روايات

مأوى الشي.طان للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كنت مخلص شغلي وراجع من سفر ١٢ ساعة بالقطر عشان اجازة كام يوم، روحت نمت زي الميت كتير أوي، لحد ما صحيت على تليفون الساعة ٤ العصر تقريبًا، كان صاحب عمري حارس، سلمت عليه ولقيته متحمس أوي عشان ننزل، حاولت اتهرب منه بس كان خلاص هيحلف بالطلاق إني انزل، الله يكون في عونها اللي هتتجوز واحد زي دا.. نزلنا واتقابلنا في محطة السادات وفضلنا ندور على قهوة محترمة نقعد عليها، والحقيقة لما بقعد مع حارس بنسى الدنيا وما فيها، وصلنا لمرحلة إننا بنفكر مع بعض من كتر توافق الأفكار ما بينا، ومن كتر اللف والتعب اللي كنت فيه قولتله:

ـ شوفلنا أي داهية نقعد فيها أنا تعبت منك.. ضحك ضحكة عالية وقالي: ـ خلاص هنقعد في أي حتة.. لحظتها كنا تقريبًا بنتمشى عند محطة محمد نجيب في وسط البلد، والغريب إني لمحت مدخل مضلم نوعًا ما، وبدون وعي مني روحت داخل فيه، استغرب مني وإن كان مشي ورايا بدون أي تفكير، وبعدها لقينا باب حديد وسلم صغير وفيه بنات وشباب طالعين.. ومن تعبي قولت أنا هطلع إياك تكون خمـ ـارة حتى، وطلعت، وقفني حارس بصوته العالي:

ـ أنت رايح فين يخربيتك.. ـ ياعم شكله كافيه محترم أهو.. ـ محترم أيه دا البت طالعة زي المسـ ـطولة هناك أهي.. ـ بقولك أيه أنا هطلع واللي يحصل يحصل.. طلعنا فوق لقيناه كافيه فعلًا، كان عبارة عن شقة فيها حوالي تلت أوض، كل أوضة واسعة وفيها تلت كنبات، وكانت فيه مزيكا غريبة أوي شغالة في المكان، عاملة زي نواح الشياطين، كأنك في قـ ـداس شي.طان أو حاجة زي كدا..

ودخلت وشوفت المسخرة كلها، على كل كنبة كان فيه شلة من الولاد والبنات قاعدين، اللي بيضحكوا واللي بيدخنوا واللي بيشربوا شيشة، اللي بتهزر مع صاحبها واللي حاطة راسها على كتفه، واللي ماسكة السيـ ـجارة ولا كأنها معلم في سوق السبتية.. مشهد غريب على عنيا وإن كنت شخص سريع الاستيعاب بسرعة، مركزتش معاهم وقعدنا أنا وصاحبي على كنبة فاضية، وغصب عني سرحت شوية، بنات محجبات وشكلهم ولاد ناس، أيه اللي يوصل بنت إنها تروح أماكن مشبوهة زي دي..

المكان صدقًا كأنه شقة دعـ ـارة مش كافيه، هل هي شايفة إن دي حرية وإنها كدا البنت اللي مفيش منها اتنين، يالا وأنا مالي، أنا واحد مش قادر يقف من كتر التعب، أهو هشرب قهوتي وهمشي.. بس الغريب إن المكان كان فيه سحر غريب أوي، هل هي المزيكا ولا الإضاءة الخافتة ولا البنات الغريبة دي، ضحكاتهم المتحـ ـررة ولا الدخان ولا أيه بالظبط.. لقيت حارس قاعد مبتسم زي الأهبل وبيقول بصوت مسموع: ـ يا عيني عليك يا قلبي وأنت وحيد وسط الحياة..

وانطلقت ضحكة من بنت جمبنا على كلامه خلت عينيه تلمع بغباء، الواد ده هيوديني في داهية حرفيًا، مفيش عشر دقايق وفعلًا اندمج مع الشلة اللي جمبنا وبدأوا يحكوا مع بعض.. ده عازف جيتار، وده صوته حلو، ودي ميكب ارتست، شوية عيال يوجعوا بطنك وأنت قاعد معاهم، بس الغريب إني كنت مستمتع رغم كل حاجة حرفيًا..

يمكن التغيير والإلهام اللي جالي خلاني مستمتع نوعًا ما، لحد ما عنيا جت في عينيها، سحلية دي ولا بنت، يخرب بيت الجنان اللي أنا شايفه، بنت كانت مكحلة عنيها بلون أسود واخد تلت وشها تقريبًا، وحاطة حلق في مناخيرها وودانها، وحاطة ميكب وروج فاقع جدًا، ده غير الوشم اللي على رقبتها وتقريبًا جسمها كله.. واحدة مجنونة أو مخبولة الله أعلم بحالها، بس الغريب إنها كانت مركزة معايا، بتحاول تسيطر عليا او تغـ ـويني بطريقة غريبة، عاملة زي المغناطيس اللي بيسحب الحديد، أو الأفعى اللي بتنوم الضحية بنظرات عينيها..

ومع مرور الوقت وفجأة لقيت نفسي جمب البنت دي وبنتكلم، حقيقي أنا مش عارف هي قامت وجت قعدت جمبي أمتا، ولا بدأنا نحكي بكل التلقائية دي ازاي، كان اسمها هيلانة، مهو حاجة بالمنظر ده مش هتكون سماح مثلًا، وكان تلت أرباع كلامها إنجليزي، قولت أسمع منها، أهي تجربة جديدة وخلاص.. اتكلمنا في أمور عادية خالص نوعًا ما، لحد ما لقيت حارس بيشاورلي عشان نقوم، ضفت البنت على الفيس بوك وقمت معاه، بس حقيقي عقلي كان هناك معاهم، عايز أعرف مين دول واتجمعوا ازاي وبيعملوا أيه، حاجات كتير أوي نفسي أفهمها..

روحت ولقيت هيلانة بعتالي، فرحت أوي وبدأت نوعًا ما اندمج معاها في الكلام، خاصة إن كل الأفكار الغريبة والشـ ـاذة اللي ممكن تتخيلها في حياتك أو متجيش على بالك هي مقتنعة بيها وبتتعامل معاها ببساطة.. كانت ماشية بقانون في حياتها: ربنا خلق لنا العقل عشان نبتدع ونبتكر أمور جديدة تخلينا نستمتع بالحياة، بدون أي قيود حرفيًا.. كل أنواع المخـ ـدرات شربتها، عملت الفواحـ ـش بكل صورها، لدرجة إنها وصلت لمرحلة من الملل خليتها هتتجنن عشان تبتكر حاجة جديدة في حياتها..

وبعد يومين لقيت نفسي زي المسـ ـحور نازل أقابلها، وقعدت معاهم لوحدي من غير حارس، واندمجت معاهم في الحوار أكتر، حوار كله ألفاظ وإيحـ ـاءات قـ ـذرة بدون أي قيود إطلاقًا، ووسط قعدتنا واحدة منهم قامت بسرعة وجريت على الحمام وهي ماسكة بطنها، مشهد غريب جدًا، خاصة لما بنت كمان جريت وراها تلحقها.. وفي لحظة لقيت هيلانة بتقولي كل حاجة في ودني ـ دي عملت كذا…. مع واحد من الشلة وحملت، وحاولت تنـ ـتحر مرتين بس لحقناها..

جسمي كله اتنفض حرفيًا، أيه جو المسلسلات دا، وأيه المجتمع القـ ـذر اللي عايش وسطنا دا، بس رغم كل دا كنت حابب أعرف النهاية، أو أتعمق وأفهم أكتر وأكتر.. ومرة بعد مرة بدأت هيلانة تبعتلي كتب عن كيان اسمه؛ اورسيوس، ولما سألتها مين ده أصلًا قالتلي إنهم بيعملوا نوع من أنواع المغامرات وبيحاولوا يحضروا الكيان دا، تخيل لما كل اللي بتسمعه في القصص والحواديت تلاقيه قدامك حقيقي.. ضميري فضل يزن عليا أبعد، بس مكنتش قادر، كنت عايز أكمل مهما كان وأشوف آخرتها أيه، وعدت الأيام واندمجت فعلًا معاهم، اندمجت لدرجة إني بقيت شايف كل المشاهد دي عادية..

بنت بتشرب شيـ ـشة.. ولد وبنت في وضع مـ ـخل.. عرفت إن فيه شقة فوق بالإيجار لممارسة الفاحـ ـشة بس من تحت لتحت، وده طبعًا خوفًا من الحكومة اللي بتيجي هنا كتير، اتعرض عليا أقع في الأمر دا كتير بس كنت بقاوم ببقايا ضمير عارف إنه هينام قريب أوي..

لحد ما جت الليلة الموعودة، عرفت إنهم أجروا صالة الشقة اللي فوق وهيعملوا طقوس من باب المغامرة، وقتها فعلًا خوفت، اتر.عبت، بس هي كانت إرادتها قوية أوي، قدرت تقنعني إني أطلع معاهم وأخوض المغامرة، كل اللي هعمله إني هتفرج بس، ومن الأخر قالتلي فيه كام واحد بيعبدوا الشيـ ـطان وأحنا طالعين نتفرج.. الإثارة وقتها فارت في جسمي، كل مسميات الكـ ـفر والحـ ـرام راحت من ذهني، كل اللي كنت بتمناه إني أطلع اتفرج، وفعلًا طلعنا في طابور على السلم المظلم الضيق للدور اللي فوق، فتحلنا صاحب الكافيه الشقة اللي فوق ودخلناها وراح قافل علينا الباب..

مفيش دقايق ولقيتهم بيولعوا شموع كتير أوي في الصالة، وفي نص الصالة كانت فيه شموع على هيئة نجـ ـمة سداسـ ـية، ولقيت واحد منهم طلع كتاب وكلهم اصطفوا على هيئة صفين وقعدوا على ركبهم وبدأوا يرددوا كلمات غريية.. حتى هيلانة وكلهم قعدوا، القـ ـذرة قالتلي طالعين نتفرج وهي معاهم، ولقيتها بتشاور عشان أقعد معاهم.. ووقعت في صراع رهيب، خاصة إن الجو كان مُخيف، صمت وظلام، وصدى صوتهم بيتكرر كل شوية بيزيد الموضوع رهبة، كانوا عمالين يرددوا:

ـ يا صانع الظلام نحن خدامك.. كلام كفر بواح، مبقاش عندي شك في كفرهم وتخلفهم، ولو مشيت وراهم يبقا أنا كفـ ـرت بالبساطة دي، كانت لحظة عسيرة صعبة، خاصة إنها شاورت كتير، وحسيت إن إرادتي بتد.مر نوعًا ما، كأني فعلًا عايز أقعد قدام صانع الظلام.. وفجأة كلهم سجدوا، واقشعر جسمي كله، قلبي اتنفض وحسيت بر.عب على عقيدتي اللي شوية وهتد.مر، وهناك لمحته، على نور الشمعة، كان كائن عامل زي الكلب الضخم الأسود، كان مجرد ظل واقف على الحيطة وبيبص بعيون نارية..

كلهم ساجدين والمكان كله صمت، وأنا واقف في وش الظل ده، ومن جوايا بدأت أناجي ربنا ينجيني، اعتذرت واستغفرت كتير، كنت بمو.ت من الر.عب ومليش غير ربنا، يا إما هقع واسجد معاهم، خاصة إني إرادتي كانت بتد.مر، كأن الكيان ده بيأثر عليا.. وبكل قوتي صرخت، صرخت وجريت، فتحت الباب ونزلت فورًا، وخرجت برا الكافيه كله، وأول ما شميت الهوا شهقت كأني كنت بغرق، وقبل ما استوعب إني خرجت حسيت بخبطة قوية في كتفي..

اتنفضت مكاني وبصيت بر.عب لمحت رجالة كتير من الحكومة طالعين الكافيه بسرعة، استخبيت بسرعة جمب محل قريب وأنا بترعش ووقفت أراقب الموقف، دقايق بس وسمعت بكاء وصريخ، شوفتهم كلهم مقبوض عليهم.. هيلانة واللي معاها، كانوا بيوطوا يبوسوا على رجلين الظابط عشان يسيبهم، خدوهم في البوكس وقبل ما يمشوا لمحتني هيلانة، ولقيتها بتشاور عليا بغضب، بس أنا مكنتش ناوي استنا لحظة واحدة، وجريت زي الصاروخ من غير ما حد يشوفني..

ومسافة ما بعدت اترميت على الأرض وسجدت، سجدت شكر لله اللي نجاني من كرب عظيم، كان زماني مقبوض عليا وسايب شغلي ومبهدل أهلي معايا، الله أعلم سجن ولا هيحصل فيهم أيه، يمكن حياتهم اتد.مرت.. سبحان من نجاني منهم، وغصب عني افتكرت، الغفلة والحرية الزيادة وعدم الخوف من ربنا ممكن توصل الإنسان لكوارث حرفيًا، ممكن تخليه يبيع روحه للشي.طان ويخسر دنيته وأخرته، ودي أخرة الحرية والخروج عن العادات والتقاليد.. كل البنات دي ولاد عائلات، حبوا يعيشوا حياة الحرية، وكان العقاب، اللي حملت واللي انتـ ـحرت واللي اتسجنت، والشباب اللي اتد.مر واللي شرب مخـ ـرات واللي واللي..

في اللحظة دي بس سمعت آية قرآنية طالعة من محل جمبي بتقول: [اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ] سورة الأنبياء وبكيت بكل دموع الدنيا، يارب نجينا من الغفلة.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى