روايات

الأخت الكبرى للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

يوم سبعة وعشرين رمضان اللي فات وقبل الفطار بعشر دقايق تقريبًا لقيت مراتي عمالة تبصلي بنظرات غريبة وغير مفهومة بالمرة، تجاهلت شعوري مرة واتنين بس في التالتة بصتلها بابتسامة تعجب وقولتلها: ـ مالك يا هبلة؟! ابتسمت كعادتها ابتسامتها الجميلة وقالت: ـ هتوحشني أوي.. ضحكت ضحكة عالية ورديت عليها وأنا بغمز وقولت: ـ هتروحي محكمة الأسرة ولا أيه يا مكارة.. لقيت ملامحها اتحولت مرة واحدة وقالتلي بهزار حاد شوية: ـ أعوذ بالله، أحنا ناس تعرف ربنا يا عم..

وفضلت على حالها تتأمل في ملامحي بطريقة غريبة طول وقت الفطار، تقريبًا مشربتش غير كوباية العصير وبس، وبعد صلاة التراويح طلبت مني بطريقتها الودودة إننا ننام أنا وهي وبناتنا الاتنين في سرير واحد لحد العيد بس، رغم إني استغربت الطلب لأن البنات كبروا وقربوا يدخلوا المدرسة بس مكنتش بعرف أرفض لها طلب..

وعدى اليوم والتاني لحد ما جت ليلة تسعة وعشرين، لقتها عملالي على الفطار أكتر من ٢٠ صنف أكل، كل صنف منه طبق صغير، لدرجة إنها فضلت ست ساعات تعمل في الأكل، وقتها بدأ الشك يدخل في نفسي بس مكنتش حابب ندخل في نقاش عن تصرفاتها الغريبة دي وأحنا خلاص داخلين على العيد، نزلنا بالليل صلينا التراويح وكعادتها استأذنت بابتسامة عذبة إننا نفضل في الجامع لحد صلاة التهجد ونتسحر وبعدها نصلي الفجر..

ورغم إني كنت بصلي التراويح وبرجع بس محبتش أرفض كلامها، خاصة إنها زوجة تقية وتعرف ربنا فعلًا، بس وأنا بصلي الفجر حسيت بقبضة غريبة بدأت تمسك في صدري، استعذت بالله من الشعور المقبض ده ورجعنا البيت، كانت الرؤية ظهرت وعرفنا إن بكرة العيد وده آخر يوم صيام، وهي على نفس العادة، بتتأمل كل حركة وتفصيلة بعملها، كأنها بتحضر ماجيستير عني..

وبعد الفطار طلبت مني نقعد في البلكونة نتكلم ونسهر شوية أنا وهي والبنات، وفعلًا سهرنا تقريبًا لحد الساعة ٣، ضحك وهزار وكلام كتير أوي حسسني إننا رجعنا لأيام الخطوبة تاني، لدرجة إني كنت بنيم بناتي بأي طريقة عشان استفرد بيها شوية من كتر ما قلبي بقا بيدق بطريقة غريبة ناحيتها..

وفي النهاية دخلنا ننام، ومع أذان الفجر لقتها بتصحيني عشان أصلي، كان جسمي مك.سر ومش قادر أقوم، بس هي كانت مصممة إني أقوم بأي طريقة، وفي النهاية صحيت، صليت الفجر في المسجد ورجعت لقتها قاعدة على سجادة الصلاة وحاطة راسها بين إيديها، روحت أطمن عليها لقتها بتقول إنها حاسة بصداع شوية ومش قادرة تقوم من مكانها..

بصيت في وشها واتخضيت، كان شاحب بطريقة غريبة، وكأنها مريضة بقالها سنين مش ساعة واحدة بس، حاولت تطمني بس كانت فعلًا تعبانة، خدتها بدون تفكير ناحية أقرب مستشفى ودخلنا الاستقبال، الدكتور طمني إنها مرهقة شوية والصداع اللي عندها نتيجة الإرهاق وإنها هتعلق محلول ساعتين بس وهتبقا كويسة.. قلبي اتعصر من الألم عليها وأنا شايفها مبتسمة رغم إني عارف إنها بتتألم من الإبر، وعارف كويس إنها بتخاف منها جدًا، ولما هديت واستكانت طلعت برة أشرب كوباية قهوة عشان أفوق واستنيت، استنيت، استنيت..

الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله.. الله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد.. وبدأت أسمع صوت تكبيرات العيد، وحزنت أوي إنها مش جمبي زي كل سنة عشان نطلع مع بعض نصلي العيد في الساحة، ووسط شرودي مع صوت التكبيرات الجميل ده حسيت بهرج غريب وممرضة بتجري بقلق، بصيت ناحيتها بعدم استيعاب وقربت من أوضة مراتي وأنا قلبي بيدق بعنف شديد أوي..

بصيت من الازاز ولقيت الدكتور ومعاه ممرضة بيحاولوا يعملوا أكتر من حاجة معاها، لدرجة إنهم استخدموا جهاز الصدمة الكهربائية، وقفت مشلول براقب الموقف بدون أي وعي، أعصابي كلها منهارة وريقي بقا أنشف من الحجر، وبعد ثواني من الرعب الحقيقي، شوفت الإجابة في عيون الدكتور، ويارتني مت قبل ما أشوف النظرة دي واسمع الكلمة دي “البقاء لله”.. الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله.. الله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد..

وسمعت التكبيرات من تاني، وبصيت للسما وسالت دموع ملهاش أول من آخر، دموع معتقدش إنها ممكن تخلص في يوم من الأيام، وقعدت على الأرض وحطيت إيدي على دماغي وأنا شايفها في خيالي، شايف العفيفة التقية طالعة للجنة في يوم العيد، طالعة تاخد ثواب رضا رب، ورضا زوج، وعبادات ملهاش أول من آخر.. فضلت مصدوم كتير أوي، كنت باخد العزاء وشايف في كل العيون نظرات ذهول، وكلهم على لسانهم نفس السؤال.. ـ ماتت ازاي ؟؟

أنا نفسي مش عارف ماتت ازاي، بيقال إنه هبوط حاد في الدورة الدموية، وأنا بقول إنها حُسن خاتمة، الست اللي عمرها ما زعلتني تستحق كتير أوي، يارب ارزقها الفردوس الأعلى بطاعتها ليا طول السنين دي، وماتت مراتي، ماتت وسابتني بتحرق بألف ألف خيط من النار الملتهبة.. بس الموقف الغريب اللي لاحظته في العزاء إن فيه حوالي أربع ستات شكلهم مبهدل أوي جايين يعزوا، وكأنهم من عاملات النظافة في الشارع، وكنت شايف عيون مقهورة من البكاء، وسمعت واحدة منهم بتقول بصوت ضعيف أوي

ـيارب أكرمها زي ما كرمتنا، يارب أكرمها زي ما كرمتنا.. مكنتش فاهم دول مين وازاي يعرفوا مراتي، ولا فاهم ازاي بناتي بيسلموا عليهم بالشغف ده، بناتي اللي لسة مش فاهمين لحد دلوقتي إن أمهم ماتت خلاص، وخلص العزاء واتك.سر قلبي للأبد، وكنت فاكر إن دي النهاية، بس طلعت البداية لأمور أغرب من الخيال.. ……………… بعد العزاء بيومين صحيت في نص الليل على صوت بكاء بنتي أسيل في أوضتها، قمت من نومي مخضوض وروحت على أوضتها وأنا قلقان، فتحت الأوضة، لقيت أسيل قاعدة في زاوية الأوضة بتبكي بحرقة وأختها هديل نايمة في سابع نومة، حضنت أسيل وسألتها بصوت هادي وقولت:

ـ بتبكي ليه يا حبيبتي؟! ـ الست الوحشة بتضربني وأنا نايمة.. بصتلها بقلق واستغراب وقولت: ـ ست مين يا حبيبتي مفيش غير أختك.. ـ ماهي بتخلي أختي تصحى وتضربني جامد.. بصيت لأختها النايمة وحضنتها أوي ودخلت أنام معاها في السرير عشان تهدى شوية، وعدى اليوم عادي جدًا، بس تاني يوم وبعد نص الليل صحيت على بكاء أسيل من جديد وسمعت صوت دوشة في أوضتها، روحت الأوضة وأنا قلقان لقتها قاعدة نفس القعدة وبتبكي من تاني، بس اللي لاحظته إن شعرها متبهدل كأنها فعلًا مضروبة، صحيت هديل بقسوة من النوم وسألتها بغضب:

ـ أنتي ضربتي أختك؟؟ لقيت هديل بتبص ناحيتي باستغراب شديد ورجعت نامت ولا كأنها هنا، حاولت استوعب الموقف وهديت أسيل اللي مكنش على لسانها غير إن الست الوحشة بتقول لهديل تضربني، ونمت معاها من تاني ليلة جديدة، وتالت ليلة لقيت أسيل جاية قبل النوم وخايفة أوي، وبتطلب مني أنام معاها، كنت قربت أرجع شغلي وعاوز أعالج الموضوع بسرعة، فضلت جمبها في السرير لحد ما نامت..

قمت عملت قهوة شربتها وقعدت في الصالة افتكر زينب، الست اللي خلتني عايش في جنة على الأرض، اللي على مدار ٦ سنين مسمعتش منها كلمة لا أو مش قادرة، اللي كانت كل ما أزعل منها تقولي رضاك من رضا ربنا متزعلش وحقك عليا، ولأول مرة أحس بالك.سرة دي، ك.سرة أكبر من ك.سرتي يوم موت أبويا، كأني عيل صغير تايه في سوق مليان ألف أم إلا أمه هو، الله يرحمك يا أغلى الناس، ووسط دموعي اللي سالت على خدي لمحت ظل غريب واقف قدام أوضة البنات وبيبصلي بثبات غريب..

حسيت بكهربا بتمسك في جسمي، دققت النظر لقيت فعلًا فيه حد واقف في الضلمة قدام الأوضة، وبالأخص جسم أنثوي، استعذت بالله من الشيطان الرجيم، بس في لحظة اتحرك واخترق باب أوضة البنات، قمت من مكاني مفزوع وجريت على الباب، حاولت أفتحه مقدرتش، مرة واتنين وتلاتة معرفتش، واللي كان هيجنني إني بدأت أسمع بكاء أسيل من تاني، بس مع صوت البكاء كان فيه صوت كأن حيوان بيزوم..

ناديت مرة واتنين على أسيل بس مكنتش بترد، وقتها اتجننت، لو حصل لبناتي حاجة أنا ممكن أموت، خبطت الباب مرة واتنين وتلاتة لحد ما اتك.سر ودخلت أجري عليهم، وشوفت أصعب مشهد ممكن أشوفه في حياتي كلها، شوفت هديل واقفة على أربع أطراف وعمالة تزوم بطريقة بشعة ناحية أختها أسيل اللي متكورة في ركن الأوضة وبتبكي بحرقة.. صرخت بصوت عالي وقلت: ـ هديل!!

بصتلي بصة جمدت الدم في عروقي وفضلت تزوم بطريقة عجيبة، مرة واتنين وتلاتة، في النهاية مسكت راسها جامد وفضلت تتنفض كأنها وقعت في نوبة صرع رهيبة، بعدت أختها عنها وخدتها في حضني وأنا مرعوب عليها، روحنا المستشفى وعملنا فحوصات بس مفيش أي حاجة خالص.. رجعنا على البيت وأنا مقهور، حاسس بخوف كبير أوي، حاسس إني لوحدي، وحاسس بالخطر في كل مكان حوليا، وزاد الشعور أكتر لما دخلت أسيل الحمام بالليل وفجأة سمعت صراخها من جوة، وكالعادة باب مبيتفتحش، حاولت أك.سره بس كان قوي، صلب، ومن ورايا سمعت ضحكات، كانت هديل، ولقتها بصوت خشن اتكلمت وقالت:

ـ سيبها تتعاقب وإلا هعاقبك أنت.. ولأول مرة أحس بالرعب من بنتي الصغيرة، بس مكنش ينفع أسيب بنتي في الحمام، حاولت مرة واتنين لحد ما الباب اتك.سر، ودخلت لقيت أسيل مرمية في الحمام مغمى عليها، وهديل مش راضية تقف عن الضحك والشماتة، كأنها فرحانة في عدو أزلي، وروحنا المستشفى تاني، وفحوصات جديدة، ومفيش أي جديد.. رجعنا البيت وأنا خلاص، حاسس بانهيار، حاسس إني طفل صغير عايز يترمي في حضن حد كبير، وقتها افتكرت زينب، وبكيت أكتر من بكائي عليها يوم موتها، لأنها لو جمبي كانت هتهون عليا كتير أوي أوي..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى