روايات

قط وحقيبة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

خارج من زحمة المترو وأنا في قمة العصبية والخنقة بسبب التكدس وحالة قلة الفهم اللي بقت عند أغلب الناس ومن جوايا عايز أطلع غضبي في أي حاجة، خاصةً إني رايح أقدم في الوظيفة رقم ٢٠ وأنا على أمل إني ألاقي مرتب كويس يساعدني في حالة صعوبة المعيشة دي، ووسط كل ده لمحتها، شنطة صغيرة محطوطة على مقاعد محطة المترو ومفيش حد جمبها..

قربت منها وفضلت شوية لعل وعسى صاحبة الشنطة ترجع تاخدها بس ده محصلش، لمدة نصف ساعة كاملة ومفيش حد جه ياخدها، ولقيت نفسي هتأخر في النهاية على الوظيفة اللي رايحلها، وخفت لو سلمت الشنطة لحد في المحطة يهملها أو يبقا أصعب إنها ترجع لصاحبتها، وقررت اخدها معايا لحد ما أشوف أنا ممكن ارجعها ازاي، وقبل ما أخرج من المحطة سمعت إن فيه واحدة ست وقعت تحت عجلات المترو من شوية ومـ,ـاتت، دعتلها بالرحمة وخرجت وأنا مهموم أكتر..

وطلعت على مدينة نصر ومنها لأحد العمارات اللي فيها إدارة الشركة اللي رايح أقدم فيها، وبعد انتظار طويل كالعادة دخلت للاتش أر واللي كان قاعد بعنجهية ونظرة غرور تفوق احتمالي، وبدأت الأسئلة الروتينية والمستفزة بزيادة، وبعدها الرد الأخير ـ إن شاء الله هنرد عليك.. لقيت نفسي برد بعصبية كبيرة.. ـ أمتا؟! بص ناحيتي باستغراب وقال: ـ لما نحتاجك معانا.. قمت من مكاني بعصبية أكبر وقلت:

ـ وهتحتاجوني أمتا، أقولك أنا، أنتوا مش هتحتاجوني أصلًا، أنتوا عمالين ترفعوا إعلانات توظيف عشان تحققوا التارجت وتختاروا اللي يعجبكم شكلوا، أما أنا اللي معايا شهادات وكورسات وخبرة بس عشان شكلي راجل عجوز فأنت مش هتحتاجني، ليه بقا تعلق أملي فيكم وتقولي هنبقا نرد، قولي أنت مرفوض وريحني.. كانت صعبانة عليا نفسي أوي، وكنت متوقع منه احتواء، طبطبة، أو حتى كلمة حلوة، بس هو بنفس النظرة والتعالي قال: ـ خلاص يا أ/ محمد أنت مرفوض..

وقتها حسيت بالدموع هتخرج من عنيا، حسيت إني بلا قيمة، بلا هدف، كائن عايش عشان يمـ,ـوت، مش من حقه يحلم، ولا حتى يختار الأكل اللي هياكله، اااااااااه من وجع القلب، مشيت وأنا كنت بتمنى أقـ,ـتله رغم إنه ملوش أي ذنب، هو مش مشرف إجتماعي عشان يحتوي نفسيتي أصلًا، هو مش مطالب يعرف إني عندي ٣٥ سنة ولسة مش قادر على إيجار شقة..

هو مش مطالب يعرف إني اترفضت كعريس أربع مرات بسبب ظروفي المادية، هو مش مطالب يعرف إني وفرت فلوس فطاري انهاردة عشان أقدر أركب مواصلات وأروح أقدم، هو مش مطالب يعرف إني مستلف البدلة اللي لابسها من واحد صاحبي عشان شكلي يبقا مهندم، هو بيشوف شغله، وأنا مليش أي لازمة في الحياة وإن مـ,ـوتي حتى مش هيفرق مع حد..

خرجت من المبنى وأنا بمسح دموعي بالعافية، مشيت في الشارع ببص للناس بنظرة خالية من أي مشاعر، كأني تمثال بدون أي مشاعر، بصيت ناحية عربية الفول اللي قدامي لقيت الجوع بدأ ينهش فيا، مسكت المحفظة ملقتش فيها غير تمن المواصلات اللي تروحني بيتي، وضحكت، ضحكت ضحكة عالية زي المجنون.. أنا مبقتش لاقي أكل حرفيًا، واحد لابس بدلة مش عارف يشتري سندوتش فول، واللي ضحكني أكتر إني لاقيت واحد من المتسولين جاي يقولي: ـ أي حاجة أفطر يا باشا مكلتش من الصبح..

لقيت نفسي بابتسامة قولتله: ـ شوفلنا حد يفطرنا أحنا الاتنين عشان أنا مش معايا غير فلوس المواصلات.. لقيته بص ناحيتي بتعجب وبعدها قال: ـ وماله يا باشا، أنا معايا وتعالى نفطر سوا.. والغريب إنه كان مُصر بل وأقسم عليا أفطر معاه، بس أنا عارف إن الفلوس اللي معاه من التسـ,ـول، يعني فلوس حرام، وأنا لو همـ,ـوت مش هاكل من فلوس حرام، طبطبت عليه بابتسامة وسبته ومشيت، لقيت قدامي دكة قعدت عليها وفضلت أضحك على الواقع الغير مفهوم اللي بقينا عايشين فيه، ووسط الحالة الغريبة دي افتكرت الشنطة الصغيرة اللي أنا لاقتها، كنت حاططها جوة شنطتي الكبيرة..

فتحتها لعل وعسى أستدل على مكان صاحبتها، ومسافة ما فتحتها لقيت مبلغ كبير، تقريبًا أكتر من خمس آلاف جنيه، عرفتهم بطبيعة شغلي القديم كمندوب مبيعات، يعني لو خدت ١٠٠ جنيه هفطر في أحسن مكان وأعتقد ده حقي، شيطاني ضغط عليا، بس مقدرتش، مش هبقا خسران دنيا وآخرة، وبعدين الله أعلم صاحبة الشنطة محتاجة الفلوس دي في أيه..

روحت بيتي وقولت هفتش فيها ولو لقيت بطاقة هروح العنوان أسأل على صاحبتها بكرة، بس لازم أنام دلوقتي بأي شكل وإلا هيجيلي اكتئاب، هربت من نظرات أمي عشان متشوفنيش مكسور كالعادة كل ما أرجع من وظيفة، ودخلت ونمت فورًا هروبًا من أي حالة تفكير، طالما ده وقت النوم يبقا يتحرق العالم كله.. وفي نومي شوفت حلم غريب أوي، شوفت نفسي ماشي في الشارع وماسك راس أسد، والأسـ,ـد عاضض على معصم إيدي بقوة رهيبة ومن المعصم نازل دم كتير أوي، وأنا رغم الوجع فضلت ماسك الراس ومن جوايا بتمنى ألاقي النيل عشان ارميها فيه..

صحيت من النوم قلبي مقبوض وبيدق بطريقة غريبة، ومن مكان المعصم كنت حاسس بتنميل غريب أوي، كانت الساعة تقريبا ١٠ بالليل، قمت اتوضيت وجمعت الصلوات وأنا بستغفر ربنا على نومي ونسياني للصلاة، بعدها فتحت النت وفضلت أتصفح شوية، ورجعت افتكرت الشنطة من تاني، شنطة نسائية صغيرة خالص، فتحتها وقلبت في محتوياتها ملقتش غير الفلوس وبس، طيب هوصلها لصاحبتها ازاي..

لقيت نفسي بنشر كام بوست في جروبات الفيس الخاصة بالمفقودات وكتبت إني لاقيت شنطة فيها مبلغ مالي، اللي هيقول كام هياخدها، وعديت الفلوس لقيتهم ٦ آلاف جنيه، يعني مرتب شهرين من شغلي، ياريتني أقدر اخدهم، بس جوايا ألف حاجة هتمنعني، ربنا يعوضنا في الآخرة بقا.. وبعد ساعتين انهالت عليا رسايل، اللي بيساومني عشان ياخدهم، واللي بيقول رقم غلط، واللي بيضحك عليا بكلام ساذج ـ أنت لقتهم طب قابلني وهاتهم.. أنا مش عارف هما كام بس هاتهم وهديك الحلاوة..

كلام كتير من ده، استغربت إن كل الناس دول مستعدين يتقبلوا الحرام بالسهولة دي، وغصب عني كرهت نفسي، وكرهت ضميري اللي جايبني لورا ده، يارتني زي الناس دول واخد الفلوس وانتهينا، بس مش هعرف للأسف.. وبعد سهر طويل نمت تاني، بس مسافة ما عيني قفلت بدأت أحس بدوخة غريبة، إحساس إن السرير بيدور بيك بسرعة رهيبة، كأنك في لعبة من ألعاب الملاهي، وفي لحظة حسيت بحاجة سودة كأنها كورة من الشعر بتقع عليا، ومسافة ما لمست جسمي اتنفضت مكاني وصحيت، صحيت مخضوض خضة غريبة، ريقي ناشف، وقلبي بيدق، وعرقان من كل مكان في جسمي رغم إن الجو برد أصلًا..

قمت من مكاني جسمي تقيل كأني مضروب بشومة، خرجت من الأوضة ورحت للمطبخ، فتحت التلاجة وطلعت ازازة مية وبدأت أشرب،بس وأنا بشرب لاحظت إن فيه خيال أسود غريب عدى بسرعة من قدامي ودخل الحمام، جسمي كله اترعش من الخضة، قربت من الحمام وفتحت الباب ومديت إيدي بشويش وفتحت النور، ونطيت من مكاني، نطيت لما اللمبة ضـ,ـربت بصوت عالي وباظت..

اتنفست بسرعة وبدأت أبص في الحمام بقلق يمين وشمال على الضوء البسيط اللي جاي من برة، وفي اللحظة دي سمعت صوت احتـ,ـكاك ومواء قط ضعيف أوي، قربت من مصدر الصوت، كان جاي من البلاعة الصغيرة بتاعت الصرف اللي جمب الحوض، قربت منها بشويش وفعلًا شوفت جسم محـ,ـشور في مكان الصرف الصغير، قربت أكتر ووقتها اتضحت كل حاجة قدامي، وحسيت بجسمي كله بياخد صدمة رهيبة خلتني أقع مكاني من المشهد..

كان قط محشور في البلاعة، بس قط وشه مسـ,ـلوخ تمامًا وعنيه جاحظة لبرة بطريقة بشعة، وعنده ناب مكسور بينزل دـ,ـم وناب سليم، وكان بيبص ناحيتي وبيموء بصوت هادي جدًا، دمي كله نشف وحسيت بهبوط حاد لدرجة إني حسيت إن قلبي وقف عن النبض.. زحفت زي المجنون وخرجت برة الحمام وأنا حاسس إني مضروب بخنجر وبمـ,ـوت، زحفت أكتر وأكتر لحد ما وصلت للأوضة بتاعتي وقفلت الباب، ومسافة ما قفلته سمعت صوت خبطة غريبة على الباب من برة، كأن القط عايز يدخل، في اللحظة دي بدأ الرعب الأكبر، صوت خربشة غريب ومواء خشن، مُخيف، مُرعب، لدرجة إني لمحت مقبض الباب بيتحرك وبيتفتح..

قبضت عليه وأنا جسمي كله متفكك من بعضه، مش قادر اتلم على أعصابي، كان فيه حاجة بتزق من برة عشان تدخل وأنا بمنعها بأي طريقة، في النهاية فقدت القدرة والحركة ووقعت في غيبوبة غريبة، غير مفهومة، غيبوبة صحيت منها وأنا حاسس بشلل في جسمي كله، كأنه حالة من حالات الجاثوم، مش قادر أحرك جسمي، ولا حتى صباع من صوابعي، هي عيني بس اللي فتحت..

فتحت عشان أشوف نفس القط قاعد على صدري وبيبصلي بصة كفيلة تحرقني مكاني، عيون أقرب للبشر منها للحيوانات، ووشه زي ما هو مسلوخ ومشوه، وعيون جاحظة وبتسيل منها مادة بيضا أشبه بالصديد، ووسط شلل جسمي وصدمتي لقيته ابتسم، ابتسم كأنه إنسان واعي وفاهم، نزل من على صدري ومشي لحد الدولاب ودخل جواه..

وقتها قدرت أصرخ، قدرت اتنفض مكاني، مسكت سـ,ـكينة من المطبخ ودورت عليه في كل مكان، الدولاب، تحت السرير، الصالة، بس كان اختفى تمامًا، ومن يومها وبقا موجود، موجود في كل مكان، وأسوأ مكان كان بيظهر فيه كان في الحمام، كنت وقتها بمـ,ـوت بالبطئ، وحتى لما فتحت مرة الدولاب لقيته قاعد جوة ومبتسم، لدرجة إني مبقتش برجع بيتنا غير الصبح عشان مشوفوش ولا أشوف الكوابيس..

إحساس بشع أوي ومُخيف، بتحس إنك بتشوف المـ,ـوت كل يوم من غير ما يتمكن منك، لدرجة إنك بقيت بتتمنى تمـ,ـوت وترتاح من الجنان ده، ولقيت نفسي بغرق في القراءة لمدة أسبوع عن أمور الجن والعفاريت، عايز ألاقي حل أو أعرف أيه اللي أنا فيه ده، شعري بدأ يشيب وقلبي يتعبني بطريقة غريبة من كم المفاجآت المُخيفة اللي بقيت بشوفها، في النهاية وبالصدفة لقيت بوست على الفيس مكتوب فيه ذكر الحوقلة، وكان صاحبه بيقول إن الذِكر ده له سر عجيب..

ولقيت نفسي طول اليوم بقول: ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. كنت بقولها برجاء وتعب وحرقة، بقولها وكأن نجاتي من المـ,ـوت فيها، وعلى بالليل ووسط رعبي من تكرار ظهور القط المُخيف ده لقيت الشنطة من تاني جمبي، وجالي إيحاء من تاني إني أدور فيها رغم إن مفيهاش غير مبلغ الفلوس وبس، طلعت الفلوس وبدأت أفتش فيها، بس الغريب إن الشنطة رغم إنها كانت صغيرة بس كان فيها جيب صغير معرفش ازاي أنا مشفتوش من الأساس..

فتحته بسرعة لقيت تليفون صغير من بتوع نوكيا ده، ابتسمت وفرحت أوي لأني كدا أقدر أوصل لصاحب الحاجة بسهولة، بس قبل ما أقلب في الموبايل لفت نظري حاجة صغيرة على هيئة كورة، كانت قماشة مربوطة ومعقودة سبع عُقد تقريبًا، فكتها وأنا مش فاهم ده أبه لحد ما فهمت.. لقيت صورة بنت جميلة وفي ضهر الصورة كمية طلاسم غريبة، وعلى الصورة كانت فيه مادة شبيهة بالتبغ بتاع السجاير والصورة كأنها باهتة بسبب زيت اتدلق عليها، مكنش صعب اتوقع إن ده سحر ومعمول للبنت اللي في الصورة دي..

وغرقت في تفكير عميق أوي، لو صاحبة الشنطة هي اللي عاملة السحر ده فأنا مينفعش ارجعها لصاحبتها، لازم أشوف حد قريبها وابعتهاله وأعرفه اللي صاحبة الشنطة عملته، شحنت الموبايل وفتحته لقيت تلت أرقام متسجلين بس.. أم هدير أم إسراء نعمة أختي اترددت شوية وبعدين ملقتش حل غير إني اتصل بنعمة أختها، رنيت من الموبايل وأنا عمال أفكر هتصرف ازاي، الست ردت عليا مذهولة وهي بتردد: ـ روميثة، أنتي روميثة؟! تمالكت أعصابي واتكلمت وقولت: ـ لا يا فندم أنا لقيت التليفون ده في شنطة وحابب ارجعه لصاحبته..

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله.. استغربت من رد الفعل، وسمعت صوت خشن بيكلمها وبعدين راجل كلمني: ـ السلام عليكم..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى