
أبويا كان واخد قرض من فترة بضمان الشقة بتاعتنا على أساس إن المشروع بتاعه هيمشي وأمورنا هتكون كويسة، لكن وكما هو متوقع خسارة كبيرة حصلتله كعادة كل اللي بياخدوا قروض ولقينا البنك بيدينا مُهلة قليلة جدًا عشان نسيب الشقة ونفضيها، كانت مشكلة كبيرة مش لاقيين ليها حل لدرجة إن أمي اتصلت بأخواتها يساعدونا إننا نلاقي مكان نقعد فيه لكنهم كلهم خذلوها ومحدش سأل فينا..
وأخواتها كانوا بيطالبوها بقسط الجمعية وإنها لازم تدفعه وإلا مش هتقبض، حتى أعمامي كل واحد منهم عمل نفسه ميعرفناش، وكل معارفنا تقريبًا اتبروا مننا وقت المشكلة دي، وقبل ما تنتهي فترة السماح بيومين بس لقيت أبويا بيتصل بيا وبيقولي نجهز حاجتنا لأننا هنروح بيت عمتي في البلد نقعد فيه هناك.. ورغم إني كنت بسمع كلام كتير عن عمتي ومكنتش بحبها إلا إني كنت مضطرة أروح أعيش معاها، أعيش مع الست القعيدة اللي مبتمشيش وعايشة على كرسي متحرك، أبويا طلب مني أنا وأمي ناخد هدومنا في عربية ونسبقه على هناك ننضف البيت لحد ما يرجع من الشغل ويسلم الشقة للبنك ويفضيها..
وفعلًا خدنا المفتاح وروحنا وأنا عمالة أفكر في استقبال عمتي ليا أنا وأمي، أنا البنت المتدلعة بنت المدينة واللي بتلبس زي ما تحب، وهي الست الريفية المتدينة اللي ياما كانت بتزعقلنا وأحنا صغيرين بسبب لبسنا، وفضلت مغمومة ومنتظرة نظراتها وكلماتها لحد ما وصلنا البيت وخبطنا على الباب، مرة واتنين ومحدش بيفتح، لدرجة إني اتمنيت ألاقيها مـ ـيتة جوة..
ولما فتحنا البيت بالمفتاح مكنش ليها أي وجود، كلمنا والدي قالنا لما ييجي هيفهمنا، وفعلًا على آخر اليوم عرفنا إنه جمع العفش وشاله في مخزن قديم وسلم الشقة للبنك، وعرفنا منه إن البيت ده ورثه هو وكان سايب عمتي تعيش فيه، ولما اتزنقنا الزنقة دي بلغها إنه عايز البيت وطلب منها تقعد معانا لكنها ولأنها ست مش نضيفة من جواها مشيت وسابت المكان وراحت تعيش عند ناس قرايبنا..
حسيت وقتها براحة ما بعدها راحة لأني مكنتش متحملة أعيش معاها في مكان واحد، وفعلًا نضفنا البيت اللي كان في الأصل نضيف بطريقة مُبالغ فيها، وكأن فيه ست نشيطة مش مجرد واحدة قعيدة عايشة في البيت، ولأن البيت كانت فيه كل حاجة ومفروش فكنا مش محتاجين ننقل العفش بتاعنا في المكان، ونمنا ليلتها بدون ما نفكر لأننا كنا مُرهقين من التفكير والقلق والتوتر اللي عشناه طول الفترة اللي فاتت..
ومن تاني يوم الفجر بدأ الباب يخبط، وكل ما كنا نفتح نلاقي حد من أهل البلد يسأل على الست (حياة) اللي هي عمتي، ولما يعرف إنها مشيت كان بيتصدم وياخد الحاجة اللي هو جايبها ويمشي واللي مكناش عارفين هي إيه، بس تقريبًا أكل ومستلزمات للبيت، وفضلنا طول اليوم على الحال ده لحد ما نزلنا السوق اشترينا شوية حاجات وبدأنا نجهز الأكل أنا وأمي.. أول مشكلة واجهتنا كانت البوتاجاز اللي كان نضيف زي المراية ومع ذلك مش عايز يشتغل أبدًا، لدرجة إن أمي قالت:
ـ أمال كان بيشتغل مع حياة ازاي.. وقبل ما تكمل كلمتها البوتاجاز اشتغل، حمدنا ربنا وجهزنا الأكل، وبعدها دخلنا نكوي الهدوم، واتفاجئنا إن المكواة مش عايزة تشتغل أبدًا، وأول ما اتكلمت أمي وقالت: ـ ما أكيد مش هتشتغل ما هي حياة المشلولة هتكوي ازاي يعني.. وقتها بس اشتغلت المكواة.. مركزتش في اللي بيحصل لحد ما دخلت الحمام وولعت السخان لكنه كالعادة مشتغلش، وأول ما ناديت على أمي بهزار وقولتله: ـ ما هو أكيد مش شغال هيشتغل ازاي مع واحدة مشلولة اسمها حياة..
لقيته في نفس اللحظة نور واشتغل، وقتها حسيت بخوف وتوتر كبير، عمتي أنا بسمع عنها كلام كتير أوي، وإنها ست غريبة وبتحصل معاها حاجات غريبة عشان كدا الكل قاطعها ومحدش بقا بيزورها أو بيقرب منها.. ولاحظت أنا وأمي حاجة غريبة أوي، كل حاجة في البيت بلا استثناء مش شغالة، كل حاجة، ولو قولت اسم (حياة) بتشتغل، البوتجاز، الغسالة، التلاجة، المكواة، حتى التلفزيون، ورغم إن الموضوع مُخيف إلا إن أمي طلبت مني مكلمش أبويا في حاجة لأن مفيش مكان تاني متاح غير هنا، وطالما ده بيت أبويا يبقا مش هنسيبه مهما كان فيه إيه..
من تاني يوم بدأت ألاحظ حاجات غريبة في البيت، الأكل بياخد وقت كبير أوي على ما يستوي، الهدوم بتخرج من الغسالة مش نضيفة، مهما أكوي بالمكواة الهدوم مبتتفردش أبدًا.. وبدأ الموضوع يتطور لحاجة أغرب لما صحيت من النوم على صوت ضعيف أوي، حاولت أركز في الضلمة لحد ما فهمت إنه صوت قرآن، وكأن حد بيصلي قيام الليل، رغم إني ولا أمي ولا أبويا حد فيهم بيصلي الفروض من الأساس..
فضلت مكاني لحد ما الصوت هدي شوية، لقيت مكالمة من واحد أعرفه من الكلية كان بينا عـ,ـلاقة عاطفية محدش يعرف عنها حاجة، اتصلت بيه واتكلمنا شوية عشان أفصل عن الأحداث الغريبة اللي بتحصل دي.. وأثناء ما كنا بنتكلم سمعت صوت حاجة بتتكسر بعنف شديد، انتبهت على الصوت ونطيت مكاني من الخوف، بصيت قدام الأوضة ولمحت في ثانية واحدة ست بتجري من قدام الأوضة بتاعتي، قعدت مكاني زي المشلولة وقفلت المكالمة وفضلت خايفة لحد الصبح..
لما صحيت لقيت أمي منامتش وشكلها غريب، وعرفت منها إنها بتسمع أصوات وبتشوف حاجات غريبة أوي في الشقة، فاتحنا والدي في الموضوع زعقلنا وقال منتكلمش عن التخاريف دي أبدًا ونعيش وإلا هنعيش في الشارع..
واللي زود الطين بلة هو لما كنا نخرج، كنا نشوف نظرات كراهية من أهل المكان، غمز ولمز ونظرات، بياعين كتير بقوا يرفضوا يبيعوا لينا وبقينا بنمشي لآخر البلد عشان حد يرضي يبيع لنا، ولما كنت بروح الكلية مكنتش بسلم من نظرات القرف ناحيتي وكلام الستات عليا وعلى لبسي، لحد ما كنت سهرانة في يوم في البلكونة بكلم زميلي ولقيت شاب واقف تحت النخلة، كان بيدخن سيجارة، الغريب إنه كان باصص ناحيتي ومبتسم وماسك فستان كنت نشراه على الحبل وكان واقع، بصتله بخجل لقيته طلب مني أنزل عشان اخده منه..
لبست هدومي بسرعة ونزلت ملقتوش، بصيت يمين وشمال لقيته عدى الكوبري الصغير اللي فوق الترعة وواقف عند الأرض الزراعية، شاورتله ابتسم وشاورلي، روحت ناحيته وأنا مستغربة لحد ما وصلت عنده، في اللحظة دي سمعت زمجرة غريبة، بصيت جنبي لقيت كلب بيزوم بصورة مُخيفة، وقبل ما استوعب لقيت جنبه حوالي ١٠ كلاب، وبدون ذرة تردد هجـ,ـموا عليا، صرخت ووقعت في الأرض وفضلت أضـ,ـربهم وأحاول إني أصرخ لكن صوتهم كان مغطي على كل حاجة، وبمعجزة قدرت أهرب منهم..
هربت وأنا هدومي متقطعة والد م بينزل من أكتر من مكان بسبب وقعتي على الأرض، دخلت البيت وناديت على أمي مرة واتنين ومكنتش بترد عليا، لحد ما دخلت المطبخ لقتها واقفة مرعوبة ودراعها بينزف والخلاط متكـ,ـسر وشغال، صرخت أول ما شوفتها وهي كمان صرخت لما شافتني، وقتها أبويا صحي وخدنا وجرينا على المستشفى، الجروح كانت بسيطة، لكن الجروح النفسية كان مُرعبة، أمي حلفت ما هترجع البيت ده تاني، وحكت إنها شافت ست تخينة أوي في المطبخ بالليل وضـ,ـربتها بالخلاط وهو شغال، وأنا حكيت حكاية الكلاب..
وقتها أبويا ظهرت في عنيه نظرة خوف وحكى إن هو كمان بيشوف حاجات مُخيفة، وقال إن البيت مش بتاعه، ده نصيب عمتي في الميراث، بس بما إن الورق معاه فخده منها بالتهديد وهي مشيت بدون ما تتكلم معاه، وإن الظلم اللي عمله فيها هيدمر حياتنا.. خرجنا وروحنا عليها عند ناس في البلد، أبويا كان واقف قدامها مكسور مش قادر يتكلم، وهي ابتسمت ورجعت معانا على بيتها، معرفش ليه كنت عمالة أعيط بدون سبب، وموقفتش غير لما طبطبت عليا وحـ,ـضنتني..
كان جسمها بيشع نور .مبتسمة، أول ما رجعت سمعنا زغاريد وجالنا كمية أكل وشرب من الجيران غير طبيعية، كلمت ناس معرفة وجابولنا بيت إيجار قريب من بيتها بمبلغ لا يُذكر لأبويا وأمي، وأنا اللي طلبت أقعد معاها يومين، كان نفسي أعتذرلها، أفهم منها اللي حصل، أعرف أيه اللي كان بيحصل ده.. ومن أول يوم سمعت القرآن شغال في البيت ٢٤ ساعة، بتقيم الليل وتصوم بالنهار، بتضايف الناس وتوعظ الستات، كل ده وهي قعيدة، حافظة القرآن زي اسمها وبتدعي ليل نهار للناس والعيال مبيلعبوش غير قدام بيتها من حبهم ليها..
كل الأحداث الغريبة اختفت تمامًا مع رجوعها، واتغيرت على إيديها تمامًا، لبسي بقا أحسن كتير وأسلوبي وحتى عباداتي، حسيت بالتغير بعد فترة بسيطة، بقيت بشوف الاحترام في عيون الناس، بعد ما كنت بتعاكس وأمشي في الطريق متضايقة.. دلوقتي لو خرجت مصلية الفجر ولابسة لبس شرعي بشوف التقدير من كل الناس، العربية بتفضى عشان أركب والسواق بيوسعلي مكان، الناس بتكلمني باحترام، بيعرضوا مساعدتهم كل شوية قبل حتى ما أحتاجها..
عمتي قالتلي إن اللي بيقرب من ربنا الدنيا كلها بتتسـ,ـخر عشانه، واللي بيبعد عن ربه حتى الجماد والطير بيلعنوه، افتكرت بيتنا، لما أبويا دخل علينا ربا، وأمي كانت بتعصي ربنا ومبتصليش، وأنا متبرجة وبكلم شباب، لما خسرنا بيتنا كل الناس اتخلوا عننا، كله احتـ,ـقرنا، في حين عمتي لما سابت بيتها البلد كلها كانت عاوزاها تروح تقعد عندهم، بيتها نفسه كان رافضنا ويمكن مخلوقات تانية رفضتنا لأننا ظلمناها وشوفنا اللي شوفناه، حتى الجماد كان بيحبها، وقتها بس افتكرت مقولة..
قال مجاهد: إن البهائم تلـ,ـعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة، وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




