روايات

سيدة الفرن للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أنا أحسن واحدة بتعمل عيش في محافظة الفيوم كلها، واليوم اللي بنزل فيه السوق تقريبًا بخلص الكمية اللي معايا كلها على الساعة ١٠ الصبح عكس كل الستات اللي بيقعدوا لحد العصر ومبيخلصوش العيش بتاعهم كله، يمكن ربنا أداني موهبة وبقيت عارفة كل أسرار العجين وازاي أخلي العيش يطلع له طعم وهيئة مختلفة، ويمكن قعدتي سنين جنب أمي الله يرحمها خلتني أتعلم بطريقة مُختلفة شوية، ويمكن لأن جوزي مات وكنت ست مبخلفش فربنا جعل في العيش بتاعي القَبول بين الناس عشان متحوجش لأي حد..

ودايمًا كنت بحمد ربنا وأشكره على نعمته وفضله عليا، وكنت بحاول أواسي الستات اللي حوليا وأساعدهم وابعتلهم زباين عشان محدش منهم يشيل في نفسه أو يزعل إني ببيع كل العيش وهما مش قادرين يبيعوا.. وعشان مخسرش زبايني كنت بخبز بصورة يومية تقريبًا، أصحى قبل الفجر أجهز الدقيق وأعمل العجين وأسيبه يتخمر، وأصلي الفجر واستنى للشروق وبعدها أبدأ الخبيز لحد العصر، وكل نهاية أسبوع بروح بكمية عيش كبيرة للسوق واللي كانت كلها تقريبًا بتكون محجوزة وأبيع وأرجع أكمل نفس الموضوع مرة تانية، لحد ما جت الليلة الغريبة بالنسبالي لما دخلت الأوضة الجوانية أطلع شيكارة الدقيق..

وقدام عنيا لقيت الشيكارة منهوشة ومتقطعة، وشيكارة الدقيق عشان تتقطع بالطريقة دي محتاجة ضوافر حامية أوي، استعذت بالله من أي شر وقررت أتجاهل الموضوع وخدت الدقيق على الفرن، حطيت العجين في الحلة الكبيرة وخلطته بالمية وسيبته عشان يتخمر.. الغريب إني لما رجعت لقيت لون العجين رمادي، وكأن فيه رماد من الفرن اختلط بيه رغم إني مولعتش الفرن من الأساس، حاولت أنضفه بكل الطُرق وبدأت أعجن بإيدي، بس المرة دي كان العجين تقيل أوي، تقيل بطريقة مُخيفة أوي، كنت حاسة إن إيدي بتدخل جواه ومبتخرجش وكنت بخرجها بالعافية، قولت هخبز بدري أحسن العجين يبوظ..

وفعلًا عملت العيش وحطيته في الفُرن، بس على عكس المتوقع العيش خد وقت طويل أوي عشان يستوي، ووسط تعجبي وانتظاري وكانت الشمس لسة بتشرق والجو لسة مضلم سمعت صوت همسات غريبة أوي، الغريب إن الهمسات دي كانت جاية من قلب نــ,,ـــــار الفُرن، وقدام عنيا شوفت العيش، العيش كان استوى، بس وش أرغفة العيش كانت وكأنها وشوش بشرية، أو وشوش بشرية مشوهة..

وبدأ العيش يتنفخ ويتنفخ بطريقة مُخيفة أوي، كل ده وأنا مبرقة ناحية الفُرن بفزع غير طبيعي، وقبل ما اتحرك انفجر العيش، وطارت أجزاء منه مولعة على جسمي حــ,,ـــــرقته، صرخت من الرعب واتحركت بعيد والحمد لله كانت الإصابات بسيطة، قفلت الفُرن وفضلت أستعيذ بالله كتير أوي.. وفضلت طول اليوم استغفر وادعي ربنا وأصلي، لحد ما نمت بالليل، نمت وحلمت بحلم غريب أوي، شوفت واحدة ست عجوزة لابسة أسود واقفة قدام السر,,ـــــير، ولقتها بتقولي إن العيش عجبهم أوي، وكان طلبهم يحموني من اللي عايز يأذيني في المقابل أخبز يوميًا خمس أرغفة كبار واسبهم على السطح ليهم..

وصحيت من النوم مخضوضة ومستغربة، وطلعت عشان أنضف مكان دــ,,ـــــادثة امبارح وأجهز خبيز اليوم الجديد، بس الغريب إن كل العيش مكنش موجود، ولا حتة منه، وكأن حد أكله كله ومسابش فيه لُقمة واحدة، تمالكت أعصابي وبدأت أخبز، ومحصلش زي ما حصل امبارح وكانت الأمور طبيعية تمامًا، لحد ما خلصت الخبيز وخدته كله عشان حد طلب مني كمية وروحت وديته لحد البيت.. ولما رجعت لقيت البيت كله مقلوب، المرتبة مرمية، والهدوم برة الدولاب، وكل حاجة مش في مكانها، بدأت استعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأعدل كل حاجة في البيت، وعلى بالليل شوفت نفس الست في الحلم، وكانت غضبانة جدًا وقالتلي:

ـ ليه بخلتي علينا وأحنا تعبنا أوي عشان نحميكي، دول خمس أرغفة والمقابل هيكون كبير أوي.. لقيت نفسي ببكي من الخوف في الحلم وقولتلها إني مش بخيلة أنا بس نسيت ومن بكرة هعمل كل حاجة، وصحيت تاني يوم، وعملت العيش، وسبت خمس أرغفة على السطح، وفعلًا كانوا آخر النهار بيختفوا تمامًا، وفضلت على الحال ده وقت طويل يمكن تلت شهور، والغريب إني بقيت بخبز ضعف الكمية يوميًا، والدقيق مكنش بيخلص وكأن الشيكارة بقت حجمها أكبر، وزبايني بقوا أكتر وعملت فلوس في ٣ شهور يمكن بعملها في سنة كاملة..

وفضلت على الحال ده وقت طويل لحد ما واحدة ست من السوق معايا قالتلي إن (عنايات) الفرن انفجر فيها واتحــ,,ـــــرقت ولازم نروح نزورها، وفعلًا روحنا لقينا وحدة مشوهة تمامًا، الغريب إنها أول ما شافتني فضلت تبكي وتترعش وطلبت منهم كلهم يخرجوا، وقالتلي إنها من حقدها عليا عملت سحر مرشوش ورشته على الدقيق بتاعي وقدرت تدخل بيتي ليلتها وتعمل كدا، وإن اللي حصلها ده أكيد بسبب اللي عملته وإنها راحت أبطلت السحر انهاردة وطلبت مني أسامحها..

رجعت بيتي وأنا مذهولة وافتكرت ليلة العجين التقيل والعيش الغريب، وشوفت ليلتها نفس الست، وقالتلي إن المهمة انتهت وإنهم هيمشوا ومش عايزين عيش تاني، وإن خلاص الأذى راح من البيت، وصحيت يومها على صوت الأذان وأنا ببكي ومش مستوعبة، معقولة يكون دول حماية ربنا بعتهم يحموني من شر كان هيأذيني، طيب أنا بعمل إيه عشان استحق ده، أنا يادوب بصلي الفجر وبقرأ أذكاري وبطلع صدقات مخفية للمحتاجين وبواسي أي ست مبعتش بالفلوس والعيش..

بس مش غريبة، اللي بيفوض أمره لله وبيتحامى فيه بيسخرله الدنيا كلها تحميه وبيبعد عنه أي شر، وأنا من يومي متوكلة على الله وبس، عشان كدا حصلت الحاجة الغريبة دي واللي مش لاقية ليها أي تفسير لحد انهاردة، واللي عاوزة أي حد يسمعها مني ويحكيها للناس عشان يعرفوا إن اللي بيتوكل على الله وحده ميخفش من الدنيا واللي فيها.. [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] سورة يوسف بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى