روايات

سائق التوكتوك للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كنت طالع بالتوكتوك من شوية وركبت معايا واحدة مُريبة وشكلها مكنش مطمني إطلاقًا، بس قولت في عقل بالي أنا هوصلها وأخد الأجرة بتاعتي وماليش دعوة بحاجة تانية، بس بعد ما وصلنا وطلبت منها الأجرة عرضت عليا حاجة تانية مُقابل الأجرة، حاجة حرام وتودي في داهية زي ما بيقولوا.. ولما رفضت وصممت على الأجرة لأن المشوار كان طويل بدأ صوتها يعلى وتتهمني إني اتحـ ـرشت بيها وقلبت عليا الترابيزة، زي ما بيقولوا، واتلمت الناس وكان واضح إن الكل هيصدقها، لولا إن واحد منهم كان يعرفني وقال بصوت عالي..

ـ ده الأستاذ حسن.. وزعق فيهم وقال إني ابن ناس واستحالة أكون كذاب، وحلف لو حد قربلي ليض.ربه، واتقلبت الآية والست خافت واعتذرت كمان ودفعت الأجرة ومشيت والدنيا اتفضت، شكرت الراجل على وقفته معايا واتحركت بالتوكتوك من تاني، الحقيقة اللي متعرفهاش أنا تعليم عالي، والناس كلها بتشهد باحترامي وأخلاقي..

ورغم إن الدنيا اتدهورت معايا وبقيت شغال على توكتوك إلا إن كل الناس كانوا بيقولوا (الأستاذ حسن) محدش منهم كان بيقول غير كدا، وبشوف نظرات الإحترام في عيون كل الناس رغم شغلانتي المتواضعة، حمدت ربنا على عزة النفس اللي حفظهالي وإني لما مشيت مظبوط حتى الست المُنحلة مقدرتش تاخد معايا حق ولا باطل وكمان اعتذرتلي، حاجة بسيطة تأكدلك إنك لو مشيت مظبوط كل الناس هتحترمك وربنا هيردلك كل حقوقك..

خلصت يومي وطلعت على بيت خطيبتي لأن واضح إن كان فيه مَوضوع مهم عندهم، ولما وصلت كانت الأمور مضطربة، هي بقالها فترة مش مظبوطة لما عرفت إني بقيت بشتغل على توكتوك، بس أنا كنت بكذب نفسي، وفي النهاية صارحتني قدام أبوها، أو ممكن نقول كسرتني، هي عاوزانا نفسخ الخطوبة، وأبوها كان في صفي أنا وحاول يقنعها بالعكس بس كانت مصممة.. وبدون ما أنطق كلمة خدت حاجتي ومشيت رغم إن أبوها قالي نصًا: ـ أنت راجل يابني وربنا يبعتلك اللي تستحقك لأن بنتي نمرودة مش وش خير أبدًا..

خرجت، مكسور، حزين، كل حاجة متراكمة على بعضها، مو.ت أبويا، مرض أمي، طردي من الشركة، شغلانتي على التوكتوك، خطيبتي اللي سابتني، وقعدت يوم كامل في الغيط بتأمل الزرع بدون ما أنطق، حالة غريبة يمكن حصلت معاكم قبل كدا، حالة من التوهان..

وبعد يومين مكنتش لسة قادر أطلع من الحالة دي، بس كان لازم أكمل واشتغل، وفعلًا بقيت بلف هنا وهنا مش عارف أنا رايح وجاي منين، مش حاطط خطة، ولا بقف للزباين، لحد ما في آخر اليوم لقتني عامل ٤٠ جنيه بس، مش جايب تمن الأكل حتى، وقررت أكمل لـ ١٢ بالليل، وفعلًا على قبل ١٢ كنت خلاص فصلت، مش قادر اتحرك، وركب معايا زبون أعرفه معرفة سطحية، قولت هوصله وأروح اتقتل نوم، سألته رايح فين بس كان رده مُريب..

أداني شنطة وقالي هوصلها المكان الفلاني وهو مش شرط يركب معايا وهيديني اللي أنا عاوزه، الموضوع مكنش محتاج ذكاء عشان أعرف إنها حشـ ـيش، معظم التكاتك بالليل بتشتغل في توزيع الحشـ ـيش، سألته عن محتوى الشنطة لقيته بيديني ٥٠٠ جنيه تمن التوصيلة، مبلغ بعمله في تلت أيام شغل بقا متاح أعمله في مشوار.. وقتها وقف بيا الزمن ولقيت نفسي على مفترق طرق، شوفت المرمطة طول النهار في الشوارع على مشوار بخمس وبعشرة جنيه، شوفت احتقار خطيبتي ليا عشان فلوسي القليلة مش عشان التوكتوك، شوفت احتياجي والضيقة اللي أنا فيها، شوفتها فرصة مينفعش تضيع..

وخدت الحاجة وصلتها وأنا بوهم نفسي إنها مش مخـ ـدرات، رغم إني ودتها لديلر معروف في بلدنا واستغرب أوي إن أنا اللي بوصلها، وروحت، وفضلت مريح يومين كاملين على حِس الـ ٥٠٠ جنيه.. وتالت يوم صحيت العصر عكس العادة وخرجت بالليل، كل مشوار من اللي بـ ٥ وبـ ١٠ جنيه بقا تقيل أوي على قلبي، تقيل بزيادة، بدون تفكير اتصلت بالديلر اللي خدت رقمه يومها وسألته لو حابب يوصل حاجة، سمعت ضحكته، وقالي أنا اللي بيوصل معايا حاجة بيبقا شغل يومي مش مشاوير بس، ووافقت..

ومن يومها، مشوارين في اليوم بعمل بيهم تمن شغل ١٢ ساعة بالتوكتوك، بوصل حشـ ـيش وبـ ـودرة، قتلت ضميري تمامًا، دبحته، أنا محتاج فلوس، عايز اتجوز، عايز ارتاح من الشقى، عمل أيه الحلال غير إني اترفضت واتهانت من خطيبتي..

وبدأت مع الأيام تطلع عليا سُمعة إني بوصل حشـ ـيش بعد ما كنت الأستاذ فلان، بس كبرت دماغي، طظ في الناس حتى لو هيحتقروني، وفضلت شهور على الحال ده لحد ما جتلي شغلانة غريبة شوية، كان فيه تلت بنات بيشتغلوا في الحرام وبيخرجوا برة البلد، حد رشحني ليهم، بقيت مُطالب كل يوم بالليل أوديهم المشوار بتاعهم وباخد مبلغ كويس أوي، وبجيبهم الصبح من شقق الزباين..

مشوفتهاش وقتها ديـ ـاثة وانحطاط، اللي بيتعود على الفلوس الحرام بتمو.ت كل أخلاقه ورجولته، وبقيت بشوف وأسمع، وغصب عني اشتهي البنات دول، بس كنت بتمالك نفسي، لحد ما جبت واحدة منهم في يوم بعد الفجر وطلبت منها أعمل زي ما الزباين بتوعها بيعملوا، بصتلي بسخرية وقالت: ـ بقا أنت يا بتاع التوكتوك عايز تلمسني أنا يا معفن.. الكلمة دبحتني دبح، العاهـ ـرة اللي أقذر من روث الحيوانات شايفاني لا أصلح، مسكت نفسي وأنا بغلي، حاولت مع التانية وكان رد فعلها زيها، والتالتة كذلك، وهددوني لو فتحت الموضوع ده مش هوصلهم تاني وهيشوفوا حد غيري، أنا سواق لا أكتر ولا أقل..

فضلت أيام بشرب حشـ ـيش عشان أنسى كلامهم واحتقارهم ليا، كنت بعور نفسي بالمشرط عشان أتألم وانسى اللي حصلي، في الفترة دي كلمتني خطيبتي السابقة تعتذر وطالبة نرجع، بس أبوها لما وصله خبر شغلي الجديد رفض تمامًا، ولما كلمته قالي أنت دلوقتي أقل من إننا نناسبك، ولما فكرته بكلام بنته وإهانتها ليا ضحك، وقالي كلامها وقتها كان يقل منها هي إنما أنت كنت عزيز النفس في عيني، إنما دلوقتي لو هتمو.ت مش هجوزهالك..

كل ده مع شرب الحشـ ـيش خلاني هتجنن، أنا مش مرتاح، مش مرتاح أبدًا، ولازم أعمل أي حاجة، سحبت بنت منهم بالتوكتوك في مكان مقطوع وحاولت معاها، هزقتني وقالتلي كلام خلاني أشوف نفسي أحقر أهل الأرض، لا أصلح حتى أكون ذكر ولا هي شايفاني راجل، ومكنش فيه غير حل واحد، دبحتها وشوفت دمها بيسيل على الأرض قدامي وهربت.. واكتشفوا الجثة للأسف، ومع استجواب البنات كله قال أنا، واللي بلغ عن مكاني ديلر الحشـ ـيش، باعني عشان يكسب موقف مع المباحث، حياتي كلها انتهت، انتهت للأبد وأنا شايف المو.ت بيقرب مني يوم بعد يوم..

لما كنت ماشي بالحلال كان بيتقالي يا أستاذ، لما كنت ماشي بالحلال فتاة مُنحلة عرضت عليا الحرام وأهنتها والناس وقفوا في صفي، لما كنت ماشي بالحلال أبو خطيبتي قال عني راجل وذم بنته عشاني.. إنما لما مشيت في الحرام اتكسرت عزة نفسي، أبو خطيبتي احتقرني، فتيات الليل رفضوني، والديلر بلغ عني لأني ماليش ديه، شوفتوا بقا ربنا لما بيعزك بيعزك ولما بيذلك بيذلك، وأنت واختيارك، حلال أو حرام.. [قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] سورة آل عمران

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى