
على نص الليل تقريبًا لقيت باب البيت بيخبط بإصرار غريب، قمت من نومي وأنا متخدر شوية وفتحت الباب لقيت بنت شابة واقفة قدام باب البيت وبتترعش من البرد.. ـ أنتي مين؟! رددت الكلمة دي وأنا أثر النوم لسة باين عليا، مين دي اللي بتخبط عليا في نص الليل، بصيت لها بتعجب وأنا مش عارف أقول أيه: ـ أنتي مين؟! ـ أنا طالبة مساعدتك أرجوك.. ـ اؤمريني.. ـ عايزة أبات عندك انهاردة.. ـ بس، بس أنا قاعد هنا لوحدي و و..
بصيت بره لقيت المطرة نازلة زي السيول والجو برد، قولتلها: ـ طيب اتفضلي.. دخلت البيت وهي عمالة تحك إيديها في بعض عشان تحس ببعض الدفى، بصيت لها بشفقة وأنا مش عارف أنا ممكن أعمل أيه، كانت بنت في منتصف العشرينات تقريبًا، جميلة بطريقة مبالغ فيها، لابسة فستان شبيه بالفساتين اللي كانت بتلبسها الستات في الستينات، فستان أبيض عليه ورد وواسع.. دخلت الصالة وقعدت وهي خجولة، دخلت المطبخ بسرعة طلعت الأكل اللي لقيته من التلاجة وسخنته، عملت كوباية ينسون وحطيتهم على صنية وطلعتهم ليها..
بصتلي بخجل شديد فابتسمت لها وقولتلها: ـ أنا آسف الأكل مش أوي بس اللي لقيته بقا واشربي الينسون ده هيدفيكي شوية.. ابتسمت وبصت في الأرض، دخلت البيت جبت المفتاح وخرجت أقولها: ـ أنا هسيبك الليلة لوحدك في البيت وأروح أبات عند أي حد من معارفي والصبح هبقا أجيلك، وهستأذنك أقفل عليكي بالمفتاح من بره وهجيلك بكرا على الساعة ١١ الصبح عشان تكوني جاهزة.. وبصوت هادئ رصين جاوبتني: ـ أنا مش جاية عشان أنت تخرج من بيتك ولو خرجت أنا كمان هخرج، أنا ممكن أدخل أي أوضة وأقفل على نفسي من جوه والصبح همشي على طول..
ابتسمت وقولتلها : ـ طيب اتفضلي كلي وأنا موافق.. بصت لأوضة والدتي الله يرحمها وقالتلي: ـ هو أنا ممكن أنام في الأوضة دي؟؟ بصيت لها بتردد وانزعاج، حسيت بضيق أول ما جابت سيرة الأوضة دي بالذات، خلتني أفتكر أحداث معداش عليها أسبوعين بس، آهات وصرخات، بكاء ودم، غصب عني لقيت دموعي هتنزل، بصيت الناحية التانية وقولتلها: ـ اتفضلي زي ما تحبي.. شالت الأكل ودخلت بيه على الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح بعد ما خدته مني، وقعدت أنا في صالة البيت اتفرج على الأوضة المقفولة، الأوضة اللي نورت من تاني، الأوضة اللي نفسي مفتكرش أي حاجة حصلت فيها خالص..
وغصب عني دموعي نزلت من تاني، كتمت صوتي عشان متسمعش مني حاجة، وسبت دموعي تنزل في صمت، صمت تام.. ااااااااااه حسيت بقلبي بيئن وبيوجعني، الدنيا بدأت تضيق بيا من تاني، نفس الأحساس بيرجع من تاني، سامع صوت آهاتها، استغاثاتها من تاني.. لقيت نفسي بخرج من البيت كله واقف تحت المطر، قفلت باب البيت بالمفتاح، ومشيت في البلد، البلد اللي كانت عاملة زي قرية الأموات، مفيش غير صوت المطر، المطر اللي اختلط بدموعي اللي عمالة تنزل..
وغصب عني روحت من تاني للمقابــ,,ـــــبر، ووقفت قدام قبــ,,ـــــر أمي، حطيت إيدي على المقبــ,,ـــــرة وبكيت من تاني، وكأن جسمي كله عبارة عن دموع، دموع ألم وقهر ووجع.. ـ سامحيني يا أمي.. ـ سامحيني والله ما كنت قادر أساعدك.. وبدأ قلبي يوجعني من تاني، صدري يضيق وأنفاسي تتسارع، حاسس إني همــ,,ـــــوت من الوجع، قعدت قدام التربة وجسمي بدأ ينهار، مبتمناش أكتر من إني أمــ,,ـــــوت دلوقتي وأدفــ,,ـــــن جنبها، يمكن أعرف أقولها إني مقدرتش أساعدها..
وفي عز ضعفي والغيبوبة اللي بدأت أقع فيها سمعت صوت خطوات غريبة، بدأت أفوق نوعًا ما وبصيت ورايا، ووقع قلبي في رجليا، كان فيه واحدة لابسة أسود واقفة في آخر الحارة بتاعة المقابــ,,ـــــبر، وقفت وأنا جسمي بيترعش، مكنتش شايف منها غير السواد، وقفت أبصلها بحذر واتكلمت بخوف: ـ أنتي مين؟!
فضلت واقفة زي الصنم، رجعت بشويش وحاولت أخرج من المكان، بس مسافة ما تحركت سمعتها بتزوم زي الحيوان، واتنفض جسمي، اتنفض تلت مرات قبل ما أجري، ومن ورايا بدأت أسمع صوتها وهي بتزوم، وبدأ قلبي يئن من تاني، كأني فعلًا بقيت مريض، مريض بنفس المرض اللي خلاني أفقد أعز إنسانة في الدنيا ليا.. الوجع زاد، زاد أوي وحسيت إن قلبي خلاص هيقف، صوت البنت كنت سامعه بوضوح، بصيت وأنا الرؤية بتضيع من قدامي لقيت اسم امي على المقبــ,,ـــــرة، هو أنا جريت ولا مقدرتش أجري، ولا جريت ورجعت لقبــ,,ـــــر أمي تاني، كفاية إني همــ,,ـــــوت قدام قبــ,,ـــــر أمي
ـ سامحيني ياما.. و….. ووسط الظلام شوفتها، بس بس… مكنتش اللي لابسة أسود، كانت اللي بايتة في بيتي.. فوقت على إيد بتهزني جامد، إيد قوية، فوقت وأنا جسمي كله عرقان رغم البرد، لقيت البنت اللي كانت في بيتي بتشدني بقوة، كنا على أول المقابــ,,ـــــبر، مشيت جنبها وأنا فاقد النطق، حاسس بوجع في كل جسمي، وصلنا البيت أنا وهي وبدأت أركز شوية.. هي ازاي خرجت من البيت وأنا قافله بالمفتاح؟! وازاي وصلت للمقابــ,,ـــــبر أصلًا؟! مين دي؟؟
……………… دخلنا البيت وقعدت في الصالة جسمي كله واجعني، قلبي عمال يئن من الألم، لقيتها عملتلي كوباية ينسون وقالتلي أحكيلي، ليه كنت بتبكي قدام القبــ,,ـــــر ده، بصيتلها بذهول وقولتلها: ـ أنتي خرجتي ازاي من البيت وازاي عرفتي إن أنا في المقابــ,,ـــــبر؟! ـ هقولك كل حاجة بس أحكيلي.. أمي الله يرحمها من سنتين جالها مرض غريب، مرض كان بيخلي الوجع يمسك في جسمها كله، وبالأخص قلبها، وبدأنا رحلة البحث مع الدكاترة، القلب، الصدر، الباطنة، مفيش دكتور قدر يشخص المرض، سنة كاملة صرفنا كل اللي قدامنا واللي ورانا..
وفي النهاية المرض مسك جسمها كله، ويأسنا وقعدنا في البيت، ونامت على سر,,ـــــيرها، وبدأ العذاب، كانت يوميًا بتستغيث من الوجع، تئن، تتألم، وأنا أفضل أخبط راسي في الحيط زي المجنون، كنت أتمنى تتعالج وأنا أمرض، بس مقدرتش، كانت بتبكي، بترجع دم، جسمها كله بدأ يزرق وصدرها ينشف وعضمها يبرز بطريقة مُخيفة.. أسابيع وهي بتبكي وتناديني وتقولي: ـ ألحقني يابني، أرجوك أنا بتألم.. وأنا لا حول ليا ولا قوة، كنت بحــ,,ـــــضنها وأبكي، أبكي بهيستريا، لحد ما جت ليلة وفضلت تتألم لساعات..
صوت آهاتها كان بيقطــ,,ـــــعني، بيدمرني، فضلت تردد: ـ قلبي واجعني.. ترددها كتير وأنا أخبط راسي في الحيط، أصرخ، أقطع في نفسي، مش قادر أساعدها، في النهاية وقعت أبكي على المصلية، أناجي ربنا يرحمها، وفعلًا سمعتها بتتشاهد بودني، دخلت لقيتها ماتت، بصيت لها بذهول لقيت جسمها طبيعي ولا كأنها كانت مريضة..
وفضلت أبكي وأصرخ، ماتت أمي، ودفــ,,ـــــنتها، دفــ,,ـــــنتها من أسبوعين بس، لكن الألم والوجع اتنقل ليا، وبدأت أعراض الوجع تظهر عليا من تاني، نفس اللي كانت بتشتكي منه بقيت أشتكي منه، غير إحساسي الرهيب بالذنب إني عجزت إني أساعدها، روحت من تلت أيام بكيت عند قبــ,,ـــــرها، والليلة لما أنتي دخلتي الأوضة بتاعتها افتكرت كل حاجة من تاني، ولقيت نفسي غصب عني بروح قبــ,,ـــــرها من تاني.. ووقعت في نوبة بكاء هيستيري، بصتلي بصة غريبة وسابتني ودخلت أوضة أمي وقفلت عليها الباب، سبتها براحتها لأن الوجع بدأ يزيد عليا أوي..
ونمت مكاني، نمت وأنا ببكي وبتألم، صحيت على نور الشمس جسمي كله واجعني، ذاكرتي كانت مشوشة جدًا، قمت من مكاني وافتكرت البنت، قربت من الأوضة وخبطت عليها بس مكنش فيه أي رد، فتحت الأوضة ملقتش حد، قلقت جدًا لما لقيت الأوضة متبهدلة، بصيت لقيت صينية الأكل زي ما هي، بس اللي لفت نظري كان السر,,ـــــير.. السر,,ـــــير كان من النوع القديم جدًا، اللي معمول شمعدان، واجهة السر,,ـــــير كانت معدن مجوف، بس أنا لقيت المعدن ده مشقوق، والتجويف ظاهر، مبقتش فاهم هي كسرت عمدان السر,,ـــــير ليه أصلًا..
بصيت فيها بقلق ولقيت لفافة غريبة، مسكتها وأنا مش فاهم ده أيه، فتحتها وشهقت، شهقت لما لقيت رسوم وطلاسم غريبة مكتوبة على صورة أمي، مديت إيدي لقيت لفافة تانية، فتحتها لقيت صورتي وعليها طلاسم وكلمات زي.. مــ,,ـــــوت، خراب، ألم.. خدت اللفافتين وجيت أخرج من البيت لقيت ورقة، جواب مكتوب بحروف متقطعة، مسكته وفضلت نصف ساعة بربط الكلمات ببعض.. ……………… على المغرب كنت قاعد مع الشيخ في المسجد بحكي له كل حاجة، لحد ما جبت سيرة الجواب وقالي اقرأه عليا..
ـ من أكرمنا أكرمناه وكنا له عونًا وسندًا بأمر من المولى سبحانه وتعالى، رأيناك يوم بكيت أمام المقبــ,,ـــــرة، وكدت أن تهلك ولكننا وقفنا بجانبك، وكدنا نتركك لولا أن اختبرناك وجئت أنا إليك، فرأينا منك كرمًا لم يعد في البشر، فقررنا أن نقف بجانبك أكثر، ونخرج هذا السحر الذي . أمك وكاد أن ي.ك أنت أيضًا، أحــ,,ـــــرقها وسترى النــ,,ـــــار تشتعل في بيت عدوك..
وبدأ الشيخ يفكر، لحد ما قالي إن الأمر عجيب، عجيب جدًا، بس ربنا بيسخر عباد للعباد، والجن في منهم المسلم اللي بيساعد لوجه الله، ودي كانت منهم يا ولدي، وساعدتك عشان توريك مكان السحر، السحر اللي تسبب بالمرض لأمك الله يرحمها، يالا بينا نحــ,,ـــــرقه يابني وأحمد ربك وادعي لوالدتك بالرحمة.. وقفنا ورا المسجد وحــ,,ـــــرقنا الورق، ومسافة ما حــ,,ـــــرقناه سمعنا صوت صراخ رهيب، رهيب، وفجأة لقينا نــ,,ـــــار عظيمة مسكت في البيت اللي جمب بيتي، والست اللي فيه بتجري قدام البيت والنــ,,ـــــار ماسكة في جسمها، الناس كانت بتصرخ وتحاول تطفيها..
وغصب عني افتكرت حاجات كتير في الوقت ده.. ـ أحــ,,ـــــرقها وسترى النــ,,ـــــار تشتعل في بيت عدوك.. ـ الست اللي جمبنا دي يابني بتاعة أسحار ربنا ينجينا منها.. ـ بتحقد علينا منها لله، ربنا ينجينا منها.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




