روايات

صـ,ـرخات القـ,ـبر للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

لما جدتي اتوفـ,ـت ورغم إني زعلت عليها زعل كبير أوي إلا إني حسيت بالراحة من جوايا لأن مشاكل كتير في حياتنا هتنتهي، أو يمكن مشكلة واحدة أساسية، وهي الخناقات اللي كانت بتقوم يوميًا بين أمي وجدتي، لدرجة إن جدتي أكتر من مرة كانت عايزة تطردنا من شقة أبويا الله يرحمه، وأمي أكتر من مرة كانت هتضـ ـربها واتهمتها بالسـ,ـرقة..

مشاكل وحوارات كتير أوي مكنتش بتنتهي، لكن انهاردة أقدر أقول إن كلها انتهت مع مرض جدتي الأخير وبعدها مـ ـوتها انهاردة، وبعد الغُسل والدفـ,ـن أمي كانت قاعدة بتكلم نفسها بصورة غريبة أوي، حاولت استفهم منها عن السبب وعرفت منها إنها كانت داخلة جمعية مع جدتي وإنها دفعتلها لحد انهاردة ٩٠ ألف جنيه، استغربت إنها بتتكلم في حاجة زي دي دلوقتي، كمان أمي جابت المبالغ دي منين وأحنا بناكل بالعافية من بعد مـ,ـوت أبويا..

لكن أمي كانت خايفة، وقالتلي إن عماتي مش هيصدقوها واحتمال يكونوا عارفين وياكلوا فلوسنا وإنها لازم تتكلم، وقبل ما أقنعها بحاجة لقتها جابت عمتي وعمي وقالتلهم على موضوع الجمعية وإنها كمان كانت مسلفة جدتي دهب عشان كانت بتحضر بيه فرح ومرجعتوش.. دعيت ربنا يسترها لأن الموقف صعب وممكن ميعديش على خير، وفعلًا حصلت مشكلة واتهموا أمي بالجِنان وقالولها إنهم مش هيدوها أي حاجة وإنها لو مسكتتش هيطـ,ـردوها من الشقة خالص، وقالوا إنها مكنتش تهدي سِر مع جدتي يبقا ازاي عملوا جمعية مع بعض وأمي استأمنتها على مبلغ زي ده..

ورجعنا شقتنا وأمي بدأت تبكي وتولول على شقا عُمرها وقالتلي إنها حوشت الفلوس دي بطلوع الروح عشان جهازي، وإنها مش عارفة هتعمل أيه، وبصراحة من جوايا مكنتش مقتنعة وحاسة إن أمي مش صادقة، أمي اللي مبتأمنش لأي حد هتدفع المبالغ دي لجدتي، حاجة مش معقولة خالص، وأمي حست إني مش مصدقاها وكل اللي قالته: ـ حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا هيرجعلي حقي..

وتاني يوم حسيت بحركة غريبة ومش مفهومة قدام البيت، كان لسة عمي وعمتي في شقة جدتي عشان العزاء وغيره، ولاحظت إن التُربي بتاع المقـ,ـابر جاي لعمي وبيتكلم معاه شوية، ولاحظت إن ملامح عمي اتغيرت بطريقة غريبة وكأن فيه مصيبة في الموضوع، ومشي الراجل وفضلت منتظرة وعندي فضول كبير أعرف فيه أيه لكني معرفتش أي حاجة.. وتاني يوم اتكرر نفس الموضوع بصورة أغرب، وجه الراجل وفضل يتكلم معاهم، وبطريقة ما أمي عرفت اللي كان الراجل جاي عشان يقوله، الراجل كان بيقول إنه بيسمع صوت ست بتصوت بالليل من قـ,ـبر جدتي، وكأنها بتتعذب جوة قـ,ـبرها..

كلامه خلاني أحس بقشعريرة مرعـ,ـبة، ولقيت أمي اقتـ,ـحمت المكان وقالتلهم إن ده بسبب الفلوس اللي هي أكلتها علينا، وإنهم لازم يسددوها أو يسيبوا أمهم تتعذب بسببها، وعلى عكس المرة الأولى سمعوا لوالدتي واهتموا بالموضوع ووعدوها إنهم هيحلوا الموضوع ويتصرفوا،.. وتالت يوم بدأ كلام ينتشر في المنطقة إن الست (حسنات) جدتي بتتعذب في قـ,ـبرها وإن الست كانت بتعمل حاجات حرام وكتر الكلام عليها، وعشان كدا عمي وعمتي دفعوا لأمي المبلغ كله، ٩٠ ألف جنيه، ورغم إني مكنتش فاهمة حاجة وحاسة بخوف كبير إلا إن الموضوع نوعًا ما انتهى..

التُربي قال إن صوت الصراخ انتهى ومبقاش يخرج من القـ,ـبر، وإن أكيد الست كان عليها حاجة وأهلها سددوه عنها وانتهى الموضوع، وأمي خدت فلوسها وبدأت تقولي إنها ممكن تستثمر الفلوس في أكتر من حاجة ووقت جهازي ربنا هييسرها وكل حاجة هتكون تمام.. وفعلًا أمي بدأت تكلم أكتر من حد عشان تشغل فلوسها معاه، مبلغ مش قليل وممكن يعملنا دخل كويس، ولأن أمي شخصيتها قوية مكنش مسموحلي أتدخل في أي حاجة إطلاقًا، هي اللي بتشوف الشغل وهي اللي بتكلم الناس، الشغل اللي مكنتش أعرف طبيعته من الأساس، لكن أمي نجحت، وبقا معاها فلوس..

واتفاجئت إنها بتشتري أجهزة في البيت، شاشة ٤٢ بوصة، ديب فريزر، هدوم جديدة، بقت بتجيب لحوم وفراخ كتير وبقينا بناكل كل يوم أحسن أكل وكل يوم بنطبخ، لدرجة إنها بقت بتجيب واحدة شغالة تنضف البيت من وقت للتاني لأن أمي مكنتش فاضية، ولما ضغطت عليها عرفت إنها شغلت فلوسها مع واحد صاحب معرض أثاث وبقا بيدخلها مبلغ كويس ومع الوقت الشغل هيكبر أكتر وأكتر..

ورغم كدا أمي كانت بتغيب عن البيت كتير أوي، لدرجة إنها أوقات كانت بتبات برة البيت، وكانت بتقول إن كل ده بسبب الشغل، واللي لاحظته عليها مؤخرًا إنها بقت بتتزين وتلبس لبس ميلقش بعمرها أبدًا، بقت بتحط برفانات من كل الأنواع وتتشيك وتعمل شعرها وبشرتها، حاجات أنا نفسي مبعملهاش، لحد ما بعد فترة بدأت تتغير معايا وبقت عصبية جدًا، أمورها كانت غريبة وبدأت تتكلم عن إنها مش قادرة تسامح جدتي اللي خدت منها دهب قيمته ٦٠ ألف ومرجعتوش..

وبقت بتتصل بعمي كتير وتطلب منه الدهب ده، ولقتها طلبت مني في مرة بطاقتي وشوية ورق عشان هتعمل مشروع باسمي، ولأنها أمي ولأني بثق فيها عملت كدا وأدتها الأوراق اللي طلبتها مني، ومن بعدها رجعت الأمور كويسة جدًا، وأمي حالتها ارتاحت أكتر وعرفت إنها كانت شوية مشاكل في الشغل لكنها عدت على خير وكل حاجة بقت كويسة.. الموضوع كله استمر ٣ شهور بس ورجعت أمي تطالب عمي وعمتي بفلوس الدهب، وعملت معاهم خـ,ـناقة كبيرة أوي لحد ما قالولها إنها نصابة وكدابة وإنها مش هتاخد أي حاجة، ولأول مرة أمي تغـ,ـضب الغـ,ـضبة دي وقالت إنها مش هتسيب حقها أبدًا..

وغابت أمي الليلة دي كلها ومجتش غير وش الفجر، صحيت من النوم على صوت أنفاسها، كانت وكأنها طالعة من خـ,ـناقة كبيرة، صحيت من النوم لقتها قاعدة في الصالة والمكان كله ضلمة، ناديت عليها مردتش عليا وفضلت تنهج بصوت عالي وبصوت خشن أوي، ناديت عليها بتوتر وقولت: ـ يا ماما.. لقتها اتكلمت، اتكلمت بصوت خشن أكتر وقالت: ـ أنا مش أمك.. بصتلها بخوف أكبر وسألتها: ـ أمال أنتي مين؟! وقتها بصت ناحيتي، ومشوفتش غير عنين حمرة زي الد م، وصوت هادي تمامًا، صوت بيتكلم وبيحكي..

أمك حطت تليفون في كفـ,ـن جدتك يوم الغُسل وشحنته كويس أوي، ولما جدتك اتدفـ,ـنت بقت ترن على الموبايل ويخرج من الموبايل رنة عبارة عن واحدة بتصـ ـرخ بصوت مخـ ـيف، ولما التُربي اشتكى قالت إن ده بسبب حق فلوس الجمعية، ولما عمك دفع الفلوس مبقتش ترن وسابت الموضوع وانتهى.. بعدها اتعرفت على صاحب معرض وأدته الفلوس عشان يشغلها معاه، ولأنها طـ,ـماعة ومستعدة تعمل أي حاجة عشان الفلوس سمعت كلامه في كل حاجة، حتى إنها باعت شـ,ـرفها له، وكسبت من وراه كويس لحد ما قرر يضحي بيها وقالها إن المخزن اتحـ,ـرق وفلوسها راحت ولازم قرض عشان يعوضوا الخسارة..

ولما خدت منك البطاقة كانت بتعمل القرض باسمك أنتي، ولما الراجل نصب عليها تاني وطلب فلوس أكتر رجعت لموضوع الدهب عشان تاخد فلوس من عمك ولما رفض، قررت تعمل الموضوع القديم تاني، فتحت القـ,ـبر وكان معاها موبايل جديد برنة جديدة.. لكن عشان هي طماعة قررت تنزل القـ,ـبر بنفسها وتجيب الموبايل القديم عشان تبيعه ومتخسرش تمنه، كان لازم شيـ,ـطانها يغلبها، ونزلت القـ,ـبر، ومش هتخرج منه تاني أبدًا مهما حصل.. كلامها كان عامل زي الحلم، وكأني بحلم بالظبط، سألتها بصوت ضعيف أو يمكن اتكلمت في عقلي وقولت:

ـ أنتي مين؟! لقتها ردت وقالت: ـ أنا من سكان القبـ,ـور.. ونمت لحد تاني يوم الضهر، ولما أمي مرجعتش كلمت واحدة صاحبتي وروحنا المقـ,ـابر وكأني بزور جدتي، وهناك لقيت القـ,ـبر مفتوح وأمي جوة ميـ,ـتة، وكان أبشـ,ـع مشهد مر عليا في حياتي..

أمي بعدها اتدفـ,ـنت ومحدش عرف سبب مـ,ـوتها في المكان ده لحد انهاردة، أنا الوحيدة اللي كنت عارفة كل حاجة ومعرفش مين اللي حكتلي وجتلي ليلتها من الأساس، ولما البنك بعدها طالبني بأقساط القرض وكنت هتسجن عمي وقف معايا لأنه كان عارف إني غير أمي خالص ودفعلي تمن القرض، وعشت في شقة أبويا مبعملش حاجة غير إني بقيت بحفظ البنات الصغيرين قرآن وبدعي ربنا ينزع من قلبي حب الدنيا والفلوس والطمع اللي بيدخل جوة النفس بيهلكها..

جدتي يمكن مكنتش كويسة وكانت بتعمل مشاكل مع أمي كتير، بس هل ده مبرر عشان أعمل كدا، هل عشان بيني وبين فلان مشاكل إني أكل حقه وانتهك حرمته واتسبب له بأذى كبير زي ده..

الرسول ﷺ وصف صنف من البشر وهم المنافقين وقال عنهم (وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ) يعني لما بتحصل بينه وبين شخص مشكلة بيفجر في خصومته ويعمل كل حاجة عشان يدمره، عشان كدا إياك تكون منافق، ولما تقع في مشكلة مع حد تعامل بدينك وأخلاقك ورد فعلك يبقا بقدر المشكلة وبس مش مُبالغ فيه، لأن لو اتظلمت حتى ورد فعلك جه أكبر هتبقا ظالم، لازم تتعلم تاخد حقك وبس، وإنك متفجرش أبدًا في خصومتك..

ويقول ﷺ: (أَرْبَعٌ مَن كُنَّ فيه كانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، ومَن كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ منهنَّ كَانَتْ فيه خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حتَّى يَدَعَهَا: إذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وإذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ) صحيح البخاري بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى