روايات

طفلة الشي.طان للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أول يوم مدرسة ليا وبعد ما خلصنا لقيت تلت بنات مشيوا ورايا وفضلوا يتنمروا عليا ويشتموني عشان أنا سمرة شوية وشكلي ذكوري، حاولت أسبقهم عشان أهرب من تنمرهم وكلامهم بس معرفتش لأنهم كانوا شبه بيجروا ورايا، كنا وقتها وصلنا للمعدية الصغيرة اللي بتعدي بينا الترعة للناحية التانية، عديت المعدية بسرعة وواحدة منهم بتضحك بصوت عالي وبتقول: ـ يارب تقعي في الترعة وتغرقي.. عديت بسرعة وبصيت ناحيتها بغل وغضب وقولتلها: ـ أنتي اللي هتقعي وهتغرقي في المية..

معرفش جبت الثقة دي منين ولا قولت الكلام ده ليه، بس الغريبة إن البنت وكأن فيه حاجة غير مرئية زقتها بقوة عشان تقع في الترعة، وعقبال ما البنات صرخوا والناس جريوا عليهم كانت البنت في قاع الترعة جثة هامدة بدون أي روح، وعدى الموضوع ومحدش خد باله إن ممكن أكون أنا السبب في مو.ت البنت دي..

بس الموقف التاني واللي كان أغرب شوية حصل في ستة ابتدائي لما ولد وقفني وأنا راجعة من المدرسة وحاول يشد مني الشنطة عشان يضايقني لأن أخته بتشتكي مني وبتخاف، حاولت أقاومه بس مقدرتش ووقعت على الأرض ووشي كله اتبهدل في الطين، بصتله يومها بغضب وعنيا بتطلع شرار، تاني يوم بس الولد جه المدرسة وفيه وحمة أو حاجة عاملة زي الشامة لونها أحمر وملتهبة ومعلمة على نصف وشه تقريبًا، ومن يومها والوحمة دي في وش الولد ومحدش قدر يعالجها أبدًا..

الموقفين دول مع كام موقف تاني خلوا الناس يتحاشوني نوعًا ما ومحدش بقا بيقرب مني أو بيفكر بس يكلمني، لا في المدرسة ولا في الشارع ولا حتى من الجيران، حتى المدرسين بطلوا يكلموني على واجب أو على حفظ، وكأنهم بيخافوا أغلط فيعاقبوني وأغضب عليهم.. واتعلمت من صغري إن العزلة هي أحسن حاجة في الدنيا، بعيد عن الناس وكلامهم ونظراتهم ليا، مكنتش أعرف أنا ليه مختلفة وليه الناس بيخافوا مني كدا، مفيش غير أمي اللي كنت بلمح في عنيها نظرات غريبة أوي ومش مفهومة إطلاقًا، لحد ما بدأت علامات البلوغ تظهر عليا كأنثى، وقتها بس بدأت أشوف الجحيم على الأرض..

كان فيه حمار صغير في حجم الكلب كان بيجي شبه يوميًا يقعد في الأوضة بتاعتي وميتحركش، بس الغريب إن الحمار ده كان شكله غير أي حمار شوفته في حياته، غير حجمه الصغير فكانت عنده قرون وعنيه كانت مشقوقة بالطول زي التعابين، كنت بشوفه وبترعب بس مكنش بيقرب مني ولا بيعمل أي حاجة، كأنه عامل زي الحارس وبس، لحد ما في ليلة وأنا نايمة بدأت أسمع حاجة من بره البيت بتنادي عليا باسمي ـ يا حنان.. حنااااان..

صحيت من نومي مخضوضة وأنا مش عارف مين ده اللي بينادي عليا، فتحت الشباك وبصيت منه لقيت بنت صغيرة شكلها غريب وبتناديلي بإصرار عشان أنزلها، قمت من سريري بالراحة عشان أمي متحسش ونزلت على السلم بشويش عشان عمي ميصحاش وانا بعدي من قدام شقته، وفتحت باب البيت وخرجت.. في اللحظة دي لقيت البنت دي بتقرب مني وبتقول: ـ ممكن نبقا أصحاب؟؟ فرحت أوي إن حد قرر يصاحبني وميخافش مني، وافقت فورًا وبدأنا نض.رب كفوفنا في كف بعض ونلعب، في اللحظة دي قالتلي:

تعالى عشان أوريكي البيت بتاعنا.. روحت معاها عشان اتفاجئ بحمار ضخم، طلبت مني نركب عليه ومشي بينا الحمار لحد ما وصل للمقابر، وبدون مقدمات لقيت الحمار بيدخل بينا كمان جوه المقابر، لحد ما وصلنا لقبر من المقابر ونزلنا من على الحمار، كنت خايفة أوي من ظلمة الليل وشكل المقابر دي، كلمت البنت بخوف وقلتلها: ـ أنا عاوزة أروح.. ـ مينفعش تروحي غير لما يشوفك، ولازم كل شهر تيجي عشان يشوفك.. بصتلها بخوف أكبر وقلت: ـ هو مين ده؟!

ـ اللي بيحبك وبيحميكي.. في اللحظة دي شوفت راجل طويل أوي ولابس أسود وعنده أنياب ضخمة، لقيته بيقرب مني وبيسلم عليا، اتفزعت من شكله ورجعت لورا وأنا بحاول استنجد بالبنت الصغيرة، بصيت عليها لقتها اختفت، بصيت على الحمار ملقتوش، بصيت تاني للراجل وبكيت من الرعب وقولتله: ـ أنت مين؟! ـ أنا اللي هتجوزك قريب أوي..

ومن رعبي طلعت أجري، نادى عليا بغضب وطلب مني أرجع بس مرجعتش، وجريت لحد ما وصلت للبيت، ومن الليلة دي وبدأ الرعب في حياتي، الشخص ده كان بيجي يطلب مني كل شهر إني أقابله آخر يوم في الشهر عند نفس المقبرة اللي روحت عندها مع البنت الصغيرة، ولما كنت برفض كان بيض.ربني بحاجة عاملة زي الكرباج..

بحس بألم بشع وأفضل أبكي وأصرخ لحد ما أصحى، ومع ذلك كنت برفض رفض تام إني أروح معاه، لحد ما جت ليلة تانية حسيت إنه بيربطني وبيحاول ياخدني معاه لحد المقبرة غصب عني، ولما قاومت وصرخت ض.ربني من تاني لحد ما جسمي كله بقا لونه أزرق من الكر.باج اللي بيض.ربني بيها..

كنت بقوم من النوم أفضل أبكي من الوجع والخوف ساعات طويلة، حتى لما وصلت لسن ٢٠ سنة كنت رغم الجحيم اللي عايشة فيه كنت عاوزة أفهم بس أيه اللي أنا فيه ده وليه بيحصل معايا كل ده، وفضلت محبوسة في أوضتي مبخرجش منها غير قليل أوي، بس واضح إن الأمور كانت هتتكشف قدامي في أسرع وقت..

ليلتها كان الجو برد شديد والمطر بينزل في الشارع والدنيا كلها طين، كنت واقفة في الشباك براقب الشارع بشرود وخايفة أنام لأن انهاردة آخر الشهر وخايفة يجي ويطلب مني أروح معاه عند المقبرة، ووسط شرودي ده لمحت أمي خارجة من باب البيت وسط المطر وبتتلفت حوليها بحذر وخوف.. قلبي اتنفض من مكانه واستغربت من خروجها في الليل والبرد ده، لبست هدومي في لحظة ونزلت أجري وراها في الشارع، راقبتها من بعيد لبعيد وهي كانت ماشية وبتسرع في خطواتها، لحد ما لقتها داخلة في قلب المقابر، دخلت وراها وأنا جسمي بيترعش من البرد والرعب..

وفضلت أمي تمشي وكأنها حافظة المقابر كلها، في الوقت ده خوفت تكون دي خدعة من الكائن ده وبيستدرجني بيها لحد المقابر، بس الغريب إني لقيت أمي وقفت عند نفس المقبرة، ولقتها واقفة وبتتكلم بس مكنتش سامعة هي بتقول أيه.. قربت واحدة واحدة وكانت المطرة خفت شوية وبدأت أسمع أمي بتتكلم وتقول: ـ كفاية كدا على البنت وسبها في حالها بقا، ولو عاوز حاجة فخدها مني أنا..

استغربت أوي من كلامها بس شوفت الخوف على وش أمي وفجأة وكأن حد ض.ربها بقوة ووقعت في قلب الطين، وبعدها قامت وجريت من المكان كله، رجعت البيت وأنا هتجنن، مش عارفة أيه علاقة أمي بالمقابر وبالقصة دي كلها، لحد ما ظهر من تاني، بس كان غضبان أكتر من أي وقت تاني، كان غضبان غضب غريب..

وهددني إنه هيجي الليلة الجاية ياخدني للمقبرة غصب عني وإلا هيق.تلني، كلامه رعبني وقعدت طول اليوم اللي بعده بتنفض، مرعوبة، لدرجة إني بالليل خبيت سكينة تحت المخدة وفضلت صاحية طول الليل، وبعد نص الليل بدأت أحس بحضوره، وبدأت أشوفه بيطل عليا من شباك الأوضة وكأنه طاير في الهوا.. وفي لحظة واحدة لقيته هجم عليا، مسكت السكينة وبكل رعب الدنيا غرزتها في جسمه، وسمعت شهقة، شهقة غريبة، فتحت النور وأنا بتنفض واتصدمت من المشهد، كانت أمي مطعونة بالسكينة وواقعة جمب السرير بتاعي..

جريت عليها وأنا بصرخ لقتها بتهديني وبتسكتني وهي بتتنفض، ولقتها بتقول بدون مقدمات: ـ أنا استاهل يا بنتي، أنا السبب في كل اللي أنتي فيه ده.. ولقتها بدأت تتكلم عشان تطمن قلبي ولو شوية، كشفتلي عن بطنها وشوفت حروف وأرقام محفورة على جلد البطن، سألتها بخوف: ـ أيه ده؟!

بعد ما اتجوزت يا بنتي عمك اتجوز بتلت شهور، وبقيت أنا ومرات عمك في البيت بنتسابق على مين تحمل الأول، وكان المفروض أنا اللي أحمل بس ده محصلش، وهي اللي حملت قبلي، حاولت مرة واتنين بس ده محصلش وكنت بشوف بطنها بتكبر يوم بعد يوم وبتاخد الإهتمام كله في البيت، شيطاني يا بنتي خلاني وهي نازلة مرة من على السطح بدقيق الخبيز إني أحطلها حاجة عشان تتزحلق وتقع من على السلم، وفعلًا وقعت وأجهضت والدكتور قال إنها مش هتحمل تاني أبدًا خلاص بعد الإجهاض ده..

كنت فرحانة إنها كدا مش هتاخد مكاني أبدًا، وفرحت أكتر لما حملت، بس الحمل سقط مني مرة واتنين وتلاتة، لحد ما أبوكي حلف لهيطلقني لو ده حصل مرة تانية، وحملت فيكي، ومن رعبي جريت على واحد دجال وطلبت منه يساعدني، قالي إنه هيرسم طلاسم على بطني تحمي الجنين، وهيحط حارس عليكي يحميكي دايمًا..

وفعلًا يا بنتي حفر الطلاسم على بطني، وقال إن الحارس وجوده بقا مرتبط بنبضات بطني، يعني طول ما أنا حية الحارس موجود، بس لما كبرتي الحارس طلع عاوز يدمر حياتك كلها، خلاكي تعيشي في بؤس طول عمرك، وكان عاوزك دايمًا عند نفس المقبرة اللي دفنت فيها السحر، عاوز يتجوزك لأنه بيحبك..

حاولت معاه من يومين إنه يسيبك في حالك لأنه كان بيظهرلي ومعيشني طول السنين دي في رعب لدرجة إن أبوكي هرب من البيت بسببي بس هددني إنه هيخليني أمو.ت خالص، ودلوقتي أنا فعلًا بمو.ت وأستحق اللي أنا فيه ده يا بنتي، وكل اللي بطلبه منك تسامحيني، وتطلبي من مرات عمك تسامحني..

وماتت أمي، ماتت بين إيديا وروحت أنا بعدها أعيش مع جدتي في بلد تانية بعد ما أهل البلد قالوا إني مجنونة ومتحاسبتش على ق.تل أمي، وفعلًا اختفت كل حاجة لأن السحر كان مرتبط بنبضات بطن أمي، وطالما هي ماتت فالسحر انتهى، ورغم إني بدعيلها وقربت من ربنا بس كان لازم أحكي الحكاية، أحكيها عشان الناس تفهم إنك استحالة تأذي حد والموضوع يعدي، والله ولو بعد ١٠٠ سنة لازم هتدوق من نفس الكاس، حاجة تعلمنا إننا نهرب من إيذاء الناس زي ما بنهرب من النار، وإلا هنشوف الجحيم على الأرض وفي الآخرة..

[وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا] سورة الأحزاب بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى