روايات

نخلة الأسحار للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

فيه واحدة عرافة غجرية بتنزل بلدنا أيام مولد النبي وتفضل تلف على البيوت وتقرأ الكف والفنجان وتتنبأ للناس بالخير وتنصحهم يعملوا أيه في حياتهم، موروث قديم أوي متعارف عليه في النجع بتاعنا بالأخص، وكل اللي كنا نعرفه عن العرافة دي إنها واخدة المهنة وراثة وإن العيلة كلها بتورث الشغلانة دي أبًا عن جد..

وناس كتير في البلد كانوا مؤمنين بيها وبيستنوها من السنة للسنة بفارغ الصبر، وأجواء الإحتفال بالمولد كانت بتبقا خرافية في النجع، زفة المولد دي كنت بتشوف فيها العجب العُجاب، بداية من المشايخ اللي كانوا بيمشوا على السيوف المسنونة ويطيروا في الهوا، لحد السكين اللي كان بيدخل في الجسم ويخرج بدون ما يأذي صاحبه..

وبعدها بتبدأ الدبايح والولايم عشان الناس ياكلوا ويشربوا، وهنا بس تظهر العرافة، الست حُسنية، وكانت بتمنع أي حد يسألها أو يمشي وراها، هي كانت بتتمشى في البلد وتفضل تبص على البيوت، والبيت اللي يعجبها أو تشوف إنها تقدر تساعد أهله بتدخله وتتكلم مع أصحابه شوية وبعدين تاخد حاجة غالية من البيت وتمشي..

وبدأ المولد في الفترة دي يقرب شوية بشوية، والناس بدأوا يستعدوا في بلدنا على قدمٍ وساق، وبدأ المولد وبدأت أحداثه المثيرة لكل الناس بلا استثناء، دبايح وزفة وأكل وولايم، وبعدها بدأت تنزل الست حُسنية وتتمشى في البلد، بعض الناس كانوا بيقولوا عنها من الجن، عشان بعد المولد كانت بتختفي تمامًا ومحدش بيعرف هي بتروح فين من الأساس.. ومن الصُدف الغريبة إنها وقفت قدام البيت بتاعنا، وبدون مقدمات خبطت علينا وفتحت أختي الباب عشان تتصدم بيها، وسمعت أختي بتصرخ وبتنادي عليا أنا وأمي وبتقول:

ـ الست حُسنية عندنا.. قمنا من قدام الفُرن لأننا كنا بنخبز عيش وجرينا على تحت ولقينا حُسنية جوه البيت بتاعنا ومعاها شوية ودع في إيديها وعمالة تتفحص البيت بعنيها، سلمت عليها أمي بإجلال واحترام كبير وأختي جريت عشان تضايفها بس هي رفضت حتى تشرب المية، وبصت ناحيتي بصة طويلة أوي وقالت: ـ أنتي هتتجوزي واحد من أعيان البلد، الخير هيجيلك في الأيام اللي جاية دي بس لازم تضحي بحاجة غالية عشانه..

أمي وأختي شهقوا من المفاجأة وأنا مبقتش عارفة أتلم على أعصابي، ابتسمت بفرحة كبيرة وقلعت السلسلة الدهب اللي كنت واخداها من جدتي واللي تساوي مبلغ كبير وادتهالها، بصت للسلسلة بصة طويلة وقالت: ـ هجيلك بكرة وأطلب منك حاجة محدش يعرفها غيرك، تعمليها وتستني الخير اللي هيجيكي..

وسابت البيت ومشيت، ومقدرتش وقتها أتلم على أعصابي إطلاقًا، وقعدت أتخيل الخير الكبير اللي هيجيلي، أكيد عريس غني وهيعيشني في بيت كبير وهشوف العز من صغري بعيد عن فقر أبويا وأمي، عشت طول الليل في عالم كامل من الخيال، كنت عاملة زي البنت الصغيرة اللي بتتخيل نفسها سندريلا وهتقابل الأمير اللي هينقذها من حياتها البائسة..

تاني يوم صحيت بدري أوي وفضلت قاعدة مستنية حُسنية بفارغ الصبر، مستنياها وحاسة بفرحة العيد اللي جاي عشاني أنا لوحدي، وعلى بعد العصر خبط الباب من تاني وجريت زي المجنونة عشان أفتح، ولقتها هي حُسنية، دخلت البيت وطلبتني لوحدي في الأوضة، وطلبت مني أكشف شعري قدامها..

وراحت خدت خصلة صغيرة من شعري وطلبت مني أغمض عنيا، وبعد دقايق لقتها ماسكة في إيديها قماشة مبرومة ومربوطة بخيط، ووصفتلي نخلة بعينها في غيط واحد جارنا بينا وبينها تقريبًا نصف ساعة مشي، وادتني في إيدي كشاف صغير قالتلي أول ما أجي قدام النخلة دي الكشاف هينور عشان اتأكد إنها هي، وقالتلي أربط الخيط ده على جريدة من جريد النخلة وأرجع بيتنا تاني، بشرط محدش من أهلي يعرف إطلاقًا..

وفعلًا خدت منها اللفافة المبرومة دي وأنا في قمة الحيرة، خايفة ومتوترة ومش عارفة أنا هروح الغيط دي بصفتي أيه، ولو حد شافني هيقول أيه، بس مكنش فيه حل غير إني أروحها، وبدأت أخطط لليوم اللي هروح أعلق فيه اللفافة بالخيط على جريدة النخلة، وطبعًا لما أمي وأختي حاولوا يعرفوا أحنا قولنا أيه في الأوضة لوحدنا رفضت أقول وقولتلهم إن دي تعليمات الست، وهما لما عرفوا كدا سكتوا خالص..

واستنيت تلت أيام لحد ما بدأنا نخبز مرة تانية، ويوم الخبيز ده بالليل بننام زي الأموات من كتر التعب اللي بنشوفه طول النهار، خلصنا على آخر النهار وكنت بحاول أتباطأ في شغلي معاهم عشان مهلكش نفسي لأن لسة معايا مشوار طويل، وعلى الساعة عشرة بالليل كانت أمي وأختي ناموا وأبويا طلع يسقي الأرض..

اتلفيت في السواد وطلعت من البيت وأنا بتلفت يمين وشمال زي الحرامية، مشيت في البلد اللي كانت في سكون تام لحد ما وصلت للطريق الزراعي، وبحُكم إني كنت بروح الأرض مع أبويا وأنا صغيرة فكان سهل أعرف الأرض اللي اتوصفتلي بسهولة، بس المشي وسط الغيطان مُرعب بالليل، خاصة وأنت حرفيًا مش شايف قدامك ورجلك عمالة تغرز في الطين، وصوت الديابة عمال يوصلني من الجبل فوق ويزود من رعشة جسمي..

ووسط خوفي الكبير ده بدأت أحس إن فيه حد بيحدف عليا طوب، بل وكنت بسمع صوت ارتطام الطوب في الأرض، حسيت بخوف أكبر وقلبي بدأ يدق أكتر، سرعت في خطواتي ووقفت ورا نخلة واستخبيت وكتمت أنفاسي خالص، شوية والدنيا هديت وخرجت وكملت مشي.. نص ساعة من الخوف والقلق والتوتر لحد ما وصلت للأرض المقصودة، والسيء في الموضوع إنها كانت مسقية من وقت قريب، يعني عشان تمشي وتدخل فيها هتغرز لحد ما هدومك هتشرب الطين، بس فكرت إني لو خلصت بسرعة هلحق أرجع وأغسل هدومي من الطين ومحدش هيحس بحاجة..

هي قالتلي الأرض فيها صف نخل على اليمين، هعد ١٢ نخلة والنخلة المقصودة هي رقم ١٣، وفعلًا بدأت أمشي في الوحل بصعوبة شديدة، كنت ببذل مجهود خرافي لحد ما بدأت أحس إني هتدفن من كتر ثقل الطين اللي كنت بغرز فيه، وبعد مجهود جبار وصلت للنخلة المقصودة..

وقبل ما أخد أنفاسي وعلى ضوء القمر شوفت واحد لابس عمة بيضا وجلابية بيضا وواقف قدام النخلة ومديني ضهره، حسيت برعب من إنه يكون من أهل البلد ويعرفني، بس اللي طمني إني كنت مغطية وشي كويس، بصيت ناحيته بخوف، كان واقف ثابت تمامًا، والغريب إن الجلابية البيضا مكنش عليها أي أثر للطين وكانت بتلمع وسط الضلمة..

قربت من النخلة وأنا بدعي ربنا ميبصش ناحيتي، طلعت الكشاف لقيته بينور لوحده، بصيت للنخلة اللي كانت قصيرة ومسكت طرف جريدة وبدأت أربط الخيط فيها، بس اللي لاحظته إن النخلة كلها تقريبًا متعلق عليها حاجات زي اللي أنا هعلقها دي، كل جريدة وكل حتة في النخلة ملزوق أو مربوط فيها حاجة، وقبل ما أخلص سمعته بيتكلم بصوت طفل صغير وبيقول: ـ أيه اللي جابك هنا؟؟ اتنفضت مكاني وقولتله: ـ جاية ألبي طلب الست حُسنية.. ـ طيب واللي يجي يعمل مصيبة زي دي يجي بالليل ولا بالنهار..

اترعشت أكتر وقلت: ـ بالليل عشان محدش يشوفه.. ـ يعني خايفة من الناس ومش خايفة من الخُدام؟! حسيت وقتها بحرارة غريبة في المكان، اترعشت أكتر وقولتله: ـ أنت مين؟! ـ أنا الخادم اللي بينور الكشاف واللي مش حابب يخدم واحدة غبية زيك..

وفي اللحظة دي بص ناحيتي، وشوفت واحد وشه سايح كأنه طالع من قلب الزيت، جلده كله مشوه وعين من الاتنين ممسوحة تمامًا، وشوفت شفايفه مشقوقة بالطول لحد عنيه، صرخت صرخة زلزلت كياني، وجريت وسط الوحل، بس الجري كان بيخليني أغرز أكتر، ونزلت لحد ركبي في الوحل، حاولت أتحرك بس كانت الحركة أصعب وأصعب، حاولت من تاني بس جسمي كله شبه غرز ومبقتش عارفة أتحرك إطلاقًا.. سمعته بيتكلم وهو بيقرب مني وبيقول: ـ لو عاوزة تتجوزي فأنا ممكن اتجوزك بس مش هنا..

بصتله بفزع عشان يبتسم ويكمل: ـ هتجوزك تحت.. وحسيت بحاجة بتشدني في قلب الوحل لتحت الأرض، فضلت أصرخ بهيستريا وأنا جسمي بينزل فعلًا، غرزت لحد صدري تقريبًا وبقا طعم الطين في بقي وعلى وشي، الحاجة اللي كانت بتشدني كانت قوية أوي، صرخت أكتر وأكتر لحد ما سمعت صوت قوي جاي من بعيد بيقول: ـ كين بيصرخ هناك؟! في اللحظة دي بس اختفى القزم ده واتحررت من القبضة اللي بتشدني، ناديت عليه واترجيته يخرجني من اللي أنا فيه ده، وفعلًا دخل بالحمار بتاعه وقدر يطلعني وركبني وراه على ضهر الحمار واتحرك فورًا..

كنت راكبة وراه وعمالة اتنفض وأبكي بفزع، شعري كان واقف وقلبي بيدق بعنف، فضل يهدي فيا وطلب مني أحكيله اللي حصل، وبصوت متوتر بيترعش حكتله الحكاية كلها.. والغريب إنه بدأ يقولي كلام عجيب أوي، قالي إن الست دي مجرد ساحرة زيها زي كل بتوع الزفة والموالد، وإنها بتمارس الخداع بس بطريقة مختلفة شوية.. بما إن كل الناس بيثقوا في كلامها فكل اللي بتعمله إنها تعرف أخبار أهل البلد وتوفق ما بينهم وتكسب الفلوس، يعني عيلتين متخانقين، تروح هنا وهنا وتقول لده ولده إنهم هيتصالحوا، وفعلًا يتصالحوا ويفتكروا إنها اللي جلبت الخير في حين اقنها أوهمتهم بس يعملوا اللي هي عاوزاه..

تنزل على بيت بنت فقيرة وتاخد منهم حاجة غالية وتوعدها بجوازة عليها القيمة، وتروح تاني لبيت حد من الأغنياء وتوعده بخير كبير على إيد بنت فقيرة هيتجوزها وتاخد حاجة من أتره، وترجع للبنت الفقيرة بالأتر والحجاب وتطلب منها تعلقه على النخلة والولد المسحور يروح يتجوزها، وهي تفتكر إن الست جابتلها الخير وهو يفتكر نفس الكلام.. الموضوع كله ألاعيب سحر ووهم وأخبار بتعرفها عن أهل البلد كلهم، في حين إنها حتى مش متمكنة وبتسيب الضحية يواجه الجن تحت النخلة لأنها متقدرش تحميه، وخادم السحر كان هيخ.طفك ورفض يساعدك لولا إني أنقذتك منه في النهاية كان زمانك مش في دنيتنا أصلًا..

كنت مستغربة أوي من كلامه، وسألته بدون مقدمات: ـ أنت مين؟! في اللحظة دي بس وقعت على الأرض واتألمت أوي، بصيت حوليا ملقتش أي حاجة، كأن الراجل اختفى تمامًا، كنت وقتها على أول طريق الغيطان، جريت لحد البيت وأنا بتنفض، وأنا مرعوبة، بس الحادثة دي علمتني كتير أوي أوي، مفيش معجزات ولا عجايب بتحصل في الدنيا غير لما بنلجأ لربنا وندعيله، ده الطريق الوحيد المضمون والحلال واللي مش مؤذي أبدًا..

أما إنك تحاول تاخد حاجة بالسحر أو الحقد أو النصب أو الفهلوة فأنت في النهاية هتتحرق بنار الصفة دي، نار في الدنيا ونار في الآخرة، عشان كدا ربنا دايمًا بيطلب مننا ندعي باللي أحنا عاوزينه وهو وعدنا بالاستجابة بس بحكمته وبالطريقة الأصلح لحياتنا وآخرتنا، أما الدجل والشعوذة فآخرتها دمار رغم إني لحد انهاردة معرفش مين الراجل اللي أنقذني واختفى ده ولكن لعلها دعوة أمي ليل نهار بالستر ليا.. [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] سورة غافر

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى