
جدي الله يرحمه بعد ما اتو.فى كان سايب وصية وكاتب فيها نصيب كل شخص من أولاده كلهم بما يرضي الله وبدون ما يظلم أي حد فيهم أبدًا، وأبويا وأخواته كانوا مع بعض في قمة المودة والرحمة واستحالة تسمع عن مشكلة حصلت ما بينهم في تقسيم الورث مثلًا، ومع ذلك جدي قسم كل حاجة بالظبط بينهم بالتساوي، وجه نصيب والدي مبلغ كبير يقدر يفتح بيه مشروع عشان يأمن مستقبلنا، أو ده كان كلامه لينا وهو بيستلم المبلغ بتاعه وبيفكر هيعمل بيه أيه..
وفي النهاية تفكيره هداه إنه يشتري حتة أرض من ناس قرايبنا ويشغل فيها ناس معرفة يزرعوها أو يأجرها ويستنفع بيها وكمان الأرض دايمًا قيمتها في زيادة مستمرة على حسب قوله، وراح اتفق على حتة أرض في البلد مساحتها تقريبًا نصف فدان وصالحة للزراعة كمان، وبقيت أنا وأختي كل همنا الشاغل إننا نروح البلد في يوم عشان نشوف الأرض ونستمتع بجمال الريف والطبيعة بتاعت الريف..
وفضلنا نلح على والدي كتير عشان يودينا ولو يوم واحد نقضيه في الأرض ونتفرج عليها، وفي النهاية وبعد إلحاح شديد وافق إنه يودينا ونقضي يوم هناك ونقضيه كمان عند قرايبنا اللي اشترينا منهم الأرض، وقعدنا ليلتها أنا وأختي الصغيرة مستنين تاني يوم على أحر من الجمر، وكأني بعد ما خلصت كلية وبقيت دكتورة أد الدنيا رجعت عيلة صغيرة من تاني وبستنى أي فسحة عشان أخرج من التوتر وتفكير الكِبار.. ووسط سهرتنا لقيت أختي قمر بتقولي بدون أي مقدمات:
ـ مش هتحكيلي حكاية العفريت اللي طلعلك في المشرحة أيام الدراسة.. كلامها خلى قشعريرة غريبة تمسك في جسمي، وكأنها داست على زرار الخوف جوايا، لقتها أول ما لمحت الخوف في عنيا طبطبت عليا واعتذرت، بس أنا كنت بحبها، ومكنتش بحب أرفض لها طلب، وقررت أحكيلها تفاصيل أسوأ يوم عدى عليا في حياتي في مشرحة الكلية..
يومها كنت ولسوء حظي متأخرة على محاضرة التشريح وكان عندنا امتحان عملي بعد أسبوع وبالأخص محاضرة انهاردة اللي هيحضرها هيحل الامتحان كله، وأنا للأسف العربية اللي كنت رايحة فيها الكلية عطلت في الطريق، وكان يوم ما يعلم بيه إلا ربنا، ومسافة ما وصلت مبنى الكلية وأنا بجري فوجئت بزمايلي خارجين من مشرحة الكلية وبيضحكوا، وكانت الكارثة لما عرفت إن المحاضرة كلها خلصت..
دخلت للمعيدة بسرعة واعتذرتلها إني اتأخرت وإني لازم أعرف اللي اتشرح في المحاضرة دي ضروري، فضلت تفكر وقت طويل وقالتلي إن لو حد غيري كانت استحالة هترجع تشرحله تاني، وطلبت مني أدخل استناها في المشرحة لحد ما تعمل مكالمة وترجع من تاني.. في الوقت ده كانت واحدة صاحبتي مسجلة المحاضرة بتليفونها وبعتتلي التسجيل، وقفت على باب المشرحة وشغلته لقيت الدكتورة بتتكلم عن تشريح الجمجمة والمخ والفص الأمامي والخلفي وغيره، حسيت إني لو سمعت التسجيل وأنا شايفة الجثة هفهم كل حاجة بدون الدكتورة..
دخلت لصالة المشرحة ولقيت الجثة ممددة على الطاولة في ثبات تام، كنت متوترة وقلقانة شوية بس كنت شبه اتعودت على المواقف دي، ووقفت قدام الجثة وشغلت التسجيل، وبدأت أسمع صوت الدكتورة.. ـ هنا بالظبط مكان صباعي بنحط المشرط وبالأخص على الجمجمة ونبدأ نشرح.. حطيت صباعي في الحقيقة على راس الجثة رغم إنها كانت باردة أوي، وبدأت أدوس عليها برفق، في اللحظة دي سمعت تشويش جاي من صوت التسجيل، بصيت للموبايل بخوف كبير ومبقتش فاهمة ليه الصوت ده، الصوت كان مزعج وغريب، حاولت أقفل التسجيل بس متقفلش، ومن خلال التشويش سمعت صوت حد بيبكي، صوت واحدة بتبكي بهيستريا شديدة..
وقتها حسيت ببرودة المشرحة، حسيت بالخوف الشديد وقلبي بقا بيدق بعنف غريب، لحد ما فتحت الموبايل وطلعت منه البطارية عشان يفصل خالص، ومع انشغالي بالموبايل سمعت صوت حد بيزوم قدام السرير، بصيت بخضة ولمحت واحدة شعرها طويل أوي مغطي عنيها وفي لحظة جريت واستخبت ورا الحيطة.. أنا جسمي كله وقتها تراخى تمامًا كأني فقدت القدرة على النُطق، وقبل ما اتحرك شوفت الجثة مفتحة وعنيها جاحظة جحوظ مُرعب وبتبرق ناحيتي، وقعت يومها وأغمى عليا في قلب المشرحة وحصلتلي شبه حالة مس، فضلت أيام طويلة بتابع مع معالج بالقرآن، كوابيس ومشاكل ومواقف لحد ما اتداويت من الموضوع وإن ساب جوايا أثر كبير..
أثر خلاني استشعر أي مكان فيه أذى، واستشعر وجود الجن من حولينا، أختي قربت مني وح.ضنتني أوي وعدت الليلة في سلام، وتاني يوم كنا راكبين العربية ورايحين ناحية البلد، وصلنا على الضهر وقرايبنا رحبوا بينا جدًا وعملولنا وليمة كبيرة وكرمونا آخر كرم، وعلى العصر طلعنا نشوف الأرض اللي كانت مواجهة لبيت قرايبنا.. المكان عبارة عن أرض زراعية من قدامها ترعة وصف بيوت متباعدة عن بعض في المواجهة، وكأن كل بيت مبني قدامه الأرض بتاعته..
معرفش ليه حسيت بالراحة النفسية، وتخيلت لو ربنا كرمني واشتريت بيت هنا وأرض وعشت وسط الهدوء والجمال ده، دخلنا الأرض اللي كانت مزروعة برسيم وقعدنا نشرب الشاي ونضحك وهوا الغيطان معيشنا في حالة من السكينة والسعادة المُبالغ فيها، لحد ما أختي سألت بنت من اللي قاعدين معانا عن مبنى صغير بالطوب القديم في وسط الأرض، قالتلها إن دي الزريبة بتاعة البهايم بس هي فاضية دلوقتي..
وفورًا أختي شدتني ودخلنا الزريبة عشان نتفرج عليها، كانت عباة عن أوضة مربعة ليها باب متهالك من الخشب، ومن جوة كانت الجدران آيلة للسقوط وريحتها عطنة جدًا، دخلت الزريبة ووقفت فيها وأنا مبتسمة بس فجأة جالي إحساس مُخيف، الاستشعار اللي جوايا اشتغل وحسيت إن المكان ده فيه شر غريب، قلبي اتقبض وحسيت بكهربا بتمسك في جسمي وشعري انتصب، وفورًا اخدت أختي وخرجنا وأنا خايفة وقلقانة من المكان ده..
وفي النهاية عدى اليوم بدون أي مشاكل ودخلنا ننام في أوضة أنا وأختي في بيت قرايبنا، الأوضة كان ليها شباك بيبص على الأرض، وقفت أتأملها وبالأخص أتأمل الزريبة وسط الظلام الدامس ده واللي كان شكلها قمة في الرعب كأنها بوابة لأرض الجن.. أختي صرخت قدامي بهزار إنها عاوزة تروح تشوف الزريبة بالليل هتبقا عاملة أزاي، بس أنا حذرتها تحذير شديد، كلامها قلقني أكتر لأني عرفاها مجنونة ومفيش حاجة حذرتها منها إلا وعملتها..
وفي النهاية نمنا، بس مخدتش وقت طويل لأني صحيت ملقتش أختي جمبي، قلبي وقع في رجليا وخرجت أدور عليها في البيت بس مكنتش موجودة، أكيد راحت الزريبة، أنا عارفة دماغها كويس، فكرت أصحي والدي بس كان نايم مع راجل تاني في الأوضة ومينفعش أدخل عليهم، كان موقف صعب.. نزلت فورًا وفتحت باب البيت وخرجت، اتجهت بخوف كبير ناحية الأرض اللي كانت غرقانة في ظلام دامس، وعلى ضوء القمر قدرت أقرب شوية من الزريبة وبدأت أنادي على أختي..
ـ يا قمرررر.. يا قمرررر.. بس ولا حياة لمن تنادي، فتحت باب الزريبة وأنا إيدي بتترعش بخوف كبير عشان يطلع صوت عالي خلى جسمي يتلبش، فتحت كشاف الموبايل ودورت يمين وشمال في الزريبة بس ملقتش أي حاجة، اتحركت عشان أخرج من المكان، بس وقتها سمعت صوت من ورايا، صوت شبيه بصوت البقرة، جسمي كله اتخشب مكانه لأني لسة شايفة المكان وكان فاضي..
ووقفت قدام الباب جسمي مشلول مش عارفة أتحرك، راودني نفس الإحساس إياه لما كنت جوة المشرحة، إحساس إن حد بيراقبني أو إن فيه حضور في المكان، وفي زاوية الزريبة شوفت بقرة ضخمة معرفش ظهرت منين، ظهرت زي البنت بتاعة المشرحة ما ظهرت، بقرة عنيها حمرة زي الدم وبتبص ناحيتي بغضب شديد.. وبدأت تتحرك ناحيتي وأنا في حالة من الفزع خلتني أتمنى أمو.ت ولا إنها تقرب مني القُرب ده كله، وقتها شوفت الجحيم، بقرة ضخمة بتزوم وعنيها حمرة، مكملتش أكتر من كدا لأني وقعت في غيبوبة..
أختي كانت في الحمام وأنا من خوفي عليها افتكرتها خرجت، ولما رجعت ملقتنيش صحت والدي ودوروا عليا لحد ما لقوني مغمى عليا قدام الزريبة، يومها بكيت كتير أوي وحكيت لبابا إن المكان فيه شر ولازم يرجع الأرض لأصحابها.. وبابا كان بيثق في كلامي جدًا بعد تجربتي الأخيرة واعتذر ورجع الأرض بالتراضي بعد ما خسر فيها مبلغ صغير، وبعد ما رجعها بتلت شهور ومن حد ثقة عرفنا إن الأرض دي حصلت فيها حادثة بشعة..
ابن الراجل اللي اشترينا منه الأرض كان بيحفر عن آثار، وفيه شيخ قاله إن المكان فيه آثار فعلًا، وراح يحفر جوة الزريبة كل يوم بعلم والده، وقبل ما يوصلوا لباب المقبرة وابن الراجل في الحفرة ومعاه واحد حفار كانت فيه بقرة مربوطة جوة الزريبة معاهم قدرت تفك الحبل واتحركت عشان تقع جوة الحفرة عليهم تمو.تهم، يومها الراجل اتحرق على ابنه ودفن عليه هو والبقرة والراجل وادعى إن ابنه سافر..
بس هو من حسرته مقدرش يشتغل في الأرض تاني بعد ما ابنه ما مات فيها وقال يبيعها وكان حظنا إننا اللي اشتريناها، بس سبحان من خلانا نرجعها تاني لأني كنت حاسة إننا هتحصلنا مصيبة لو كملنا فيها..
وقتها حمدت ربنا كتير أوي، يمكن مريت بموقف صعب زمان كان السبب إني استشعر شر المكان ده، ويمكن مريت بموقف صعب تاني بس كان السبب إننا نهرب وننجى من شر المكان ده كله، وقتها اتأكدت إن مفيش شر في أي حاجة بتحصلنا وإن أفعال ربنا كلها لينا خير، وإننا ماشيين في الدنيا دي بأمر ربنا اللي في باطنه الرحمة حتى لو الظاهر لينا بنظرتنا القاصرة الألم.. وافتكرت قول ربنا سبحانه وتعالى [وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ] سورة البقرة
[وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ] سورة البقرة بقلم/ أحمد محمود شرقاويب




