روايات

القطة المم.سوسة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

بقالي فترة بتحايل على أبويا إنه يجبلي قطة في البيت وهو رافض رفض قاطع، ويمكن عشان مراته اللي هي خالتي مبتحبهمش وبتخاف من القطط، بس أنا مستسلمتش وفضلت وراه عشان يوافق، يمكن لأني كنت متعلقة بأمي تعلق كبير أوي، ولما ماتت حسيت إن الدنيا كلها أسودت في عيني..

ورغم إن أبويا اتجوز خالتي عشان تربيني مع بنتها اللي قريبة من عمري وعشان يملى عليا حياتي إلا إن مكان أمي متعوضش، ومعتقدش إن ممكن واحدة في الدنيا ممكن تعوض مكانها، عشان كدا كنت فاقدة الاحتواء وعايزة قطة تونسني، ولما اقترحت على أبويا الموضوع، خالتي رفضت وقالت إنها بتخاف منهم أوي ومبتحبهمش، ورغم إنها بتعاملني زي بنتها إلا إني كرهتها بسبب رفضها ده..

لحد ما كنا في زيارة لواحدة قريبتنا وشوفنا أكتر من قطة عندها في البيت، ودونًا عن القطط كلها فيه قطة منهم فضلت تتمسح فيا وتقرب مني وتطلع عليا، القطة كانت جميلة جمال مُبالغ فيه، وبصيت لخالتي بصة فهمت مغزاها كويس، قربت منها وحلفتها بغلاوة أمي عندها، لقتها بتدمع لما جبت سيرة أمي وقالت:
ـ موافقة عشان أمك الله يرحمها.. اتصلت بأبويا وقالتله إنها هتجيب قطة ليا، أبويا قفل في وشها السكة، راجل مسحول في الشغل ومراته بترن عليه عشان القطة، طبعًا ده أقل رد متوقع، واستأذنا قريبتنا اللي رفضت في البداية بس خالتي قدرت تأثر عليها وخدنا القطة في النهاية..

ورجعت وأنا طايرة من الفرحة، حاسة إني حققت حلم حلمت بيه كتير أوي، وأول ما رجعنا كان أبويا على وصول، طبعًا عملنا اجتماع عشان القطة، قالي طالما جبتها يبقا أهتم بيها لِأنها روح، وإننا كلنا اتنازلنا عشانك، ومتشتكيش منها أبدًا، ووعدته إني هعمل كل ده تفصيلًا.. وفعلًا نامت القطة معايا بالليل على نفس السرير، ورغم إني مربتش قطط قبل كدا بس إحساسي طول الليل وأنا نايمة كان غريب، شعور إن فيه إنسان ناضج نايم جنبي على السرير مش قطة صغيرة وزنها ميتعداش التلاتة الخمسة كيلو..

تاني يوم كلمت بنت خالتي اللي كانت قاعدة في سكن جامعي لِأن تنسيقها وداها كلية بعيدة عن محافظتنا عكسي أنا اللي أموري كانت أحسن منها شوية، صورتلها القطة واتكلمت معاها شوية ومارست حياتي بشكل طبيعي من تاني.. بس فيه إيحاء غريب كان بيجيلي من وقت للتاني، القطة كانت قاعدة في ركن الصالة طول اليوم وكأنها بتراقبني وبس، عنيها رايحة جاية معايا، وكل ما أبصلها تلف وشها وكأنها مش مركزة معايا، ورغم سذاجة الشعور بس مقدرتش أتخطاه أبدًا..

وعنيها كانت غريبة، مكنتش عين قطة، كان عندي إحساس إنها عين إنسان، إنسان ناضج وبيراقبني لأسباب غير مفهومة، لدرجة إني لما قربت منها قلبي اتقبض، حطتلها أكل تجاهلته عكس طبيعة القطط.. كلمت واحدة صاحبتي وحكتلها قالتلي عشان أول مرة أربي قطط إنما لما أتعلق بيها هتبقا هي كل حياتي، لحد ما جه الليل، وقمت من النوم ملقتش القطة جمبي، وباب الأوضة مقفول يعني استحالة تخرج، بصيت ورا الدولاب وتحت السرير مش موجودة..

باب الأوضة مقفول بالترباس يعني استحالة يتفتح من برة، خرجت وأنا مخضوضة لقيت باب التلاجة مفتوح والقطة واقفة وموقعة كيس اللحمة وعمالة تاكل فيه، لحمة نية والصوت كان مقزز جدًا، وأول ما حست بيا بصت ناحيتي، و…. وابتسمت، ابتسمت كأنها إنسان واعي وفاهم، ومع ابتسامتها لمحت نقط دم على سنانها، قربت منها بخوف وبعدتها عن التلاجة وقفلتها ورجعت أوضتي وأنا خايفة أوي..

ازاي القطة خرجت والباب مقفول بالمفتاح، وازاي فتحت التلاجة بالبساطة دي وكيس اللحمة في الفريزر يعني مستحيل توصله، ووسط حيرتي وتفكيري ده لمحت باب الاوضة بيتفتح، الأوكرة بتتحرك بهدوء شديد، وقدام عنيا لقيت القطة واقفة على رجليها اللي ورا زي البشر وبتفتح الباب، وقدام عنيا لقتها بتبتسم ابتسامة خبيثة أوي، المشهد خلى الدنيا كلها تسود قدام عيني..

وصحيت بعدها على حاجة لزجة ومقززة أوي، النهار كان طلع والقطة بتلعق في وشي ورقبتي، صحيت مخضوضة وزقتها بقوة وقعتها على الأرض، لقتها بتزوم وبتبرز مخالبها بغضب، مسكت عصاية المقشة وطلعتها برة الأوضة وأنا قلبي بيدق بهيستريا، هروح لبابا أقوله أيه، وأنا وعدته إني ههتم بالقطة..

حاولت ألمح لخالتي إني عايزة أرجع القطة لقتها قالتلي إن أبويا مش هيثق فيا تاني وهيتعامل معايا على إني طفلة صغيرة، وبعدين القطة مطلعتش وحشة أوي كدا وشكلها جميل، وفعلًا لاحظت إن القطة ودودة أوي مع أبويا وخالتي، لدرجة إن أبويا اللي بيزعق وعصبي دايمًا بقا بيلاعبها ويحبها، بس كنت عارفة إنها بتمثل، وإنها بالليل هترجع تخوفني تاني..

لحد ما جت الليلة التالتة وكانت الليلة الأسوأ، قفلت الباب بالترباس وسبت القطة في الصالة برة ونمت، بس مسافة ما نمت شوفت حلم غريب أوي، شوفت القطة في الصالة واقفة مع راجل رجليه طويلة أوي، شوفته بيشلها وبيطلعها على الشباك، ومد دراعاته وهو شايلها ووصلها للبلكونة بتاعتي، وكمل مد دراعاته وفتح البلكونة والقطة دخلت، و…..

وصحيت وأنا بصرخ على خربشة غريبة في رجلي، وأول ما فتحت عيني لقيت القطة على السرير والبلكونة مفتوحة، ولمحت في جزء من الثانية حاجة بترجع من برة وكأنها أطراف شخص، إيدين طوال أوي، ووقفت القطة قدام عنيا تموء بصوت خشن أوي، صوت مُرعب، وقتها شعري وقف، وقلبي دق، وجسمي فعلًا اتشل، وفي لحظة اتفتح باب الأوضة وشوفت نفس الكائن، إنسان وأطرافه طويلة أوي داخل من باب الأوضة، ومسكتني حالة صرع غريب يومها، واتحولت حياتي من يومها تحول مُريب ومُخيف..

بقيت بصحى كل ليلة أشوف الكائن ده واقف قدام سريري، بقيت بفهم القطة بتقول أيه رغم إنها بتموء، بقيت بسمعها بتشتمني، بتحتقرني، بتقولي إني هكون فاشلة ونهايتي المو.ت، بقت بتطلب مني أق.تل نفسي، وانعزلت في أوضتي ومرضت بمرض غريب، سنة كاملة عدت عليا كأنها عمر كامل، سقطت في الكلية وجسمي ضعف وبقيت كل يوم عند دكتور شكل..

جه شهر رمضان، وبعد ما اتقفلت كل الأبواب في وشي ملقتش غير الباب اللي مبيتقفلش أبدًا، تلاتين يوم دعيت فيهم ربنا يكشف عني المرض ويداويني، دعيت وبكيت وتصدقت، اترجيته رجاء المُضطرين، وليلة العيد شوفت أمي، شوفتها في حلم ماسكة القطة وعمالة تضغط على بطنها، ولقتها بتشاورلي على نقطة حمرة في بطن القطة، وصحيت على تكبيرات العيد
ـ الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر..

بكيت من التكبيرات، بكيت لأني حسيت إنها بُشرى وإن العيد هيكون عيدين، قربت من القطة ومسكتها والغريب إني لقيت انتفاخ غريب في بطن القطة، خدتها وطلعت على عيادة بيطرية بالليل كانت بتفتح حتى في الأعياد، الدكتور استغرب أوي وبدأ يضغط على بطن القطة ويدخل حاجة في بقها وفضل يحاول لحد ما طلع كيس صغير خالص مقفول وجوة منه ورقة صغيرة أوي وصورة صغيرة، فتحت الصورة لقيتها صورتي على ورقة من أصغر ما يكون..

الدكتور استعاذ بالله وقالي ده سحر يا بنتي روحي للشيخ فلان وريله الحاجة دي، وفعلًا روحت جري واستقبلني الشيخ ودوب الحاجة دي في مية بملح ورقاني، ورغم إني تعبت إلا إنه قالي كل حاجة هتكون كويسة بس مشي القطة دي من عندك لِأنها قطة مسحورة، أقولك أنا هاخدها واتصرف فيها، ربنا يحفظك يا بنتي..

ورجعت الشقة، وبدأت فعلًا أتحسن واحدة واحدة، الغريب بقا إن خالتي مسألتنيش عن القطة، أسبوع كامل وهي منعزلة على نفسها، لحد ما خرجت في مرة تزعق وتقول:
ـ القطة دي لازم تمشي من هنا أنا زهقت منها..
أبويا كان قاعد ساكت، وأنا قولتلها باستغراب:
ـ القطة أنا أدتها لحد من أسبوع كامل..
لقيت جسمها اتنفض وقالتلي أمال اللي جوة أوضتي دي أيه..

ودخلنا الأوضة ملقناش حاجة خالص، ومن يومها اللي كان بيحصل فيا بقا بيحصل فيها، حالة من الهزال والخوف والرعب والكوابيس، لحد ما اعترفت، قالت إنها كرهتني لِأني متفوقة، في كلية هندسة، وبنتها في كلية تجارة وكمان أقاليم، كانت بس عاوزاني زي بنتها ومبقاش ذكية وشاطرة عنها.. عملت عمل وخلوا القطة تبلعه، وخدتني عشان أشوف القطة، والدجال قالها القطة هتروح لحد عندها، طبعًا بالاتفاق مع قريبتنا التانية، وقد كان، وفضل السحر معايا سنة كاملة لحد ما اتخلصت منه، وخادم السحر قلب عليها هي..

اعترفت وطلبت السماح، يومها أبويا ض.ربها علقة مو.ت وطلقها، وسمعت إنها تعبت أوي وجالها سرطان في الثدي وعملت عملية استئصال وحالتها تدهورت، ورغم إني أشفقت عليها بس اتعلمت حاجة كانت غايبة عني، لما كل الأبواب تتقفل افتكر كويس إن باب الرحمن لا يُغلق أبدًا، وإن بابه أعظم من أي باب في الدنيا.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى