روايات

ش.ر الغواية للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

“البنت دايمًا مقهورة ومظلومة في مجتمع ذكوري متخلف ولا يعرف شرع ولا دين”.. منهج انتهجته حتى النخاع جوايا وتشبعت بأفكاره لأبعد مدى، بس مكنتش أقدر اتكلم بنص كلمة في مجتمع ريفي بيقدس العادات والتقاليد، مجتمع أجبرني أبقا فتاة مختمرة ممنوع خصلة من شعري تظهر قدام الأغراب، ممنوع صوتي يسمعه غريب، وحتى خروجي ودخولي للبيت بمواعيد مُحددة، كل ده كان بيربي جوايا غليان من حياتي، كرهت الفلاحين بطباعهم وأفكارهم وحتى كرهت كل ست متقبلة الحياة دي..

بس النور كنت دايمًا شايفاه من بعيد، جامعة القاهرة اللي هتكون أكبر سبب إني أخرج من المجتمع المقفول العقيم ده وأشوف النور، أشوف الحياة وأدوق طعم الحرية اللي اتحرمت منها سنين، الحرية اللي كنت شايفاها جوة كل بنت قدرت تثور وتحقق ولو جزء من حريتها دي.. اجتهدت في الثانوية اجتهاد مبالغ فيه عشان أقدر أدخل كلية قمة، وعشان تبقا ورقة ضغط على أبويا اللي هيبقا صعب يرفض إن بنته تلتحق بكلية كبيرة، عشان أقدر أسكن في سكن جامعي واتحرر من قبضة مجتمعية من حديد ملتهب بالنار والتخلف الفكري..

وقد كان، بعد نزاع طويل مع والدي لقيت نفسي في أيام بقدم في كلية صيدلة جامعة القاهرة، ولقيت نفسي في يوم وليلة طالبة في سكن جامعي، حُرة، حرة بتملك زمام الأمور، بتخرج وتيجي وتشوف القاهرة اللي طالما سمعت عنها، أيوة أنا القروية اللي نفسها تغويها أضواء المدينة، عاوزة أعيش وأشوف الحياة اللي اتحر.مت منها كتير.. وبدأت الدراسة وبدأت معاها طموحات كبيرة وشعور بالنش.وة والحرية، وبدأت نوعًا ما اتعرف على زميلاتي في السكن الجامعي، اختلاف ثقافات وتفكير كبير خلاني أعيش في وهم كبير، بل واشتعلت جوايا غريزة الظهور وبدأت نوعًا ما أعمل حاجات مكنتش بعملها..

بدايةِ من الميكاب اللي كان بيزود بريقي وسط البنات للتساهل بالكلام مع زمايلي الشباب رغم تحذير أبويا المستمر، بس أعتقد خليه هو في بلده وتفكيره وخليني أنا بقا في حياتي اللي اخترتها بنفسي.. وبدأت أشوف كل أحلامي في بنت معانا اسمها كريمة، بنت قادرة تخ.طف الأنظار بكل حاجة فيها حرفيًا، كلامها، لبسها، ملامحها، وحتى صمتها كان مُلهم، بنت غريبة بتلبس كمية إكسسوارات غريبة ومُخيفة في نفس الوقت..

بس كنت شايفة فيها مثال للفتاة الأسطورية اللي اختارت طريقة حياتها حتى لو كانت غلط، وبدأت أقرب منها نوعًا ما، بس كانت دايمًا بتتجاهلني وبشوف في عنيها نظرات احت.قار، احت.قار للبنت المختمرة اللي بتتكلم بلهجة فلاحي كوميدية بالنسبالهم.. وده خلق جوايا ضيق كبير، ضيق خلاني أغير من ستايل لبسي في شهر واحد بس، وأغير طريقة كلامي واردد مصطلحات مكنتش أقدر أنطقها في يوم من الأيام، ودي كانت القرابين اللي خلت كريمة ترضى عني وتسيبني أقرب منها واحدة واحدة..

كريمة اللي كانت منتهجة منهج واحد بس، أنا هعمل أي حاجة وقدام أي حد، كانت بتدخن قدامنا، وتكلم شباب وبكلام صعب قدامنا، بل وكانت بتسب وتلعن ليل نهار بكلام غريب وصعب جدًا.. ورغم نفور البعض منها إلا إنها في مرة نعتتهم بالنفاق قدامي، بل وقالتلي إن كلهم نفسهم يعملوا ربع اللي أنا بعمله ده من جواهم، بس خوفهم من المجتمع مانعهم، دول ولا يعرفوا دين ولا شرع..

ورغم كلامها أعجبت بيها أكتر، وشوفتها مثال مصغر للحرية المطلقة، لحد ما خدت الخطوة اللي ودتني في ستين داهية، بعد خلافاتها مع البنات قررت اتنقل معاها أوضتها، وبدأت على مدار ٢٤ ساعة أتعامل بطريقتها، واقرأ رواياتها النسوية، بل وأسمع كلامها مع ناس غريبة ومش مفهومين.. ودايمًا كانت بتحكيلي على خروجاتها على الكافيهات كأنها بتروح أرض السحر، كأنها بتسافر للجنة، وكل ليلة كانت بترجع السكن بعد نص الليل، ولما كنت بسألها ازاي بتدخل السكن والبواية بتتقفل الساعة ١٠ جاوبتني بأكتر جملة داعبت ذهني وتفكيري

ـ القوانين دي اتعملت للأغبياء، أما الذكي هو اللي هيشوف الثغرة ويستغلها في القانون ده، وكل قوانين العالم مليانة ثغرات، ده مش قانون إلهي.. وعرفت إنها متفقة مع واحد من الأمن وبتدخل وتخرج بسهولة، ومن كتر تأثري بيها طلبت منها أسهر معاها في يوم على كافيه من الكافيهات اللي بتروحها، وبعد تفكير طويل قالتلي إن هيئتي محتاجة تتغير كتير، أنا بنت تقليدية والعالم ده محتاج المختلفين..

وأنا كنت مستعدة أقدم أول تنازل حقيقي، ولأول مرة قلعت خماري الكامل ولبست بنطلون، وخرجت كأني عريانة، بس هي كانت بتوأد أي تفكير أو ضمير بيحاول يصحا جوايا بكلماتها السحرية، حياتنا هنعيشها مرة واحدة وكل حاجة تستحق التجربة في الدنيا دي.. ونزلنا وسط البلد وروحنا كافيه في مكان غريب أوي، حسيت لوهلة إني داخلة أرض الشيطان، بداية من شكل باب الكافيه الأسود والمزيكا الشيطانية اللي شغالة، وحتى مناظر البنات والشباب جوة؛ اللي حاطة وشم، واللي لابسة لبس فاضح، واللي بتشرب شيشة، واللي بتدخن واللي قاعدة وسط عشر شباب وضحكتها أعلى من العشرة..

الأرض المحرمة، أيوة دخلتها، كنت مبهورة، عنيا بتحضن كل مشهد، حاسة رغم تأنيب ضميري بالحرية، وقعدت مع كريمة اللي بدأت تدخن سيجار فخم وتلعب معايا لعبة مثيرة، ازاي بعنيها هتستقطب أي شاب قاعد في الكافيه، ازاي هتذله وتخليه زي اللعبة في إيديها.. كانت بتفكرني بآلهة الأساطير الأغريقية، ليليث وعشتار وغيرهم، وفضلت متفرجة لوقت طويل، بتابع لشهر كامل، بس لو دخلت الكافيه بعد شهر واحد هتلاقيني عاملة وشم ورا ودني وبضحك بصوت جهوري وماسكة الشيشة وبشيش..

أيوة مانا في الأرض الملع.ونة ولازم اللعنة تطولني، حتى لما كريمة مكنتش بتروح كنت بروح لوحدي، وكنت بجمع حوليا شاب واتنين وانت.قم منهم، كنت شايفة فيهم مثال لكل راجل كبت حرية الست في الريف، كنت شيفاهم يستحقوا.. بس المشكلة الكبيرة بدأت تظهر، الماديات، كافيه زي ده محتاج ١٠٠ جنيه يوميًا، وكريمة بدأت ترفع إيديها في الدفع، لدرجة إني فضلت أسبوع مبروحش، ووقعت في نوبة اكتئاب كبيرة.. وجت نصيحة الشيطانة كريمة، قالتلي هحطك على أول السكة وأنتي وشطارتك، نص البنات هناك بيعيشوا على فلوس شباب معين، وأنا هقعدك مع كذا شلة وأنتي وشطارتك، خليكي صديقة وفية وهتلاقي اللي يدفعلك..

مبدأ فتيات الليل، بس أنا كنت غرقت للقاع، روحي نفسها اتلوثت، ومش شايفة حرية غير في المكان ده، وقعدت مع شلة واتنين وتلاتة، لحد ما اندمجت أنا وكريمة مع شلة فيها ست بنات وأربع شباب، كبيرهم كان اسمه مانو، شاب معاه فلوس كتير، كتير أوي، وكل قعدة كان بيقوم يحاسب على المشاريب.. صيد سهل، وقعدة مضمونة، بس تحذيرات كريمة كانت دايمًا شغالة، إني مملة في القعدة، مبهزرش بإيدي، ببعد لما شاب يقعد ويلزق فيا، ولازم تنازلات وإلا هفقد المكان المهم ده..

عقلي كان حاضر بس مشاعر الغضب والغرور جوايا كانت بتمنع ضميري إنه يصحا، وبدأت أقدم تنازل في التاني في التالت، لحد ما بدأت أقابل مانو لوحدنا، وبدأت علاقة تنشأ ما بينا، علاقة غريبة من نوعها، شربني الكحول وكل أنواع الدخان، خلاني أتعامل بدون أي خوف أو قلق إطلاقًا..

لحد ما خدني للعالم الأكثر إظلامًا، نص الكافيه اللي جوة كان للدعـ ـارة حرفيًا، وقليل من رواد الكافيه اللي يعرف ده، ووقعت في علا.قة آثمة د.مرت عذريـ ـتي بعد تلميحات منه طويلة، وبعد تسهيل كبير بكلام كريمة عشان أضمن إنفاق مانو الدايم، بل وعرفت إن كل البنات عملوا معاه كدا وده شيء طبيعي، وبدأت اترعب، اترعب مش من جر.يمة الزنـ ـا وجهنم، بل اترعب من إني مبقتش بنت..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى