقررت اتأكد إن ده بيته وخبطت على الباب لحد ما خرجت واحدة ست لابسة أسود بصتلي ببرود، سألتها إن كانت والدة الطفل لكنها مردتش عليا وبصت ناحيتي وناحية أمي ودخلت جوة مرة تانية هي والطفل..
استغربت منها جدًا لكني اتحركت مع أمي ورجعنا البيت، أمي قررت تروح على مصنع العجوة تبيع البلح وأنا سبتها لأني كنت متضايقة من اللي عملته، وبعد ساعة لقتها راجعة بنفس البلح مرة تانية، وعرفت إن المصنع رفض البلح كله، بصيت على البلح وصُعقت لما لقيته كله سوس ودود، رغم إن البلح متقطع قدام عنيا من على النخلة وعشان يوصل للمرحلة دي لازم يتركن شهور، كنت مذهولة من المنظر وقرفانة.. طلبت من أمي ترمي البلح لكنها رفضت وقالت إنها تاني يوم هتروح لمصنع تاني وتبيعه بالرخيص وفيه مصانع معندهاش ضمير وهتاخده تعمله عجوة عادي جدًا..
دخلت أنام لأني مكنتش متحملة خلاص، وفي نص الليل سمعت أصوات غريبة وكأن حد بيتمشى في الصالة، لكني من التعب مقدرتش أقوم، لحد ما سمعت صوت أمي بتصرخ، قمت مرعوبة وجريت عليها لقتها ماسكة بطنها وعمالة تتألم من الوجع وتصرخ.. خدتها المستشفى اللي على المحطة بتاعة البلد وعرفت إنها حالة تسمم شديدة، وعلى الفجر كانت أمي ميتة، كنت مذهولة مش قادرة استوعب، رجعت المنطقة والناس اتجمعوا كلهم ووقفوا معايا لحد ما غسلناها وكفناها واتدفنت بعد الضهر..
ورجعت البيت مش مستوعبة ولا مصدقة اللي حصل، وكأني في كابوس، كابوس مُرعب، لحد ما شوفت الطبق اللي كان جمب السرير، كان فيه بواقي بلح متاكل، بلح كله عفن، وعرفت إن أمي أكلت منه بالليل.. روحت على التروسيكل اللي ورا البيت واللي كان مليان بلح ملقتش عليه بلحة واحدة ولا حتى آثار البلح بتاع امبارح وكأنه متحطش عليه من الأساس، فضلت أبكي طول الليل على أمي اللي مـ ـاتت بالطريقة دي، وعدى أسبوع وأهل المنطقة بيبعتولي أكل ومية وهدوم وحاجات تكفيني لشهور..
ولما قررت اتحرك واشتغل كل الناس بقوا يتعاملوا معايا لأنهم كانوا عارفين إني مغلوبة على أمري وإني بتقي الله في الشغل والتعامل، لحد ما بعد شهرين عديت على نفس المكان، النخل اللي أمي سـ,ـرقته وبيت الطفل اللي وصلناه، وقررت أنزل أخبط على الباب اسأل على الطفل.. معرفش عملت كدا ازاي لكني اتفاجئت إن البيت مهجور تمامًا، ولما شافني راجل عجوز استغرب وقالي مقربش من البيت ده تاني أبدًا لأن البيت ده مسكون، ومش هو بس، ده كل الأرض دي محدش بيقربلها واللي بيسـ,ـرق منها حاجة أو بيخرب فيها بيمـ,ـوت..
ورجعت وأنا هتجنن، معقولة أمي سـ,ـرقت من أرض الجن عشان كدا كلت بلح مسموم غصب عنها، ورجعوا خدوا البلح بتاعهم تاني، طيب ليه أنا مكلتش معاها، وعرفت الجواب لما شوفت نفس الست اللي فتحتلي الباب يومها، عرفت إنها مقربتش مني لأني عملت خير ورجعتلها ابنها، إنما أمي كانت تستحق العقاب ده لأنها سـ,ـرقت..
أمي كانت ماشية بمبدأ ناس كتير ماشيين بيه، طالما أنا فقير وعندي ظروف خاصة، أرملة أو يتيم أو عندي إعاقة يبقا مسموحلي أسـ,ـرق وأغش، أو أحاول أبرر لنفسي إني مضطر وأسـ,ـرق الناس، رغم إن مفيش أي مبرر إطلاقًا للسـ,ـرقة والغش، مهما كان مفيش مبرر ولازم تتقي الله وتمشي صح، وقتها ربنا هيديك أجرك ضعفين، ضعف لأن بتجري على رزقك بالحلال، وضعف لأنك متحمل ظروف خاصة في حياتك ومكمل.. [وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ] سورة المطففين
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




