روايات

الأخ الأصغر للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أخويا الصغير رجع انهاردة من برا ودخل الأوضة بتاعته وقفل عليه الباب لحد بالليل تقريبًا، ودي كانت أول مرة يعمل حاجة زي دي، لحد ما لاحظت ده ودخلت عليه الأوضة لقيته قاعد في الضلمة وعمال يكلم نفسه بطريقة غريبة، لدرجة إني لأول مرة جسمي يقشعر وأحس بالخوف منه..

سألته عن سبب قعدته في الضلمة بالطريقة دي لقيته بيحكيلي عن الراجل العجوز اللي شافه انهاردة واتكلم معاه وفضل يحكيله عن حاجات كتير، كلامه أشعل الفضول جوايا وده لأني عارفة إن أخويا مش صغير وبيعرف يميز ما بين الحقيقة والخيال، وطلبت منه إنه يحكيلي عن الراجل العجوز اللي شافه ده وأيه اللي اتكلموا عنه.. قالي إنه راح يلعب مع العيال أصحابه كالعادة جنب المقابــ,,ـــــبر بتاعتنا، ولما دخل يستخبى لقى راجل عجوز واقف وراه، الراجل كان كبير أوي وكأنه عدى ال ١٠٠ سنة، عنيه شبه بيضا وعنده تجاعيد كتير أوي في وشه وماسك عكاز لونه أسود، الراجل في الوقت ده قاله:

ـ تعالى يا يوسف.. أخويا بيقول إنه مكنش يقدر يهرب ولا فكر إنه يهرب حتى، الراجل خده ودخلوا جوة المقابــ,,ـــــبر لحد القبــ,,ـــــر القديم المهدود، وبدأ يقوله إن اسمه (حارس) وإنه من سكان الأرض التانية وإنه بيخرج من وقت للتاني عشان ياخد ناس يعيشوا معاه في الأرض التانية وإنه مش بيختار أي حد..

وحكى إن الأرض التانية دي مختلفة تمامًا عن الأرض بتاعتنا وفيها أكل وشرب مختلف، وكل اللي بيسكنوها مختلفين، منهم اللي بيطير واللي بيزحف، أشكالهم مختلفة وكلامهم مختلف، وان اللي بيعيش معاهم بيكسب فلوس وكنوز كتير أوي، وعرض على أخويا يروح معاه بس أخويا قاله أنا اتأخرت ولازم أروح دلوقتي وممكن نتقابل مرة تانية.. معرفش ليه قلبي كان هيخرج من مكانه لما سمعت حكي يوسف وقولتله إنه كان بيتخيل وميخرجش يلعب في المكان ده تاني أبدًا، خرجت من أوضته وفكرت أحكي لأمي بس محبتش أقلقها لأنها بتؤمن بالمواضيع دي بطريقة كبيرة، وقررت أتناسى اللي حصل وأقول إنه مجرد خيال طفل وبس..

لكن للأسف مكنش خيال طفل لأن أخويا فضل يومين قافل على نفسه، وفي اليوم التالت أخويا خرج ومرجعش لحد الساعة ٩ بالليل، دورت على أخويا ملقتوش، سألت أمي عليه اللي قلقت وخرجت تسأل عليه أطفال الجيران، وكلهم قالوا إنهم كانوا بيلعبوا استغماية ويوسف دخل يستخبى في المقابــ,,ـــــبر ومخرجش من وقتها، والكلام ده كان العصر..

أمي من الرعب بدأت تصرخ والجيران خرجوا والكل بدأ يدور عليه، قلبنا عليه البلد كلها ونادينا عليه في ميكروفونات المساجد وحتى بلغنا القسم، لكن يوسف كان اختفى تمامًا، اختفى بدون أي أثر، وقعدنا ليلتها هنمــ,,ـــــوت من القلق لدرجة إن أمي فضلت تاخد في مهدئات لحد الصبح، ويوسف فضل مختفي، محدش قادر يلاقي له أي أثر .. ٣ أيام بندور عليه والموضوع انتشر وأهل البلاد التانية ساعدونا بس محدش قدر يلاقيه، لحد ما في اليوم الرابع لقينا راجل جاي يجري وكان هيكسر باب بيتنا، وأول ما فتحنا قال إنه شاف يوسف في المقابــ,,ـــــبر وبيلعب هناك..

خرجنا نجري أنا وأمي وكل واحد دخل مكان وبدأنا ننادي على يوسف أخويا، في الوقت ده كنت تعمقت أوي جوة لحد ما وصلت عند القبــ,,ـــــر القديم، ومن قلب القبــ,,ـــــر سمعت صوت أخويا، كان بينادي عليا بخوف كبير.. قربت من القبــ,,ـــــر وناديت عليه وسمعته بيقول: ـ أنا خايف أوي وعايز أرجعلكم.. نورت الموبايل وبصيت جوة القبــ,,ـــــر وحوليه بس مكنش له أي أثر، مجرد صوت مش أكتر، فضلت أدور حولين القبــ,,ـــــر زي المجنونة بس مفيش حاجة، مجرد صوت سمعته واختفى..

رجعنا أنا وأمي في النهاية وأنا حاسة بصداع رهيب وقلق ملوش حدود، ومقدرتش أحكي لأمي لأني مكنتش عارفة هحكي وأقولها إيه أصلًا، بس الموضوع منتهاش عند كدا، لأن أكتر من حد جالنا وقال إنه شاف أخويا في المقابــ,,ـــــبر، لدرجة إننا بقينا كل يوم بنروح نلف هناك زي المجانين ننادي على أخويا يوسف لعل وعسى يرجع.. لحد ما نمت في ليلة وشوفته، كان محبوس جوة حفرة من طين وغارز في الطين ومش عارف يطلع منها، وقالي إنه خايف وعايز يرجع بأي طريقة، ولما سألته عن اللي وداه المكان ده لقيته بيقولي كلمة غريبة أوي قالي:

ـ أمك السبب.. قال الكلمة من هنا وأنا صحيت من نومي، قلبي كان بيدق وحاسة إن عقلي هيطير مني، أمي حالتها كانت بتسوء أكتر وأكتر لحد ما قررت أفاتحها في الكلام وأحكي معاها، ولأول مرة أحكيلها عن كل حاجة، حكتلها عن اللي يوسف حكاه عن الراجل العجوز، وحكتلها عن صوته اللي سمعته من القبــ,,ـــــر القديم، وكمان حكيت الحلم الغريب اللي شوفته.. الغريب إن أمي شردت بنظرها ومنطقتش بنص كلمة، وكأنها عارفة حاجة أنا مش عارفاها، حاولت أعرف منها أي حاجة بس رفضت تتكلم وكل اللي قالته إن يوسف هيرجع مهما حصل..

وتاني يوم بالليل لقيت الباب بيخبط، فتحت الباب لقيت يوسف أخويا واقف قدامي، كانت هدومه كلها طين وجسمه نحيف وعمال يتنفض، ناديت على أمي بأعلى صوت وخدته بسرعة على الحمام نضفته ولبسته هدوم نضيفة وحاولت أتكلم معاه بس كان رافض النطق تمامًا.. وبدأت ألاحظ إن أمي مش في البيت، أكيد بتدور عليه كالعادة في المقابــ,,ـــــبر، استنيت إنها ترجع لحد نص الليل بس مرجعتش، لحد ما بدأت أحس بالخوف الشديد وقررت ألبس وأروحلها، وفعلًا لبست وقبل ما أخرج من الباب سمعت يوسف بيتكلم وبيقول:

ـ متروحيش لأنها مش هترجع تاني أبدًا.. كلامه زود خوفي وحاولت أخرج منعني وبدأ يصرخ فيا ويقول: ـ لو خرجتي مش هترجعي أنتي كمان.. وقتها بس قعدت مكاني ومقدرتش أخرج أبدًا، فضلت مكاني لحد الصبح على أمل إن أمي ترجع بس أمي مرجعتش، مرجعتش إطلاقًا، وهددت يوسف إنه يقولي اللي يعرفه وإلا هخرج، وقتها اتكلم وقالي إن الراجل العجوز خدها مكانه وإنها مش هترجع تاني أبدًا مهما حصل وإنها السبب..

أمي كانت بتخاف بطريقة هيستيرية من الحسد، عشان كدا راحت عملت تميمة لأخويا ولبستهاله في رقبته من صغره، الدجال يومها قالها إن التميمة عليها حارس هيحرسه من أي حاجة، بس لازم تيجي كل ست شهور تدفع مبلغ وتجدد طلاسم التميمة.. الفترة دي نسيت تجدد وتدفع، عشان كدا خرج الحارس وخطف أخويا، ولما أمي عرفت وراحت للدجال لقيته مـ ـات، ولما راحت للقبــ,,ـــــر عرفت إنها عشان تاخد أخويا لازم تفديه بنفسها، وفعلًا عملت كدا وأخويا خرج..

الكلام كان مُرعب خلاني أروح لشيخ معرفة وحكتله كل حاجة، وقالي إن ده وارد جدًا جدًا، لأن أمي مكنت الجن من أخويا بسبب اللي عملته، لأنها مشيت في سكة الشيطان، وكان لازم دي تكون النهاية وقالي إني أدعي لأمي لأنها مش هترجع تاني أبدًا وغالبًا هي في تعداد الأموات دلوقتي.. وفعلًا عدى سنتين على الدــ,,ـــــادثة دي وأمي مرجعتش، مرجعتش أبدًا، أمي اللي كانت بتترعب من حاجة اسمها حسد وأذى من الناس، وبدل ما تربي أخويا على قراءة الأذكار والتحصين دخلت في سكة السحر فكانت نهايتها دي..

(من علَّق تميمةً فقد أشركَ) صحيح الجامع بقلم/ أحمد محمود شرقاوي    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى