
كنت سهران مع واحد صاحبي بالليل بنتكلم شات وبنبعت لبعض ريكوردات، وفي وسط الكلام ما بينا لقيته بيقول ـ أنا سامع صوت طفل بيعيط.. جملة صدمتني، خوفتني، خلتني ابعت ريكورد جديد لصاحبي وأقول فيه.. ـ أنت متأكد من اللي بتقوله؟! مفيش ثواني وجالي ريكورد بيقول فيه: ـ أنت ازاي مش سامع الصوت، الصوت كأنه جمبك..
قفلت التلفون خالص وسبت الشقة ونزلت، في الحقيقة أنا من يوم ما خدت الشقة دي وأنا بسمع صوت طفل بيعيط، والغريب إن أنا في الدور الأخير، والشقة اللي قصادي فاضية، فاضية خالص، الموضوع مخيف، مرعب، أنا لسة صغير عشان اتحمل الرعب ده كله، والأسوأ إن استحالة أعرف ألاقي شقة تانية في الوقت الحالي..
أنا اتطردت من المدينة الجامعية قبل الإمتحانات بأسبوعين بسبب خناقة كبيرة، وبطلوع الروح أصحابي لموا من بعض خمسميت جنيه دفعوها إيجار مقدم لشقة قريبة من الجامعة، ومستحيل اسبها في الوقت الحالي، ومن أول يوم قعدت فيها وبدأت أسمع صوت البكاء، صوت بيجي من كل مكان تقريبًا، قلبت الشقة كلها على الصوت ده بس مكنش فيه حاجة.. أسبوع كامل وأنا في الجنان ده، لحد ما صاحبي انهاردة ببعت له ريكورد لقيته بيقولي إنه سامع صوت طفل، نزلت وفضلت امشي في الشوارع زي التايه، مش عارف ممكن اعمل أيه، اتصلت بأمي كلمتها شوية، وأول ما سمعت صوتي قالتلي
ـ مالك يا مروان؟! ولقيت دموعي بتنزل مني، طول عمرها بتحس بيا حتى من نظرة عيني، صوتي، حاولت اطمنها وأقولها إن صوتي متغير عشان عندي شوية برد، أنا عارف إنها مش هتصدقني، بس صوتها كان مصدر أمان كبير ليا.. طلعت شقتي ودخلت سريري وحاولت أنام، ووسط تفكيري في كل حاجة فتحت عنيا، وشوفت طفل صغير بيزحف على رجليه قدام باب الأوضة، قلبي اتخلع من الخوف واتنفضت من مكاني، وفي لحظة زحف ناحية الصالة ومبقتش شايفه، جسمي كله قشعر وبدأت اترعش زي المجنون، وقفت على رجلي بصعوبة وخرجت للصالة، كان هناك واقف قدام باب الحمام، وأول ما شوفته دخل فورًا للحمام..
الأسوأ إن كان فيه كائن عامل زي فروة الشعر وراه، تكوينه بشري زينا، أسود، عنيه حمرا، شكله بشع، اتحرك فورًا ودخل الحمام مع الطفل، وقعت من طولي مرة واتنين وتلاتة لحد ما قدرت أخرج من الشقة، نزلت تحت تاني وقعدت على قهوة لحد تاني يوم الصبح.. طلعت شقتي الصبح، خدت الكتب ولبست تقريبًا على السلم ونزلت على الكلية، محاضرة واحدة وكنت بنام على نفسي، سبت الكلية ورجعت الشقة، خايف، متوتر، قلقان، فاقد أي إحساس بالأمان..
دخلت السرير وقفلت باب الأوضة وحاولت أنام، والحقيقة إني نمت فورًا، من التعب والخوف، شوفت في نومي طفل صغير بيزحف جوة الأوضة، كان عامل زي الإنسان الآلي، بيزحف حولين السرير زي سمكة القرش، ولقيته طلع على السرير وحط إيده على كتفي وقالي ـ اصحى.. قومت اتنفضت من نومي، جسمي كان ثقيل، عرقان، دايخ، وخايف، وبدأت أسمع صوت البكاء المكتوم، بس الغريب إن الصوت لما ركزت معاه بدأ يقول كلمة وسط البكاء.. الحمام وااااااااء وااااااااء الحمام
صوت البكاء نفسه بدأ يبقا خشن شوية، وأنا بدأت أنهار، خرجت للصالة وشوفت نفس الطفل بيجري علي الحمام وهو بيزحف، غصب عني لقتني بقرب من الحمام، خطوة، خطوة، جسمي بيترعش، قلبي هيقف، حاسس بدوخة وتنميل رهيب، بصيت جوة الحمام ملقتش أي حاجة خالص، الحمدلله أنا بتخيل و… فيه حركة في الحمام، دخلت أبص يمين وشمال، مفيش أي حاجة، بس سامع صوت الحركة، حاولت أركز وأحدد المكان وكانت الكارثة.. البانيو مرفوع عن الأرضية بتاعت الحمام بمقدار بلاطة كاملة، ومتحاوط بأسمنت وبلاط، وده معناه إن فيه فراغ تحت البانيو، وهو ده اللي بتيجي منه الحركة، حطيب وداني على البلاطة دي و
وااااااء اتنفضت ورجعت لورا، خرجت من الحمام مرعوب، حاسس بأنفاسي بتقف، يارب ساعدني.. فضلت أفكر، وأفكر، مش عارف أنا ممكن أعمل أيه، اتصلت بأمي وقولتلها بصوت أقرب للانهيار ـ ادعيلي.. قفلت التلفون ونزلت للجيران تحت، طلبت منهم مسمار حديد ضخم وشاكوش، كانوا ودودين جدًا وعزموا عليا ادخل، بس أنا كنت في حالة صعبة..
خدت المسمار والشاكوش وطلعت، وقفت قدام البانيو خايف، صراع جوايا بين إني أكسر وبين إني أهرب، بس ههرب فين، أنا محطوط في واقع مرير، صعب، وض.ربت أول ض.ربة على البلاطة اللي تحت البانيو، كان وراها فراغ، فكسرها كان سهل، سهل جدًا، واتكسرت من تلت ض.ربات، كملت وكسرت ست بلاطات كان متثبت عليهم البانيو، لحد ما اتكسروا، وبعزم ما عندي رفعت البانيو الصغير وبعدته من مكانه.. وكانت المصيبة..
هيكل عظمي لطفل مدفون تحت البانيو، فضلت أبصله وجسمي عمال يتنفض، نزلت جري لبواب العمارة وقولتله إن الثلاجة وقعت ومحتاج حد يعدلها معايا، وأديته عشرة جنيه، طلع معايا وأول ما دخل روحت قافل الباب بالمفتاح ومطلع سكينة من جيبي.. بصلي بتعجب، بس أنا كنت فاقد عقلي، متوتر، ومعنديش أي مشكلة إني اق.تله، قولتله: – أنا عايز تفسير للي في الشقة ده وإلا هق.تلك.. – أنت اتجننت يا أستاذ؟! – أيوة اتجننت وانجز بدل ما أدبحك هنا..
دخل الحمام ووقفت وراه وأنا ماسك السكينة بعنف وباصصله بجنون، أول ما شاف الجثة العظمية فضل يستعيذ بالله وطلع يجري على الصالة.. وقفت قدامه مستنيه يتكلم: – منصف، منصف يابني والله اللي عمل كدا.. – منصف مين؟! – ده واحد مجنون كان مأجر الشقة دي من سنة، كان شكله مُخيف وكلامه غريب، كان دايمًا فيه صوت بيخرج من شقته غريب بالليل، ولما راقبته عرفت إنه ساحر والعياذ بالله بيتعلم السحر في شقته.. – ومش يمكن أنت منصف ده وأنت اللي ق.تلت الطفل؟؟
لقيته مرة واحدة انهار في البكاء وقالي: – أنا فعلًا شاركته كتير، كان بيديني فلوس أروح اشتري حاجات غريبة من عند العطار، وكنت عارف إنها للسحر، بس كنت بضعف قدام الفلوس، إنما أنا أقسم بالله ما أعرف حاجة تانية.. – والطفل ده؟؟ – أقسم بالله ما اعرف غير إن الطفل بتاع الجيران اللي تحتنا اختفى مرة واحدة من فترة.. كنت واخد رقم الراجل اللي تحتنا، اتصلت بيه وطلعلي فورًا، ووريته الجثة، بص كتير عليها ولقيته مرة واحدة مسك سلسلة كانت حولين الهيكل العظمي وفضل يهز فيها ويقول:
– مروان، أصحا يا مروان أنا بابا.. استغربت أوي إن اسم الطفل على اسمي، بس تماسكت، بصلنا الأب وهو بيبكي بعدم فهم، اتكلم البواب وقال: – منصف اللي عمل كدا، خ.طف الواد وق.تله عشان يعمل سحر من اللي كان بيعمله.. – منصف المجنون؟! – أيوة بصيت للبواب وقولتله بغضب: – أنا هبلغ الشرطة عنك عشان تشيل البلوة دي لوحدك.. الراجل أنهار وفضل يقسم إنه معملش حاجة، وإن كل ده منصف اللي عمله.. – فين منصف دلوقتي؟؟
قالها جارنا بغضب شديد: – ساكن في عمارة تانية أنا عارفها.. – يبقا هتدلني عليها بعد ما أدفن ابني.. ولقيته شال الهيكل العظمي ودموعه نازلة، خرج للصالة وفضل يردد: – الحمد لله يارب إنك خلتني أعرف ابني فين وأدفنه بنفسي.. بصيت للبواب وقولتله: – لو مش عايزني أبلغ فأنت مطالب تشوفلي شقة غير دي وحالًا.. – عنيا، والله حالًا هجبلك شقة واعتبر إيجار شهرين مدفوع كمان، بس والله ما عملت حاجة بلاش الحكومة.. – وتقول للراجل ده على مكان منصف عشان ياخد حقه..
– حاضر، حاضر.. دخلت لميت هدومي كلها، وخدني البواب لعمارة تانية وروحت شقة جديدة، في الوقت ده لقيت جارنا ومعاه تلت رجالة واخدين البواب ناحية عمارة في مكان بعيد شوية، وكلها يومين وسمعت إن فيه راجل مختل اتض.رب بالنا.ر في المكان ده.. يمكن فرحت بالخبر ده، فرحت جدًا، لأني عمري ما كنت أقدر أشفق على ساحر، اطلاقًا، رغم إني كنت أتمنى الشرطة هي اللي تعاقبه مش الراجل، والأفضل إن صوت البكاء اختفى وتقريبًا الرعب كله خلص والحمد لله..
السحر عذاب في الدنيا من الشيطان، وعذاب في الأخرة من رب الشيطان.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




