روايات

هي والشي.طانة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أنا أكتر إنسانة في الدنيا بكره شغلي للأسف وبقا بالنسبالي كابو.س أسود مش قادرة أصحى منه، أنا ممرضة في قسم الولادة ويوميًا عايشة جمب صرخات الستات إللي بتولد، صرخاتهم إللي بتعمل خلل نفسي رهيب جوايا، أنا إنسانة بعشق الهدوء، وبكره الصوت العالي تمامًا، فما بالك بصراخ واحدة ست بتولد.. بتحس وقتها إنها بتتحر.ق بالنا.ر مش مجرد ولادة، ومع الأيام وتورطي في الشغل كرهته من قلبي واتمنيت إني أسيبه انهاردة قبل بكرة، بس إني أسيب شغلي معناه جوع مالوش أول من آخر، مفيش واحدة مش متجوزة وعدت الثلاثين ممكن تسيب شغلها بالسهولة دي..

ده غير إن المرتب يادوب بيكفي، ولو سبت الشغل وعقبال ما ألاقي شغل تاني هتطرد من الشقة إللي مأجراها، أنا وحيدة بطريقة تخوف في الدنيا دي للأسف، وكملت شغلي وأنا مضطرة إني أكمله لحد ما اتفاجئت في مرة بواحدة زميلتي بتناديني وبتقولي إن فيه حد عاوزني تحت، استغربت أوي من كلامها لأن محدش يعرفني من أهل المنطقة عشان يطلبني..

نزلت معاها لقيت واحدة ست لابسة أسود، معرفش ليه أول ما شوفتها قلبي اتقبض وحسيت وكأني واقفة قدام ملك المو.ت، نظراتها مُخيفة وكأن عندها شخصية تسيطر بيها على بلد، لقيت زميلتي بتعرفني عليها وبتقول إن الست دي اسمها (الحاجة مليكة) وهتطلب مني حاجة ومينفعش أرفض مهما حصل، وسابتني ومشيت.. وقفت قدام الست بحاول أتمالك أعصابي لقتها بتسألني عن طبيعة شغلي، قولتلها إن مسؤولة عن الولادة، سألتني يعني أيه، استغربت السؤال وقولتلها بانفعال يعني بسحب الولد من بطن أمه عشان يخرج للدنيا، سألتني من تاني ولما بيتسحب بيخرج ومعاه أيه، قولتلها مية بتكون متخزنة في الرحم..

بصتلي في عنيا بقوة لدرجة إني حسيت إن فيه كهربا بتجري في جسمي كله وكملت سؤالها وقالت: ـ وأيه كمان بينزل مع الطفل؟؟ رديت بخوف أكبر وقولت: ـ الحبل السُري والمشيمة.. لقتها ابتسمت وطبطبت عليا وقالت: ـ جدعة، أنا بقا هاخد منك المشيمة والحبل السُري دول بألف جنيه، وهاخد أي كمية تخرج يوميًا.. جسمي اتنفض من الطلب وسألتها بكل تلقائية: ـ ليه تاخدي حاجة زي دي؟! ـ مش شغلك، وتبعتي الحاجة مع زميلتك إللي كانت معانا وهتلاقي معاها الفلوس أول بأول..

كان اختبار كبير، وحقيقي مكنتش عارفة هي هتاخدهم ليه، وبصراحة كلمة ألف جنيه مخلتنيش أسأل كتير، أنا بخلص يمكن تلت حالات ولادة يوميًا، يعني أكتر من ألفين جنيه كل يوم، مبلغ ولا في الأحلام، وطبعًا أقدر أخد الحبل السُري والمشيمة بدون ما حد يلاحظ، أنا الكل في الكل جوة قسم الولادة..

وفعلًا بدأت شغل معاها يوم بعد يوم، آخر اليوم أوصل كيس أسود فيه المطلوب لصاحبتي والغريب إن المبلغ بيكون جاهز معاها، ألف أو اتنين أو تلاتة، وبدأت أحب صوت صراخ الستات إللي بتولد بعد ما كنت بكرهه، لأن كل صرخة معناها ألف جنيه، وبدأ شعور الأمان يكبر جوايا أنا ممكن خلال سنتين بس أشتري شقة محترمة وأترحم من الإيجار للأبد وكمان أفتح حساب في البنك، وعشت الأحلام لمدة تلت شهور كاملين..

لحد ما فوجئت في مرة بتحقيق من إدارة المستشفى، سألوني عن مخلفات الولادة بتروح فين، قولتلهم بخوف طبعًا بتروح لعامل النضافة يتخلص منها كالعادة، سألوا العامل فنفى إنه بقاله تلت شهور بياخد مني مُخلفات.. وبدأ الخوف يكبر في قلبي لحد ما واجهوني بفيديو من كاميرا مراقبة، وظهرت فيه وأنا بسرق الحاجات دي، ومدير المستشفى قالي منعًا للحبس والشرطة والبلبلة أنا هطردك بدون أي مُستحقات وهوصي عليكي مفيش مستشفى في مصر هتعينك، مش عايز أشوف وشك تاني هنا..

ومشيت، مشيت وأنا مقهورة وشايفة نظرات زميلتي في القسم إللي كانت عاملة بريئة وهي السبب في كل ده، كانت نظرات كلها شماتة، وجريت على زميلتي إللي كانت بتاخد مني الحاجة، سألتها على بيت الحاجة مليكة، هي بس إللي جت في بالي، روحتلها البيت وحكتلها كل إللي حصل وطلبت منها تساعدني أنا كدا همو.ت من الجوع، بس المُخيف إن بيتها كان غريب بكل الأشكال، ريحته، شكله، لون الحيطان..

وقالتلي إنها شغالة في السحر، وممكن تشغلني معاها بس أسمع الكلام بدون أي نقاش، كان تاني اختبار ليا بس الخوف وعدم فَهم كلمة الرزق خلوني أوافق، وعرفت فعلًا إن الست تقدر تعمل حاجات كتير أوي، كانت بتستخدم المشيمة في سحر معين لفتح حظوظ البنات للجواز، وكانت بتعالج أمراض مستعصية بطرق غريبة بشرط وجود حبل سُري..

وموافقتها على شغلي معاها لأنها أعلنت إن معاها ممرضة بتولد في البيوت، وبقيت بروح أولد حالات في البيت وطبعًا كنت باخد المشيمة والحبل السُري، وبعد ما كنت خبرة في الولادة بقيت خبرة في أمور السحر، وطلبت من الحاجة مليكة أكتر من حاجة وعملتهم، طلبت منها تنتقملي من زميلتي اللي بلغت عني وبعد أسبوع عرفت إنها عملت حادثة كبيرة، طلبت منها إني أتجوز وفعلًا بدأ العرسان يجوا من كل مكان عشاني..

ولما لقتها بتقدر تعمل كل حاجة بقيت بسمع كلامها وأنا مغمضة، كنت بعمل طقوس معينة في الولادة، كنت بغرق الست إللي بتولد مية مسحورة وأنا بولدها بأوامر من مليكة، عشان الست دي تجلنا بعد كدا وتبقا زبونة، كنت بسحر الطفل وهو نازل من بطن أمه عن طريق رسمة معينة بتتحفر على ضهره، كانت فيه حاجات استحالة العقل يصدق إنها موجودة كنت بعملها..

لحد ما فعلًا اتخطبت واتجوزت، بس كان لازم أفضل مع مليكة مسبهاش، أبقا زي ضلها، وبدأت أعيش حلم الأمومة إللي اتحرمت منه سنين طويلة، وفعلًا حملت وخلفت، وبعد الولادة بيوم واحد سألتني مليكة عن المشيمة والحبل السُري بتوع ابني، وأنا كنت خبتهم تمامًا، اترعبت من فكرة إن ابني ممكن يتأذي بسببهم، ولما عرفت طلبتهم مني وهددتني يا إما أجبهم يا إما هتقلب عليا، دول بالأخص سعرهم غالي أوي..

وروحت عشان أجيبهم وعرفت إن جوزي دفنهم ومبقاش فاكر مكانهم فين، اتمسح من ذاكرته المكان بالتحديد، وطلبت من مليكة العفو وإننا فعلًا مش لاقيينهم، والغريب إنها سكتت، متكلمتش بنص كلمة، وكل إللي قالته إني لازم أحصن ابني وطلبت مني أجيبه تشوفه، وطبعًا كان استحالة أرفضلها طلب.. شافت ابني وشربته مية قالتلي إنها مية للتحصين وشربتني من نفس المية، كنت مرعوبة أقولها لا، وتاني يوم ابني لون جلده كله بقا أزرق، جريت على مليكة قالتلي علاجه مش عندي، جريت على المستشفى اتقال إن عنده مرض غريب واتحط في الرعاية وكلها ١٢ ساعة ومات..

قلبي وقتها اتشق نصين، جريت على مليكة وبلغتها بالخبر واتهمتها بقتله، واعترفتلي إنها فعلًا إللي قتلته، لأن وجوده هيخليني أشتغل بكسل لأني هبقا مشغولة، ولما سألتها بصراخ: ـ ليه سبتيني أحمل وأخلف ليه؟! قالتلي إنها كانت مراهنة على المشيمة بتاعتي بالأخص وإنها كانت هتساعدها في سحر معين وأنا إللي بدأت بسوء النية وخبتها منها، وقتها كنت همو.تها بس مقدرتش، كنت لسة مخلفة وتعبانة وهي رغم سنها كانت بقوة ١٠ رجالة، حلفت ما هكمل شغل معاها، أنا ابني مات بسببها..

وبعد أيام تعبت وعملت أشعة واتقالي عندي ورم خبيث في الرحم ولازم عملية استئصال، ودخلت العمليات وأنا بصرخ زي المجنونة، ابني مات وحلم الأمومة انتهى، شالوا الرحم وجوزي طلقني قبل العملية لأني خلاص مبقاش مني فايدة ومليكة طردتني من الشغل ومفيش مستشفى هتشغلني ولا حد هيطلبني تاني.. وقبل ما أعمل اللي خلاص قررت أعمله فكرت أعمل حاجة واحدة، أحكي قصتي للناس، وأقولهم أنا كانت نهايتي عاملة ازاي لأني جريت ورا الفلوس، الفلوس اللي كانت جاية من سكة حرام، وزي ما عملت في الناس اتعمل فيا، قبل ما أنهي حياتي حبيت أقول كلمتين بس..

كل مكان بتشتغل فيه هتلاقي مصدر تقدر تزود بيه فلوسك بس هتكون من حرام، هتلاقي ناس بتقبل وناس لا، تأكد تمامًا إللي هيقبل هيكون بيحر.ق نفسه بالنار وإللي مش هيقبل هو إللي هيفوز، دي نصيحة واحدة مي.تة، سلام.. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) سورة النساء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى