روايات

دِ.ماء الخُفاش للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

لما نقلنا للعمارة الجديدة أنا وبنتي وصلنا كلام إن مالكة العمارة ست متسلطة بطريقة لا تُوصف، بل بيقولوا هي أكتر ست متسلطة ممكن تشوفها في حياتك، وبتحب تفرض سُلطتها على أي ساكن وتحديدًا لو كان ساكن جديد، وممكن تفضل تضايقه وتعمل معاه ألف مشكلة لحد ما ينصاع تمامًا ويسمع كلامها بدون أدنى نقاش.. باب العمارة بيتقفل الساعة كذا يبقا كذا، موتور المية بيتفتح ساعة في اليوم يبقا متتكلمش، وأمور كتير تخنق أي ساكن، بس الناس كلهم سكتوا وسمعوا الكلام، واتحفزت (مجيدة) للسُكان الجُداد واستقبلتنا استقبال سيء جدًا جدًا وأحنا بنطلع حاجتنا..

وطلعنا في النهاية الشقة وأنا حاسة بغم غير طبيعي، وكلها دقايق وسمعنا صوت خبط شديد، فتحت الباب لقيت الست مجيدة واقفة قدام باب الشقة وبتزعق وبتقولي أقفل كل أنوار الشقة لأن ده وقت نوم والناس بتنام هنا بدري، وقتها كنت جبت أخري ولسة هثور فيها سمعت صوت بنتي (آية) من ورايا بتطلب مني أسكت ومكملش كلامي، والحقيقة إني سكت لأسباب كتير هتعرفوها.. خرجت بنتي آية وقالتلها بكل هدوء: ـ هنعمل كل اللي أنتي عاوزاه..

وقفلنا باب الشقة، وكلها خمس دقايق ولبست آية وخرجت من باب الشقة، مكنتش أقدر اسألها هي رايحة فين، لأن اللي زيها محدش يسألها أصلًا هي رايحة أو جاية منين، نزلت تحت شوية وطلعت وهي مبتسمة بوقـ,ـار غير طبيعي ودخلت عشان تنام.. تاني يوم الصبح لقيت الست فاتحة موتور المية ومعلقة ورقة بتقول إن باب العمارة مفتوح ٢٤ ساعة والموتور مش هيتقفل والأنوار تشتغل عادي وإنها مش هتدخل في أي حاجة إطلاقًا مهما حصل..

ولقتها بعتالنا شُنط فاكهة وحلويات كتير أوي كنوع من أنواع الترحيب، الجيران وصلهم الكلام وبعتولنا أكل كتير وهما مذهولين، مش مصدقين إن حد قدر يسيطر على مجيدة ويخليها تعمل كدا، كانوا عايشين معاها في جحيم وانهاردة بس كل حاجة اتحلت تمامًا.. بس ده مش أمر غريب إطلاقًا، لأن آية بنتي عندها هيبة وكاريزما مرعبة، وتقدر تعمل أي حاجة وفي أي وقت مهما حصل، تقدر تقف قدام أهم شخص في البلد وتخليه يعمل اللي هي عاوزاه مهما كان مستحيل..

وكلها أيام وبقت هي المتحكمة في العمارة كلها، أي حد عنده مشكلة أو شكوى بيكلمها هي، حتى صاحبة العمارة مبقتش بتعمل أي خطوة غير لما تستأذن من بنتي، لدرجة إن المستأجرين بقوا بيدفعوا جزء من الإيجار لآية والباقي لمجيدة..

بقينا بناكل ونشرب وناخد فلوس وأحنا قاعدين مبنعملش أي حاجة إطلاقًا، كل أمورنا مُيسرة، لدرجة إننا مبنحاسبش بتاع الخضار ولا السوبر ماركت ولا الجزار ولا أي حد، عايشين ملوك وسط الناس، لحد ما بدأ عيد ميلاد آية يقرب وكان باقي عليه ٣ أيام، وبدأت الهدايا تيجي بصورة مُبالغ فيها للشقة عندنا والكل كان بيستعد عشان يجامل أكتر بنت عندها قَبول في الدنيا وما فيها..

وفعلًا جه يوم عيد الميلاد واتعلقت الزينة في الشقة وجه كل سكان العمارة عشان يحتفلوا بيها، واحتفلنا احتفال كبير وجمعنا هدايا غير طبيعية، وعلى الساعة ١٢ وقبل ما نطفي الشموع والكل بيغني قطعت أنوار العمارة كلها لثواني بس، ولما رجعت الأنوار كان كل اللي في عيد الميلاد واقعين على الأرض.. بدأت أفوقهم بخوف شديد وكل اللي كان بيقوم كان بيبص ناحيتنا بغـ,ـضب وكـ,ـراهية شديدة وكان بيجري ويخرج من الشقة، لحد ما الكل خرج وقعدت أنا في أوضتي مستغربة من اللي حصل وعمالة أفكر هما بيعملوا كل ده ليه، لحد ما بدأت أفتكر مصيبة كنت نسياها من سنين طويلة..

دعيت ربنا إن الموضوع يفضل مكمل للنهاية، لكن من تاني يوم اتحولت كل حاجة، مجيدة كانت هتمسمر علينا باب الشقة، طلبت الإيجار وشهرين زيادة، الفكهاني وبتاع الخضار والجزار عايزين تمن الحاجات اللي كنا بناخدها، تهديد من السكان إنهم هيمشونا من العمارة لأننا بنعمل مشاكل كتير.. وعشان أموري تمشي بقيت بدفع لكله، بعت كل الهدايا وخلصت كل فلوسي على الإيجار والأكل والشرب ومطالبات الناس، لدرجة إني بقيت بستلف عشان أسدد اللي عليا، زي ما بيقولوا نزلنا من سابع سما لسابع أرض..

عشت شهور جحـ,ـيم، خنـ,ـاقات وتربص من الناس، مطالبات بالإيجار لدرجة إن مبقاش في بيتي جنيه واحد، وعرفت إني لو استمريت على الحال ده وأنا أصلًا مبشتغلش ولا أنا ولا بنتي هنمـ ـوت من الجوع ومحدش هيرحمنا، عشان كدا كان لازم أعمل اللي عملته زمان، وكان لازم أفتكر غصب عني..

أفتكر لما أجهضت مرة واتنين وجوزي تشاءم مني وطلقني، وبعد ما طلقني عرفت إني حامل للمرة التالتة، ومن كتر خوفي على الجنين سمعت عن حاجة اسمها (الوطوطة) اتقالي لو مسحت على بطني بدم خفاش الجنين مش هيمـ ـوت، ورغم إني كنت على يقين إن كل ده حرام إلا إني عملته، وروحت لواحد بيعمل الحاجات دي ومسح على بطني بدم الخفاش، وفعلًا محصلش إجهاض وخلفت..

ولما روحت أشكره طلب الطفلة يحـ,ـصنها بد ـ,ـم الخفاش عشان تبقا مميزة وتعيش عُمر طويل، وأنا عشان ضعيفة الإيمان عملت كدا وروحتله، وفاكرة كويس لما قالي إني لازم أكرر الموضوع ده بعد ٢١ سنة كاملين وإلا كل حاجة هتدمر، وفعلًا ومن يومها بنتي كانت مميزة في الحضانة والمدرسة والكلية، مميزة في البيت وعند قرايبنا وجيراننا.. الكل بيحاول يكسب ودها بالفلوس والهدايا والاحترام، كنت تبص في عنيها تحس بالرهبة والخوف، بنتي كان لون عنيها مختلف، مش موجود في العالم كله، وشها كان ثابت وعنيها مبترمش أبدًا، وكل اللي كان بيشوفها كانت بتجيله رغبة مميتة إنه يكسب ودها ولو هيدفع ثروة كاملة..

نروح أي مكان ناخد الحاجة ببلاش، ندخل أي مطعم ناكل ببلاش، نأجر أي مكان نسكن فيه ببلاش، وفضلنا على الحال ده كتير لحد ما كملت الـ ٢١ سنة، وحاليًا كل حاجة بتنهار، معرضين للطرد من الشقة، كنت محوشة مبلغ كبير أوي اختفى مرة واحدة ومش عارفة راح فين، وكأني بنيت عمارة في سنين طويلة واتهدت على دماغي مرة واحدة..

روحت للراجل وسألت عليه لقيته مـ ـات من سنين، سألت أكتر من حد بس محدش ساعدني، وعرفت إني لازم أعمل ده بنفسي وبأي طريقة، لازم أجيب خفاش وأمسح بد مه على جسم بنتي، وفعلًا دفعت مبلغ لحد وقدر يصطاد خفاش ويجبهولي، ورغم إن الموضوع كان مُرعب، لكني عملته.. دبـ ـحت الخفاش وخدت دـ,ـ مه ودخلت على بنتي وهي نايمة وغرقتها بد م الخفاش، وجمعت بقايا الخفاش وكل حاجة ولعت فيها ونمت، نمت وأنا مبسوطة وفرحانة أوي، نمت وأنا بحلم بالحياة الوردية اللي هنرجع ليها من تاني..

بس اللي مكنتش أعرفه إني هصحى ألاقي شقتي بتتحـ,ـرق ومليانة خفافيش معرفش جت منين، الناس كسروا الشقة وخرجوني بسرعة، ولما حاولوا يلحقوا بنتي لقوها مـ ـيتة ومخنوقة بالدخان.. هما بيقولوا مـ ـاتت بس أنا بقول بنتي اختفت، وبيقولوا اتجـ ـننت وبقيت ألف في الشوارع أجري وأقول إن فيه خفافيش بتجري ورايا وإني بدور على بنتي، وأنا بقول إن هما اللي اتجننوا وإني فعلًا بشوف خفافيش في كل حتة وبسمع صوت بنتي بتستغيث بيا كل شوية..

ملقتش مكان في النهاية غير قدام جامع مشهور في مصر القديمة، بقعد مع المجاذيب، ناكل ونشرب من الشارع والزبالة ونقعد نكلم نفسنا، ولو عديت عليا في مرة هاتلي أكل معاك لأني بقيت باكل الفترة الأخيرة بنهم شديد لحد ما جالي سرطان في المعدة والناس بيقولوا دي خلاص هتمـ,ـوت قريب.. لما ربنا يختبرك في حاجة أنت عاوزها اصبر واحتسب عشان تاخدها في أجمل صورة ليها، إنما لو حاولت تاخدها بطريقة حرام هتفقدها في أكتر وقت أنت اتعلقت بيها وساعتها هتفقد معاها كل حاجة..

[أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ] سورة العنكبوت بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى