روايات

ترابيزة الغُسـ,ـل للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

لما كنت بخلص الغُسـ,ـل والمتـ,ـوفية بتخرج من المغسلة كنت بنضف المكان كويس أوي وكنت بنشفه من أي مية متبقية، سواء ترابيزة الغُسل أو الأرض نفسها، وكنت دايمًا بعقم وأطهر المكان ومقفلش الباب آخر اليوم إلا والمكان كله نضيف وناشف تمامًا من أي مية ممكن تكون فيه.. عشان كدا الناس في المسشفى كانوا بيحبوني وبيعاملوني زي أمهم، بيقولوا ست محترمة ونضيفة وعندها ضمير وبتعمل شغلها بأمانة، حتى إنها بتتعامل مع الأموات بكل رحمة وشفقة ومحدش بيشوفني إلا لما بيحبني..

لحد ما مدير المستشفى بعتلي ولقيته عاملي مكافأة لأني فزت في مسابقة العامل المثالي اللي بتعملها المستشفى السنة دي وسلمني شهادة تقدير كمان، كنت يومها مبسوطة زي الأطفال ويمكن أكتر، كنت حاسة إن دي رحمة من ربنا لأني شوفت حاجات كتير في حياتي تعبتني، ولولا رحمة ربنا كنت اتجننت..

ابني الصغير اللي اتهـ,ـرس تحت عجلات المقطورة قدام عنيا، وبنتي اللي مـ ـاتت قبل فرحها في حـ,ـادثة عربية، وأخيرًا جوزي اللي مـ ـات بالسـ,ـرطان، حاجات كتير افتكرتها وغصب عني بكيت، الناس كانوا فاكرين إني ببكي من الفرحة، لكني كنت ببكي وأنا بتخيل إنهم شايفيني دلوقتي وفخورين بيا لأني مبعملش حاجة حرام وبتقي الله بقدر الإمكان..

رجعت البيت وكانت ليلة صعبة افتكرت فيها كم ذكريات غير طبيعية لحد ما نمت في النهاية، وفي نومي شوفت حلم غريب أوي، شوفت وكأني في المغسلة، وفيه جـ,ـثمان على الترابيزة بيتغـ,ـسل وفيه ستات كتير حولين الجـ,ـثمان بيغسلوه، والغريب إنهم مطلبوش مساعدتي رغم إن ده مكاني وده شغلي، وبعد ما انتهوا من الغُسل لقيت الجـ,ـثة بتمد إيديها ناحيتي وكأنها بتطلب مني أشارك في الغُسل أو أناولها حاجة عشان أبقا ساعدتها وتروح تدفـ,ـن في النهاية..

صحيت من الحلم قلبي مقبوض أوي واستعذت بالله وقمت صليت القيام زي مانا متعودة وبعمل قبل الفجر بنص ساعة وبعدين صليت الفجر وقرأت الأذكار ونمت ساعتين لحد ميعاد الشغل، وروحت تاني يوم ولقيت المباركات كتير لأني العامل المثالي لحد ما وصلت للمغسلة، فتحت الباب والأنوار ووقفت.. كانت فيه حاجة غريبة ومش مفهومة إطلاقًا، ليه ترابيزة الغُسل مبلولة كدا، وفيه آثار مية عليها، حتى الأرض رطبة وريحتها عطنة وكأن فيه مية اتدلقت عليها، وغصب عني لقتني افتكرت الحلم وحسيت بتوتر وخوف كبير، ناديت على الأمن وسألته قالي إن المغسلة مقفولة ومببتفتحس إطلاقًا غير من خلالي، وده فعلًا اللي أنا عارفاه..

طيب المية دي جت منين، وليه تحديدًا على ترابيزة الغُسل وحوليها رغم إن الحنفية بعيد عنهم، وليه باقي المكان ناشف، فضلت أسأل هنا وهناك لكن الكل أجمع إن المكان استحالة يكون اتفتح امبارح وأنا مش موجودة، وغصب عني قررت أتجاهل الموضوع عشان أقدر أشوف شغلي..

وجتلي متـ,ـوفية تانية وبدأت أغسلها، لكن الغريب إني لما حطتها على الترابيزة حسيت إنها بتتـ,ـوجع، وكأني سمعت صوتها في وداني، وكل ما كنت بحاول أغسلها على الترابيزة كانت بتحصل حاجة، مرة المية تدلق، مرة المتـ,ـوفية تفرد إيديها بصورة غريبة، مرة تتقلب وكأنها عايزة ترمي نفسها، وفضلت أعاني لحد ما ربنا ألهمني ونقلتها على ترابيزة تانية مكنتش باستخدمها، والغريب إن الأمور هديت تمامًا وغسلتها..

وفضلت محتارة بصورة أكبر لحد ما جت المتـ,ـوفية اللي بعدها، وفوجئت بنفس الأمور بتحصل لما بحطها على الترابيزة اللي متعودة استخدمها، ولما كنت بستخدم الترابيزة التانية كانت بتقبل إنها تتغسل عادي، وكأن الترابيزة دي بقت رافضة تستقبل أمـ,ـوات مرة تانية.. والأغرب إني بقيت باجي كل ليلة ألاقي الترابيزة واللي تحتها عليهم مية، وكأن كان فيه حد بيتغسل عليهم، ورغم إني بقيت حريصة بصورة أكبر إن الموضوع ميتكررش وبقيت بتأكد ألف مرة إن المكان ناشف، إلا إن الموضوع كان بيتكرر كل يوم، لحد ما قررت أعمل حاجة غريبة شوية..

اشتريت كاميرا مخصوص من محل إلكترونيات وكلمت ابن أختي وجه ركبهالي وقالي إنها هتسجل اللي بيحصل طول الليل لحد تاني يوم الصبح، وفعلًا فضلت مترقبة تاني يوم لحد ما أشوف إيه اللي بيحصل في المكان.. وتاني يوم جريت على الكاميرا وحاولت أشغل التسجيل لكني معرفتش، كلمت ابن أختي وبدأ يشرحلي وفضلت أعاني يمكن نص ساعة لحد ما قدرت في النهاية أشغل الفيديو، وشوفت حاجة أغرب من الخيال..

شوفت مدير المستشفى ومعاه اتنين ممرضين أعرفهم داخلين بجـ,ـثة عليها آثار دـ,ـ م، حطوها على الترابيزة وبعدين سابوها، وشوفت بعدها مشهد غريب، ناس معرفهمش كلهم ستات، غسلوا الجـ,ـثة في أقل من دقيقة، وبعدين رجع المدير والممرضين خرجوا الجـ,ـثمان من باب المغسلة.. كنت هتجنن من اللي شوفته، روحت سألت الممرضين بطريقة مفيهاش اتهام وعرفت إن واحد منهم كان أجازة امبارح أصلًا، وعرفت إن مدير المستشفى مسافر، أمال أنا أيه اللي شوفته ده، شغلت الفيديو تاني قدام حد بثق فيه واتفاجئت إن مفيش أي حاجة، مجرد مغسلة فاضية تمامًا مفيش فيها أي حاجة..

وفضلت مش فاهمة أي حاجة لحد ما اتكرر الموضوع، الكاميرا سجلت، وشوفت نفس المشهد بكل التفاصيل، ولما راجعت الفيلم مرة تانية ملقتش أي حاجة إطلاقًا، وقتها حسيت إني هتجـ,ـنن ودعيت ربنا في جوف الليل يرفع عني البلاء ده ويلهمني الصواب، وتاني يوم لقيت نفسي بفتكر حاجة غريبة شوية، استحالة كل ده يكون حصل وبتاع الأمن محضروش..

عشان كدا جبت مصطفى، شاب صغير بيعتبرني زي أمه، قولتله إني عارفة إن المغسلة اتفتحت، وطلبت منه يقولي مين اللي فتحها وأنا مش هجيب سيرته، الغريب إنه اتوتر أوي وبعد محاولات قالي إن ضميره بيأنبه وإنه مش عارف إيه اللي حصل ليلتها، قالي إن المغسلة اتفتحت فعلًا ليلة واحدة.. فيه بنت جت مع أهلها مقتـ ـولة، وغالبًا متعملهاش تصريح دخول ولا خروج، وعشان الشوشرة قعدوها ساعة في المغسلة وطلعوها من باب المغسلة الخلفي عشان محدش ياخد باله، وكله بأوامر مدير المستشفى نفسه..

وقتها افتكرت الفيديو اللي بشوفه، حطوا الجـ,ـثمان فعلًا على الترابيزة، سابوه شوية لحد ما الدنيا تهدى، وبعدين خرجوها من باب المغسلة اللي ورا، طيب عملوا كل ده ليه وازاي، كلمت مصطفى مرة تانية وقالي إنه صور اللي حصل فيديو وميعرفش هو عمل كدا ليه..

صورهم وهما بيخرجوا بيها بدون عِلم حد وكان صوتهم واضح وهما بيقولوا كلام زي (يالا بسرعة قبل ما حد يلاحظ حاجة)، وعرفت وقتها إنهم عملوا مصـ,ـيبة في المكان، كلمت مصطفى يومها عن ربنا، وعن الحق والعدل، وعن قول الزور، خوفته ورغبته في رحمة ربنا لحد ما وافق وروحنا على القسم بلغنا بالفيديو وأنا شهدت بموضوع مية المغسلة، وجت الشرطة حققت في الموضوع واتضح الموضوع كله..

بنت بريئة اتقتـ ـلت من أهلها في قضية شـ,ـرف، اتقتـ ـلت ظلم، ولما لقوها مـ ـاتت ولأنهم يعرفوا مدير المستشفى قدروا يخفوا الموضوع ودفنوها، لكن يشاء ربك الموضوع يتكشف بموضوع المية، اللي كان بيتكرر كل يوم وكأن فيه حاجة عايزة تلفت نظري عشان أخد بالي، حتى الترابيزة كانت بترفض الجـ,ـثث للغُسل لحد ما جبت حق البنت وبعدها بقت بتستقبل الجـ,ـثث عادي.. لكن اللي كنت حيرانة فيه بجد هما الستات اللي غسلوها، لأن أهلها مكنوش هيغسلوها، سبحان الله مين دول وحضروا ازاي أنا معرفش، لكن عشان البنت بريئة سبحان الله اتغسلت زي أي ميـ ـت..

حمدت ربنا إني رغم تكريم مدير المستشفى ومعاملته الحلوة معايا متأثرتش وشهدت بالحق عليه، رغم إن ممكن غيري ياخدها حجة ويكسب ثقته أكتر، لكن ده علمني أقول الحق مش بس مع الوحش معايا، ده أنا أقول الحق ولو على أبويا وأمي نفسهم.. [وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ] سورة الفرقان بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى