
أبويا الله يرحمه كان مدير مدرسة من الجيل القديم، اللي كان مؤمن حتى النخاع إن التربية وتقويم السلوك بيجي من الشِدة ثم الشِدة ثم الشِدة، لدرجة إنه كان مربي الرُعب في المدرسة من أولها لآخرها، وطبعًا بما إني بنته فكنت باخد نصيب الأسد من التربية القاسية دي..
كل حاجة في حياتي بميعاد، وكل حاجة بعملها لازم يكون عارفها من بدايتها وحتى نهايتها، وحتى زمايلي في المدرسة مكنش بيقتصر دوره عليهم في المدرسة وبس، ده كان بيتمشى بالليل في البلد ويمسك العيال اللي بتشرب سجـ ـاير، أو تعاكس بنات، وكان بيفرمهم فرم، لدرجة إن أب من أولياء الأمور اتضايق على ابنه أبويا كان هيضــ,,ـــــربه مع ابنه يومها..
كان شعاره الأخلاق ثم الأخلاق حتى لو هيكسر دراعك، وأكبر مشهد مش هنساه لأبويا لما حد عاكسني وأنا رايحة المدرسة من العيال اللي سابت المدرسة، يومها مسكه وربطه ومده على رجليه قدام المدرسة كلها، وحذر كل الطلاب إن اللي هيبص ناحيتي بالغلط هيكسر دماغه، ويوم ما الواد راح يعيط لأبوه، كل اللي عمله الوالد إنه قدمله في المدرسة وسلمه تسليم أهالي لأبويا..
بس كل ده ربى جوايا حاجز ضخم بيني وبين أبويا، حاجز اسمه الخوف اللي اتحول يوم بعد يوم لكراهية كبيرة، وبقيت حاسة إني مربوطة بسلسلة، ومقيدة بقيد مش قادرة اتخلص منه نهائي، خاصةً لما دخلت الثانوية وكبرت وفهمت إن ده أسلوب تربية خطأ تمامًا، وإن مفيش طفل بيتعامل بالشِدة والضــ,,ـــــرب طول الوقت كدا..
مسافة ما دخلت الجامعة كان كل الجبروت اللي في أبويا أصابه الكِبر زي جسمه اللي مبقاش بيقدر يحركه، وفي ليلة وبدون مقدمات وأحنا بنتغدى أبويا مسك قلبه ووقع على الأرض منطقش، وفوجئت بمادة بيضا بتخرج من بقه بغزارة، وعقبال ما روحنا بيه المستشفى كان في خبر كان، وفوجئت إن فيه حالة حُزن كبيرة مسكت البلد كلها، والكل قال إن اللي مـ ـات ده يبقا آخر الرجال المُحترمين، ازاي آخر الرجال المحترمين وهو سايب ذِكرى في نفسية كل طفل في كل بيت..
ورغم حُزني بس فيه حاجة جوايا ارتاحت أوي، خاصةً إننا مرتاحين ماديًا، ومش هنجوع من بعده، كمان أمي هينة جدًا وأقدر أتحرر من كل القيود دُفعة واحدة، من بعد تالت يوم العزاء بس نزلت على الجامعة، وكانت أول مرة أقعد على كافيه مع صحابي، وشوفت اللي بتدخـ ـن واللي بتشـ ـيش، واللي قاعدة في حــ,,ـــــضن ولد زميلها، كانت مشاهد مثيرة لخيالي وجديدة، خلت عندي استعداد إني أجرب كل ده..
رغم إن ده فكرني بأبويا اللي تقريبًا كان كابوس أي طفل بيشرب سجاير في البلد، لدرجة إن العيال كانت بتستخبى في قلب الغيطان عشان ميشوفهمش، خلاص بقا أنا مش عاوزة أفتكره تاني، خليني أجرب لأول مرة، ومن رهبة التجربة للتعود، وفي خلال شهور كنت بشـ ـيش واشرب سجـ ـاير وتليفوني كله أرقام ولاد.. كنت برجع بالليل متأخر ولو أمي بس فكرت تنتقدني كنت بعلي صوتي عليها واتخانق معاها كمان، وكانت غصب عنها بترضخ لكلامي، لدرجة إن بقا ممنوع النقد لأي تصرف من تصرفاتي كلها..
وواحدة واحدة بدأ يظهر رجب في حياتي، واحد من زمايل الكلية بس كانت عنده كاريزما وحضور كبير أوي، وكانت كل البنات بتتمنى إنها تبقا صاحبته والبنت الأقرب لقلبه، ووسط كل ده اختارني أنا، وبقيت المُفضلة عنده، وبقينا بنخرج مع بعض، ونقضيها في السينمات والكافيهات، ومكنش فيه أي مانع من شوية تجاوزات بسيطة، لحد ما روحت الجامعة في مرة وفوجئت بحاجة خلتني كنت هفقد الوعي من الرعب..
لقيت واحدة زميلتي بتوريني صور وأنا في حضـ ـن رجب وقالتلي إن الصور نازلة على جروبات الدفعة كلها، واحتمال مجلس تأديب الجامعة يستدعيني، اتكهربت وهربت من الجامعة وأنا شايفة قدامي الدنيا سواد في سواد، دي فضيحة العمر زي ما بيقولوا، فضيحة هتدمر مستقبلي كله للأبد..
مشيت في الشوارع وسط العربيات وكأني في عالم تاني خالص، عالم من الضباب الأسود الخانق، عالم المــ,,ـــــوت فيه أهون من كل اللي جاي، روحت قعدت في الكافيه لحد بالليل وأنا مش قادرة أوقف الدموع اللي بتسيل على خدي، لحد ما قررت أرجع أو انتــ,,ـــــحـ ـر، الأقرب ليا هعمله، وأول ما دخلنا على بلدنا، لمحتها، المقابــ,,ـــــبر اللي فيها أبويا اللي كان بيحميني حتى من نفسي..
طلبت من السواق ينزلني وبدون مقدمات دخلت لقلب المقابــ,,ـــــبر، والغريب إني حسيت بالطمأنينة وسط الأموات أكتر من إحساسي بيها وسط الأحياء، لحد ما وصلت لقبــ,,ـــــر أبويا، وصلت وأنا باصة في الأرض مش قادرة أرفع راسي، كأنه حي وكأني جاية أعترف بالمصيبة اللي عملتها.. وأول ما وقفت قدامه انهرت، وبكيت بأعلى صوت، وبدأت أنادي عليه، أترجاه يقوم ويجبلي حقي، ناديت وقولت:
ـ يا بابا فاكر لما الواد عاكسني وضــ,,ـــــربته قدام المدرسة كلها، فاكر لما قولت إنك هتكسر دماغ أي حد يبصلي بصة واحدة بس، أنا محتاجاك دلوقتي تضــ,,ـــــرب الجامعة كلها، تهددهم، تخوفهم، استفردوا بيا بعد مــ,,ـــــوتك يا بابا، لو كنت موجود مكنش حد استجرى يلمسني، أنا غلطت يا بابا وغلط كبير أوي، بس أنت لازم تجبلي حقي، أنا حياتي كلها اتدمرت في غيابك يا بابا، رد عليا يا بابا متسبنيش أنا بنتك.. وانهرت أكتر من البُكا لدرجة إني حــ,,ـــــضنت القبــ,,ـــــر، وفجأة اتنفضت على صوته، كان صوته الضخم، المُرعب، سمعته بيقول:
ـ يا خسارة تربيتي فيكي يا هند.. بصيت عند آخر الحارة وشوفته، بجسمه الضخم، وكان ماسك الجلدة اللي كان بيضــ,,ـــــرب بيها العيال، وعنيه كانت عبارة عن جمرة ملتهبة، وقعت مكاني مقدرتش أهمس، ولا أنطق بنص كلمة، وبدون تفكير لقيته نزل على جسمي بالجلدة، وحسيت بالنــ,,ـــــار بتاكل في جسمي، وبدأت أصرخ بأعلى صوت: ـ سامحني يا بابا، سامحني بالله عليك.. ونزل من تاني بالجلدة على جسمي بصورة أشد، لدرجة إني حسيت بالنــ,,ـــــار بتاكل في جسمي، ضــ,,ـــــربة ورا ضــ,,ـــــربة لحد ما الدنيا كلها ضلمت وفقدت الوعي، ولما فُقت سمعت صوت ذكوري خشن، صوت خلى جسمي كله يتنفض، صوت حد بيقول:
ـ ألحق ياد شوف البت اللي واقعة هناك دي.. ـ بقولك إيه أنا مش هقدر أمسك نفسي أنا اللي هدوقها الأول.. جسمي اتنفض أكتر وأكتر، وأول ما قربوا مني وأنا مش قادرة أتحرك ولا أهمس سمعت واحد بيقول: ـ دي هند بنت الأستاذ شمس.. ـ مدير المدرسة الإعدادية؟؟ ـ أيوة يابني.. ـ طيب ده مات من زمان.. ـ ولو مات حتى، أنت نسيت هددنا زمان وقال اللي هيلمس بنتي هكسر راسه، أنا استحالة ألمسها ولو فيها مــ,,ـــــوتي..
وهربوا الاتنين، هربوا وشوفت وقتها أبويا واقف مبتسم، وباصص في عنيا بنظرة غريبة، كأنه بيقولي أنا كنت صح، أنتي اللي كنتي غلط، بكيت أكتر وقولتله: ـ سامحني يا بابا.. وجريت من المقابــ,,ـــــبر، جريت ورجعت البيت وأمي مقدرتش تنتقدني لرجوعي متأخر، لأني دايما بزعقلها، دخلت جروبات الدفعة وأنا ببكي بهيستريا ملقتش ولا صورة، ولا حد بيتكلم عليا من الأساس، اتصلت بصاحبتي لقيتها بتضحك بهيستريا وبتقولي ده هما صورتين صورتهملك من ضهرك ومش باين وشك أصلًا، ومفيش حاجة نزلت على جروب الدفعة أنا كنت بهزر معاكي، قفلت معاها، قفلت وقدام عنيا صورة أبويا..
أبويا اللي كان دايمًا بيقول يمكن أنا شديد عليكم بس هتعرفوا مستقبلًا أنا ليه كنت شديد، الدنيا وحشة أوي، وصديق السوء ممكن يدمرك، والعادات السيئة اللي هتمشي عليها من صغرك هتبقا إدمان لما تكبر.. البنت مهما حصل لازم تفضل عفيفة لحد ما تمــ,,ـــــوت، والشاب مينفعش يعاكس بنات ولا يدخن، ولا يقعد زي قطاع الطُرق في الشوارع، يمكن أنا شديد، بس لما أمــ,,ـــــوت هتعرفوا أنا ليه كنت شديد، هتعرفوا إن ده مش تسلط مني على قد ما كان خوف عليكم، وحبًا فيكم، لأني كنت فاهم الدنيا أكتر منكم..
وقتها افتكرت كل بنت بتشتكي من شِدة أبوها عليها، واتمنيت إنها تعرف إن ده حُب وخوف منه، وإن الأب مصدـ,,ـــر أمان للبنت لو راح، هتشوف الدنيا على حقيقتها وهتتمنى يرجع ولو هيكون أشد عليها ألف مرة، بس يرجع.. [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] سورة الإسراء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




