روايات

خطـ,ـيئة الماضي للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

جدتي قبل ما تمو.ت بأيام كانت بتقف قدام البيت وسط النخل في الليل وتفضل تنادي بصوت عامل زي صوت الحيوانات وتنادي على واحد اسمه (سعيد) صوتها كان كفيل يخلي جسمك كله يفضل يتنفض من الخوف طول الليل، والويل للي كان يحاول يطلع من البيت ويحاول يهديها أو يدخلها البيت مرة تانية، كان وكأنه بيعرض نفسه للمـ ـوت على إيديها.. ومع شروق الشمس كانت تدخل البيت وترجع إنسانة طبيعية تمامًا، تنام شوية وتصحى تاكل وتشرب وتفضل ساكتة مبتعملش أي حاجة لحد ما يجي الليل..

الغالبية قالوا إنها ممسوسة من الجِن، وجابولها شيخ واتنين وعشرة، لكن أغلبهم كان بينتهي بيهم الحال إما مضروبين أو متصاببين إصابات خطيرة لدرجة إنها ك.سرت لواحد منهم مفصل الكتف، ورغم كل دا كانت تحبني ومتعلقة بيا أوي.. كانت بتيجي تقعد معايا في أوضتي وتفضل تحكيلي في حكايات وتتكلم معايا وتواسيني بسبب مـ ـوت أبويا، لحد ما جت الليلة اللي مـ ـاتت فيها، بعد منتصف الليل خرجت من البيت كالعادة وراحت ناحية النخل وبدأت تنادي بأعلى صوت على (سعيد) وحسيت بالخوف من تاني..

ولقيت أمي بتخبط على أوضتي وبتطمن عليا وبعدها راحت تنام وسابت أمها لحد الصبح قدام البيت عادي، ودي كانت المرة الأولى اللي أفتح فيها البلكونة وأبص في الضلمة، من المكان اللي جاي منه الصوت، الصوت اللي كان عبارة عن كلمة واحدة بس (يا سعيد) الاسم اللي مفيش حد في العائلة بتاعتنا كلها متسمي بيه ولا أعرف حد في حياتي اسمه سعيد..

ومع تركيزي وتحديدًا لأن القمر كان بدر قدرت أشوف مشهد عجيب أوي، جدتي كانت قاعدة تحت النخلة، كنت قادرة أميزها من قعدتها، وقدام منها لقيت ضل أو حاجة واقفة مش قادرة أميزها، في اللحظات دي صوت جدتي وقف خالص، ولقيت الحاجة دي بتحط إيدها على راس جدتي اللي بدأت تتهز بعنف وكأنها بتتكهرب لحد ما وقعت مكانها وهي بتشاور ناحيتي، ولقيت الحاجة دي بتبص ناحيتي وعنيها بتنور زي القطط..

قفلت البلكونة وأنا مرعوبة وجريت على أمي، قولتلها تخرج تشوف جدتي لكنها رفضت تمامًا وقالت إنها هترجع الصبح كعادتها، قولتلها إن المرة دي مش هترجع بس مصدقتنيش، وللأسف كان كلامي كله صح، لأن الشمس طلعت وجدتي مرجعتش، لحد ما سمعنا هرج ومرج وعرفنا إنهم لقوا جدتي مـ ـيتة وجسمها متخشب وكأنها شافت الأهوال قبل ما تمـ ـوت..

مشهد جثتها للأسف هيفضل محفور في ذهني العُمر كله ، لحد ما اتدفنت وافتكرنا إن كل حاجة انتهت وهنعيش أنا وأمي في البيت بسلام، بس كانت كلها مجرد أوهام لأن بعد دفنها بليلة واحدة بدأت أسمعها من تاني، بس المرة دي الصوت كان خشن أوي وكأنه صوت راجل مش واحدة ست، وكانت بتنادي المرة دي بس مش على سعيد، كانت بتنادي عليا أنا (يا نسمة).. أول ما سمعتها معرفش ليه حسيت بضيق تنفس شديد وكانت هتجيلي سكتة قلبية، ولما خرجت قولت لأمي اكتشفت إن أنا بس اللي سمعاها وإن مفيش أي حد تاني بيسمعها..

فضلت ليلتها تنادي عليا لحد ما أعصابي انهارت تمامًا وفقدت الوعي، تاني يوم أمي راحت المقابر عشان تزورها وطلبت مني أروح معاها، ورغم خوفي الشديد من كل اللي بيحصل إلا إني روحت معاها في النهاية لأني كنت خايفة عليها، وهناك وأثناء ما أمي كانت بتدعيلها بدأت أسمع صوت همس جاي من كل مكان، همسات كانت كلها بتنادي باسمي أنا..

فضلت أتلفت يمين وشمال لعل وعسى أعرف مصدر الصوت لكني للأسف مقدرتش أحدده، لحد ما لقيت حاجة واقفة عند آخر الحارة وبتشاور ناحيتي، اتحركت ناحيتها وأنا مش قادرة أتحكم في نفسي لحد ما وصلتلها، وهناك لقيت جدتي بنفس الهيئة اللي مـ ـاتت عليها ولقيت قبر مفتوح شكله غريب أوي ومكتوب عليه اسم أبويا، وقبل ما أفهم ده إيه لقتها زقتني جوة القـ ـبر..

صـ ـرخت بأعلى صوت عشان ألاقي نفسي واقعة قدام قبر جدتي وأمي بتحاول تفوقني بأي طريقة، وعرفت منها إني وقعت من طولي بدون أي أسباب، ورجعنا على البيت وبدأت أفكر أحنا ممكن نروح نعيش فين بعد مـ ـوت أبويا، لأن مفيش أي مكان غير هنا، بيت جدتي أم أمي، الست اللي وراها أكبر لغز ممكن إنسان يواجهه في حياته.. واتكرر الموضوع من الليلة التانية للأسف، نفس الصوت ونفس التفاصيل تقريبًا، وكل اللي بتعمله إنها بتنادي عليا، ولما جريت على أوضة أمي اتفاجئت إنها مريضة جدًا وعمالة تهلوس، ووسط الهلوسة الغريبة دي اتفاجئت إنها بتقول:

ـ روحي لجدتك.. كلامها كان غريب ومقدرتش أعتبره مجرد هلوسة، لأنها كررته أكتر من مرة، وبعد تفكير طويل لقيت نفسي بخرج من البيت ومن جنينة البيت ناحية النخل، الأرض الزراعية اللي كلها ظلام ومحاوطة البيت كله، وقدام عنيا لمحت طيف، واحدة ست لابسة زي جدتي بالظبط لكنها مكنتش بتمشي زي البشر، وإنما كانت بتمشي على أطرافها الأربعة زي الحيوانات..

مشيت وراها وأنا حاسة إن دي آخر لحظات في حياتي، لحد ما وصلت لمكان في الأرض دي ولقيت حفرة كبيرة أوي، نطت جواها وحسيت إنها بتكمل حفر من تاني، بصيت عليها ورغم الضلمة بدأت ألمح تابوت، تابوت مدفون وهي بتحاول تكشفه بأي طريقة، وكل اللي سمعته في وداني كانت كلمة (سعيد)..

ووقعت من طولي قدام الحفرة دي، نمت وكأني اتضر.بت بعصاية ضخمة على راسي، وقدام مني بدأت ألمح مشاهد كتير أوي غريبة ومش مفهومة، لحد ما صحيت على ضوء الشمس وكان فيه تلت رجالة بيهزوني بقوة، صحيت لقيت الرجالة واقفين والحفرة موجودة وكمان التابوت اللي اتفاجئنا إن جواه رُفات إنسان مدفون من سنين طويلة..

قولتلهم إني كنت راجعة بالليل وشوفت المشهد وخفت ووقعت مكاني، وهما لأنهم كانوا عارفين أفعال جدتي وجنانها صدقوني، وجه ظابط من النقطة وشاف التابوت وعمل محضر وفي النهاية دفنوا الرفات في مقبرة وخدوا أقوالي واتقفلت القضية، القضية اللي محدش قدر يحل طلاسمها غيري أنا بس من الأحلام اللي شوفتها يومها..

جدتي، اللي فضلت عانـ ـس لسن الـ ٤٠ ومتجوزتش، واللي قت.لت جوز أختها (سعيد) يوم الفرح، ووقفت من بعيد تنادي وكأنها النداهة عشان لما يختفي يتقال إن النداهة نادتله ومـ ـوتته، وفضلت تعاني من اللعنة دي سنين طويلة، لحد ما دجال قالها لازم تطهر بدم راجل تاني من العيلة، ووقع الاختيار على أبويا اللي بعد ما خلفني وبقا من العيلة جدتي اتخلصت منه واستحمت بدمه لعل وعسى لعنة الخوف تنتهي..

لكن للأسف بعد دفن والدي اللعنة زادت أكتر وأكتر لحد ما حصلت الأحداث دي ولحد ما جدتي مـ ـاتت، والرفات اللي لقيناه ده كان رفات (سعيد) الشخص اللي كان هيتجوز أخت جدتي ومـ ـات يوم فرحه.. الحكاية دي أنا حكتها بعد ١٠ سنين من الواقعة وبعد ما خرجت من بلدنا بلا عودة، حكتها عشان أقول للناس إن الظلم ذنب عظيم بتعيش معاه العمر كله، مبتعرفش تتحرر منه أبدًا وبيفضل يطاردك حتى في منامك، وإن اللي شيطانه هيضحك عليه وهيقرر يظلم إنسان تاني ظلم كبير هيكون وكأنه حكم على نفسه بالهلاك، عشان كدا ربنا حذر من الظلم وعاقبته في كتابه الكريم..

[وَلَا تَقْـ.ـتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ] سورة الإسراء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى