
حلمت حلم زي أي شاب من فترة طويلة أوي، كنت شايف البيت اللي هأسسه والبنت اللي هتجوزها قدام عنيا رغم إني مكنتش أعرف هي مين، وفضلت عايش على الحلم ده يمكن سنين طويلة، شايف نفسي في مكانة مرموقة ومعايا الشقة والعربية والزوجة والحساب البنكي.. أحلام كتير أوي اتبخرت وأنا عندي ١٣ سنة لما أبويا اتوفى، وبما إنه كان المُعيل الوحيد في البيت فأحنا اتبهدلنا زي ما بيقولوا، اتكسرنا وشوفنا الذل عشان نقدر نعيش ونكمل حياتنا..
أمي كبرتنا بعدها على السلف والدين والشغل في البيوت، اتحرمت من كل حاجة تقريبًا، الأكل والألعاب والفُسح، عِشت زي المسكين اللي مش من حقه يعيش ولا يشوف يوم كويس، لحد ما فضلنا نفكر ألف مرة عشان أدخل الكلية، هل هنقدر على المصاريف ولا لا.. أبسط حقوقي كانت أحلام صعبة جدًا جدًا، لولا إن خالي لما عرف القصة قال إن مصاريف الدراسة كلها عليه، المهم يبقا معايا تعليم عالي عشان أشتغل وأعوض أمي عن المرمطة اللي شافتها في حياتها بعد كدا..
وفعلًا دخلت الكلية وزي أي شاب كنت داخل عشان أدور على فتاة أحلامي زي ما بيقولوا، البنت اللي هنحب بعض ونتخرج وتستناني وبعدها نتجوز، وتقريبًا أنا حققت المعادلة كلها ماعدا نقطة واحدة بس، قابلت نُهى، واتعرفنا على سِلم الكلية وحبينا بعض وقضينا ٤ سنين كاملين مع بعض حب وارتباط..
ولما اتخرجنا ودخلت الجيش وعدتني إنها هتستنى وفعلًا استنت، محصلش زي ما كنت متوقع واتخطبت لابن خالتها ولا حاجة، بس النقطة الأخيرة إننا متجوزناش، مكنش ينفع نتجوز وأنا معنديش شقة ولا وظيفة ولا إمكانيات أجهز نفسي للجواز، عندي ٢٤ سنة ومش معايا جنيه واحد، ومُطالب أكون نفسي عشان أتجوز شريكة العمر والإنسانة الوحيدة اللي حبيتها في حياتي..
وبدأت أدخل سوق العمل واتنطط من مكان للتاني لعل وعسى أعرف ألاقي أي منفذ وأقدر أعيش منه، بس سوق العمل كان عامل زي المفرمة، تشتغل عشان تاكل وتروح الشغل، أكتر من كدا مش هتعرف تعمل حاجة، ووقعت في نوبة اكتئاب بعد ما اتطردت من شغلي الأخير.. الأمور بقت من أسوأ ما يكون، عشت شهور على السوشيال ميديا بقدم محتويات وبحاول أعمل أي نشاط، لحد ما فعلًا حسيت إن شوية كمان ونُهى هتضيع مني للأبد، الإنتظار طال والمشاكل زادت أوي، لحد ما قررت أنهي العلاقة دي للأبد..
بس فوجئت بحاجة أغرب من الخيال بتحصل معايا، كانت فيه واحدة سِت أعرفها من زمان، صديقة لأمي وبتشتغل مع ناس مرتاحين ماديًا جدًا جدًا، لقتها بتقولي أنا هرشحك لحاجة ممكن تغير حياتك كلها من الألف للياء، استغربت من كلامها واستفسرت.. قالتلي إنها تعرف واحدة ست ليها بنت شابة جميلة جدًا بس من الصُم والبُكم، وبتدور لها على عريس يحفظها ويصونها ويحافظ عليها، ولو وثقت فيه هتسيبه يتحكم في ثروة مُحترمة، بس بشرط إنه يتنازل ويتجوز بنتها وتضمن إنه هيحافظ عليها، وفيه محامي هيتابع حياتكم لمدة سنة وبعدها لو وثقوا فيك تقدر تعيش مرتاح مع البنت..
الكلام كان غريب بس مُغري جدًا جدًا، كلمت نُهى وبلغتها إن جالي سفرية هتقعد سنة وبعدها هرجع اتجوزها بدون أي تباطؤ، وفعلًا روحت قابلت الست نعمة، ولقتها ست تقريبًا بينها وبين المو.ت أيام، مريضة جدًا وبتتكلم بالعافية وكل شوية تتنفس من جهاز الأكسجين، روحت مع صديقة أمي دي وفضلت تشكر فيا وتقول إني محترم ومُتعلم وأحسن واحد يحفظ البنت وهيصونها وكلام كتير أوي..
وفعلًا شوفت البنت وحصل إعجاب متبادل، ومن تاني مقابلة كنا حددنا الخطوبة وكتب الكتاب، وكانوا فعلًا مش عاوزين مني أي حاجة، فيه شقة جاهزة وقريبة، هنتجوز فيها، فيه حساب بنكي كويس وأسهل حاجة هتكون مصاريف الجواز، عندهم تلت محلات شغالين والدنيا كويسة، المهم يثقوا فيا وبس.. وقعدت معاها فترة، حياة غريبة شوية وغير مفهومة، بنت مبتتكلمش ولا بتسمع، كله بلغة الإشارة اللي أنا أصلًا مش عارفها، فكان التفاهم ما بينا صعب جدًا بس كنت بمشي الأمور، أنا عايز أطلع من وراها بأي فلوس، مش عايز أي حاجة تانية..
وكلها شهرين والأم ماتت، واتكتب في الوصية إن ليا الحق في التحكم في حسابات البنك لما محامي العيلة يمضي، وده هيعمله لما يتأكد إني فعلًا هعامل البنت كويس أوي وهفضل معاها ومش هتخلى عنها، وطبعًا الأيام خير دليل.. كنت عايش معاها مرفه ومبسوط بس كان جوايا جزء مش راضي، كل ما أكلم نُهى تستعجلني عشان نتجوز، بس لازم أصبر، وأمثل كويس، عشان على الأقل أسحب مبلغ كبير من البنك أو أخد الحساب كله وأطلقها، وهي كانت لها طقوس غريبة، من بعد العشا تدخل الأوضة وتنام، وتسيبني أنا سهران للصبح، وكأنها مش موجودة ولا بتطلع صوت من الأساس..
شوية وبدأت أحن أكتر لنُهى وبدأت أحكيلها كل حاجة بالتفصيل، كنت فاكر في البداية إنها هتثور وتقلب عليا، بس الغريب إنها دعمتني وقالتلي إني عملت الصح، وإن الناس دول سارقين حقنا ولازم نسترده منهم بأي طريقة كانت، ومع الوقت بقت نهى بتيجي الشقة بالليل، كدا كدا مراتي نايمة وعمرها ما خرجت بالليل، الشقه فيها غُرف كتير، وعملنا الحرام أكتر من مرة، وكأننا اتجوزنا قبل ما نتخطب ونكتب الكتاب، عملنا حاجة قبل حاجة زي ما الأجانب بيعملوا..
وبدأنا نخطط، ونفكر وندبر، وكنا بنتواصل تقريبًا كل يوم بالتليفون، لحد ما طلبت مني أشوف الوصية بتقول ايه يمكن نلاقي مخرج للحبسة دي، ولما قرأناها لقينا شرط إن لو البنت لقدر الله توفت هيكون للزوج تلت الثروة والباقي للجمعيات الخيرية.
يومها بصيت لنُهى وعرفت إنها بتفكر في نفس اللي بفكر فيه، أيه اللي هيحصل لو تخلصنا منها بس بطريقة معينة، وناخد تلت الثروة ونتجوز ونعيش مرتاحين العُمر كله، وفعلًا بدأنا نخطط ونشوف كل الخِطط اللي عدت في الحوادث، ازاي تق.تل حد بدون ما تثير الشكوك في طريقة مو.ته، بس بعد أسبوع لقيت اتنين ظباط جايين ياخدوني من الشقة على القسم، وهناك لقيت نُهى..
وكانت صدمة العمر، حماتي ممتتش، مراتي بتسمع وتتكلم عادي، بس حماتي عندها وسواس رهيب إن اللي هيتجوز بنتها هيأذيها وياخد ثروتها لأنها كانت شغالة في مجلة خاصة بالحوادث واتأثرت أوي بشغلها، عشان كدا كانت بتدور على واحد يحافظ فعلًا على بنتها وتتأكد من ده، فقررت تعمل الخطة دي، وتشوف هل فعلًا هيحاول يأذي بنتها لما يشوفها ضعيفة ومبتسمعش ولا تتكلم ولا لا..
كل مقابلاتي مع نُهى متصورة، كل المكالمات، مراتي كانت بتسمعني وأنا بتفق على ق.تلها وبتمثل إنها مش سامعة أي حاجة، وبعد مرمطة وجحيم ٤٠ يوم في النيابة لقتها اتنازلت وخرجت، اتنازلت لأنها كانت عايزة راجل لبنتها ميأذيهاش وفي نفس الوقت مش عايزة تأذي حد.. نُهى خرجت وتاني يوم قطعت علاقتها بيا، ورجعت شحات زي ما كُنت، يمكن ربنا أداني فرصة تانية عشان أفوق لنفسي وأتوب عن اللي كنت هعمله..
حياتي اللي كانت كلها غلط، هو كل اللي ظروفه صعبة لازم يمشي في سكة غلط، أكيد لا، ناس حياتهم أصعب مني بمراحل واستعانوا بالله وكملوا في سكة الحلال، ليه بنحط الظروف كسبب عشان نعمل الحرام.. علاقتي بنُهى كانت حرام.. جوازي لغرض السرقة كان حرام.. تخطيطي الإجرامي ومحاولة ق.تلي لواحدة مسكينة كان حرام.. مشيت في كل السكك إلا سكة واحدة، وهي إني استعين بالله وأقوله يارب أعني على الزواج، فضلت أبكي بعدها يجي سنة وأبعت رسايل ليل نهار للست وبنتها أطلب السماح لحد ما بعتولي رد إنهم سامحوني..
يومها قعدت مع واحد وحكتله حكايتي وأنا ندمان، وقالي هقولك الحل لو عايز تتجوز وبالحلال، بصتله كدا لقيته ابتسم وقال، ردد دايمًا [رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ] سورة الأنبياء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




