
امبارح كنت معدي أنا وصاحبي من الشارع اللي هو ساكن فيه، وكنا بالظبط قدام عمارة قديمة شوية، ومن شقة من الشقق كان فيه صوت صراخ وهرج ومرج، صوت واحدة بتستغيث وراجل عمال يزعق ونازل تكسير في الشقة.. الحمية خدتني بصراحة أطلع أعمل أي حاجة، مهو أنا اتربيت إني لما أشوف حد بيستغيث وخاصة لو كانت واحدة ست إني اتدخل، قربت من مدخل العمارة لقيت صاحبي بيشدني وبيقولي: ـ أحنا مالنا ياعم أنت.. ـ يابني ده هيمو.ت الست فوق..
ـ ده راجل قليل الأدب ولسانه فالت، ولو طلعنا هنعمل معاه خناقة كبيرة.. افتكرت الخناقة اللي عملتها من تلت أيام بسبب إني دافعت عن بنت بتتعاكس وأبويا حلف عليا لو عملت خناقة جديدة ليطلق أمي.. ومشيت وأنا مخنوق وقلبي مقبوض، وانتهى اليوم وتناسيت كل حاجة تقريبًا، بس في نومي شوفت حاجة غريبة، كنت شايف ضلمة شديدة أوي، وكان فيه واحدة قاعدة بتبكي وسط الظلام ده، وكل ما كنت أقرب منها كان جسمها بينكمش على بعضه أكتر، طول الليل البنت بتعيط وأنا مش عارف أعمل أي حاجة، وصحيت من نومي..
في اليوم التاني اتصل بيا عمر، ونزلت أقعد معاه شوية، كانت الساعة تسعة بالليل، كان بيعجبني جدًا في شارع عمر إنه هادي تمامًا، من المغرب والمكان مهجور، مهجور بغباء، ولقيت نفسي بدون وعي معدي على نفس العمارة، ومن جديد سمعت صوت الخناقة، نفس صوت الراجل المستفز عمال يك.سر ويض.رب والست تتألم وتستغيث.. لا بقا، على الله واللي يحصل يحصل، دخلت مدخل العمارة اللي كان حالك السواد، معرفش ليه مفيش أي إنارة للعمارة، طلعت على السلم على نور موبايلي..
عارف إني هطلع هتورط في خناقة كبيرة، بس مش مهم، الصوت عمال يعلى وبقا واضح أوي، الست بتبكي وتتحايل عليه يبطل ض.رب فيها، وهو مفيش أي شفقة.. وصلت الدور الرابع، وبالأخص عند باب الشقة اللي علي السلم، وكان الصوت في غاية الوضوح، سامعها بتقوله: ـ خلاص يا وليد همو.ت، الواد في بطني هيمو.ت.. ـ ياريت تمو.تي عشان أخلص منك ومن قرفك خدت نفس عميق وتماسكت و…. طق طق طق صمت تاااااااام بعد ما خبطت على الباب، وكأنهم اخت.فوا من الوجود..
طق طق طق صمت.. صمت.. صمت.. زقيت الباب بقوة لقيته اتفتح، شجعت نفسي اتكلمت: ـ السلام عليكم، يا أستاذ دي مراتك وميصحش اللي بتعمله ده، اتقي الله.. صمت.. الشقة كانت عبارة عن قطعة من الظلام الدامس، أيه الراجل المجنون ده، نورت بنور الفون ودخلت الشقة، كانت شقة غريبة، التراب موجود في كل حتة، الريحة عطنة جدًا، العنكبوت معشش هنا وهناك و…….. طاااااااااخ باب الشقة اتقفل بكل عنف، قلبي اتنفض من مكانه وجريت عشان أفتحه، بس الباب مكنش بيفتح إطلاقًا..
بصيت ورايا بخوف لما سمعت صوت حركة، بصيت يمين وشمال وحركت النور هنا وهنا، مفيش أي حاجة، حاولت أفتح الباب من تاني بس مكنش بيفتح إطلاقًا.. وفجأة سمعت صوت من الأوضة جوه، صوت حد بيبكي بصوت خافت، بكاء ضعيف خالص، سترك يارب، يارب سترك، يارب أنا جيت في الخير يارب، احميني يارب.. دخلت بخوف شديد ناحية الأوضة، يارب، قلبي هيتخلع من مكانه من نبضاته، جسمي كله سخن وشعري واقف، دخلت الأوضة وسلطت الضوء على السرير..
وبرقت من الصدمة والرعب، صعقت، شوفت واحدة هدومها مقطعة، جسمها كله بيجيب دم، وشها وارم من الض.رب، وفجأة شوفت راجل ضخم، واقف قدام السرير وفي إيده حزام.. طاااااخ.. ونزل على جسمها بالحزام، وبدأت تصرخ من تاني.. طاااااخ.. طاااااخ.. بكاء… صراخ.. رجاء.. جسمي كله كان بيتنفض، أيه الجنان ده، وبكل ما تبقي عندي من شجاعة قولتله: ـ متض.ربهاش أحسنلك.. معرفش قولت الجملة دي ازاي، بس الغريب إنه وقف بالفعل، وبصلي، وعلى ضوء كشاف الموبايل لمحت عنين بيضا، بيضا بلون التلج..
وهجم عليا، في اللحظة دي مسكت الكرسي وحدفته عليه وجريت، سمعت صرخته، وكأن الكرسي أصابه فعلًا، حاولت أفتح الباب من تاني بس مكنش بيفتح إطلاقًا.. ـ يارب.. يارب.. همو.ت يارب.. بصيت ورايا وشوفتها، كانت واقفة ورايا بالظبط، جسمها مبهدل وهدومها مقطعة، كانت بتبكي بصمت من تاني، جسمي بدأ ينهار، قلبي هيقف من الرعب ده.. لقيتها سابتني وراحت عند الشباك اللي في الصالة، وشاورت منه بصباعها، كنت وقتها ماسك الموبايل زي اللي ماسك على سلاح، سلاح لو سبته همو.ت..
قربت زي المجنون منها وبصيت، كانت بتشاور ناحية عمارة موازية، بصيت ورددت بتلقائية: ـ أنا معرفش غير بيت عمر صاحبي في العمارة دي.. بصتلي، ولمحت شبح ابتسامة على شفايفها، واخ.تفت، اخ.تفت كأنها كانت صورة، وجريت فتحت الباب واتفتح الباب بسهولة جدًا، ومعرفش ليه بصيت على الباب.. وقرأت “شقة الاستاذ وليد عبدالدايم”.. ونزلت من المكان كله بنهج، بمو.ت، وقعت على أرض الشارع اخد نفسي، وغصب عني لقيت نفسي ببكي، كنت تعبان، مرهق، حزين، قلبي واجعني… وقتها اتصل بيا عمر، وروحتله القهوة، سألني عن شكلي الغريب ده قولتله إني تعبان شوية..
في الوقت ده حد اتصل بيه، وسرحت أنا، سرحت عشان أفوق على حاجة غريبة، غريبة جدًا جدًا.. عمر كان بيقول في التليفون: ـ هكلم عمي وليد يا بابا وهبلغه متقلقش.. مسكت موبايلي وكتبت.. عمر أحمد عبدالدايم وليد عبدالدايم البنت شاورت على عمارة عمر معقولة؟! معقولة وليد ده يبقا عم عمر صاحبي.. خلص مكالمته وطلبت منه أعمل مكالمة، خدت الفون وخرجت من القهوة، لقيت رقم على موبايله، ومكتوب “طرف عمي” .. خدت الرقم ورجعتله.. وبدون مقدمات قولتله:
ـ أنت ليه محكتليش عن عمك اللي قتل مراته؟! وقعت من إيده كوباية الشاي وبصلي بخوف وذهول ـ أنت عرفت منين؟! ـ حد معرفة قالي.. بصلي وسكت، سكت خالص، بعد دقيقة من الصمت اتكلم.. الموضوع ده من خمس سنين، قبل ما أعرفك بسنة كاملة، عمي وليد كان غريب، يوميًا كان بيتخانق مع مراته ويض.ربها، كنا ساكنين معاه في نفس العمارة، وكان معانا سكان كتير أوي..
بس محدش كان بيدخل، الكل كان بيتلاشى عمي وليد، كان راجل فظ، خلقه بشع، والمسكينة اتحملت كتير أوي، لحد ما في يوم زاد صوت صراخها، بس محدش اتدخل، وما.تت من الض.رب، ما.تت وهي حامل، وهرب عمي يومها، ومن تاني يوم بدأت العمارة يحصل فيها أمور غريبة.. مرات عمي تقف على المدخل بالليل، أو نقول عفريتها، وكانت بتهاجم السكان، يوميًا بنسمع صوت الخناق بينهم، الموضوع كان مرعب، مرعب جدًا.. وخلال سنة نقلنا في شقة في عمارة جمبنا وكل السكان هجروا العمارة، ولما سمعنا صوت الخناق أنا وانت يومها مردتش أطلعك عشان الشقة مسكونة..
تمالكت نفسي جدًا وقولتله: ـ وعمك فين دلوقتي؟! ـ هربان محدش يعرف عنه حاجة.. وابتسمت.. ابتسمت وتاني يوم كنت طالع أنا ووالدي على القسم، سلمنا الرقم وبلغناهم بكل التفاصيل، النيابة طلعت أذن تتبع وطلع الرقم لشخص من الإسماعيلية اسمه، “مرسي مرسي”.. ولما تم استدعاء مرسي اعترف إن وليد عايش عنده من خمس سنين وإنه حلقة الوصل بين وليد وأحمد أخوه.. وبالفعل اتقبض على وليد، واتفتحت القضية بعد خمس سنين، واتحكم عليه بالإع.دام، ومن يوم الحكم وتوقف صوت الخناق في الشقة للأبد..
(اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ) صحيح مسلم لا تبطش بقوتك فيبطش بك القوي.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




