
بقالي كام يوم بلاحظ إن فيه آثار أقدام وحضور في المـ,ـقابر بالليل، ودي حاجة سهلة جدًا وأقدر ألاحظها بصفتي التُربي والمسؤول عن تأمين المـ,ـقابر من سنين طويلة، بل وأقدر أقول بكل صراحة إني بعرف أفرق بين صوت الأمـ,ـوات اللي بسمعه بالليل وبين صوت الأحياء، فيه فرق شاسع وإللي عاشر الأمـ,ـوات والأحياء هيقدر يلاحظه.. وصوت الأمـ,ـوات هنا كناية عن سُكان المـ,ـقابر من الجِن مش الأموـ,ـات نفسهم، لأن الأمـ,ـوات في عالم تاني اسمه عالم البرزخ، بس رغم إحساسي بحضور الناس بالليل وآثار الأقدام اللي كنت بلاحظها إلا إن مكنش في إيدي أي دليل أقدر أقدمه للناس..
وكان لازم دليل قوي وملموس عشان ناخد أي إجـ,ـراء، لأن مكان زي ده بيعتبر كنز لناس كتير منهم دجالين وسـ,ـحرة وتُجار بشر، لحد ما في يوم وأنا بتجول كالعادة لقيت قـ,ـبر من المـ,ـقابر بابه الصغير مفتوح، جسـ,ـمي كله اتـ,ـرعش وخـ,ـوفت يكون جسم المـ,ـيت اللي جوة اتسرق، بس المـ,ـيت كان في مكانه.. اتصلت بسرعة بأهل المـ,ـيت وبلغتهم باللي حصل والناس حضروا وفضلنا نفتش عن أي دليل، أو عن السبب اللي يخلي حد يعمل الموضوع ده لكن موصلناش لأي حاجة، وفي النهاية جابوا قِفل كمبيوتر كبير وقفلوا بيه باب القـ,ـبر والموضوع انتهى وحاولوا يتكتموا على الخبر..
والغريب إن تاني يوم لقيت نفس القـ,ـبر مفتوح والقِفل مش موجود مكانه، بس المـ,ـيت كان مكانه والأكفان زي ما هي جوة القـ,ـبر، واتصلت من تاني بأهل المـ,ـيت وبدأ القلق يزيد بين الناس بل والموضوع ينتشر إن فيه حد بيدخل مـ,ـقابر البلد بالليل من غير عِلمهم وإنه ناوي شر بأهل البلد..
في النهاية ولما الموضوع اتكرر أكتر من مرة قرر أهل البلد إنهم يعينوا حد معايا للحِراسة وفي نفس الوقت يدفعوله من معاهم وزودونا بالسـ,ـلاح كمان، وكمان اتقالت تحـ,ـذيرات للناس إن محدش يقرب من المـ,ـقابر بالليل أبدًا لأنه هيكون مشتبه فيه، وإن ممكن الحُراس يتعاملوا معاه بالسـ,ـلاح، وكل راجل حذر ولاده حتى إنهم يعدوا من المكان ده بالليل..
ومشيت الأمور بصورة طبيعية جدًا، كنت بسهر مع الحارس التاني إللي كنت أعرفه معرفة سطـ,ـحية ونشرب الشاي طول الليل لحد الصبح، وفضل الموضوع مكمل لمدة شهر تقريبًا، لحد ما في يوم سمعنا صوت وقرر إنه يروح ويشوف إيه إللي بيحصل، ولما راح اتأخر عليا فقررت أشوفه ولقيته مقتول قدام قـ,ـبر من المـ,ـقابر وراسه بتنزل دم بكمية كبيرة أوي.. بلغت أهل البلد والدنيا اتقلبت والشرطة جت وبدأت التحقيقات بس للأسف محدش وصل لأي دليل، ولما قرروا يعينوا حارس معايا عدد كبير من الناس خـ,ـافوا، فبلغتهم إني هكمل لوحدي ومحدش يقلق خالص وأنا هتعامل مع أي دخيل ممكن يدخل للمـ,ـقابر..
وفعلًا مشيت الأمور بصورة طبيعية لمدة تلت أيام وكانت الأمور كلها هادية تمامًا، لحد ما في يوم وأنا قاعد بشرب شاي لقيت حجر صغير بيتحدف عليا من ناحية المـ,ـقابر المظلمة، جـ,ـسمي كله اتنفض وقمت ومسكت السـ,ـلاح، فضلت أنادي وأحذر بس مكنش فيه أي رد فِعل غير الحجارة اللي كانت بتتحدف عليا وبس..
استعذت بالله من الشـ,ـيطان الرجيم ودخلت للمـ,ـقابر، ولعت الكشاف وبدأت أتجول وأفتش عن الدخيل، وفضلت أفتش هنا وهناك بدون أي نتيجة لحد ما في النهاية لمحته، كان واقف مستخبي ومديني ضهره ومش شايفني، وقررت إني منتظرش لحظة واحدة، ده حرامي ويستحق، ومش هعرف أمسكه غير لو اتصاب أو قتلته.. وفعلًا ضـ,ـربته بالنـ,ـار، وتوقعت إنه هيقع في الأرض أو هيتألم رغم إن الرصـ,ـاصة جت فيه، لكنه بص ناحـ,ـيتي وعلى ضوء الكشاف لقيته مبتسم والـ,ـدم مغرق راسه ووشه، كان المساعد اللي اتقتل قدام القـ,ـبر من فترة بسيطة وإللي كان بيساعدني في حراسة المـ,ـقابر، رجعت بهدوء وأنا حاسس إن قلبي هيخرج من مكانه..
لقيته بيضحك وبيقولي: ـ حلوة الخِدعة إللي أنت عملتها، بس لو اتعملت على الإنس استحالة تتعمل علينا أحنا.. وقتها بس شعري شاب من كلامه، وجـ,ـريت زي المجـ,ـنون في قلب المـ,ـقابر، بس كل ما كنت بجري بلاقيه واقف قدامي سادد عليا الحارة، أحاول أخرج من حارة تانية ألاقيه برضه واقف قدامي، وكأنه بيستدرجني لمكان معين، لحد ما اتفاجئت إني قدام القـ,ـبر اللي بابه كان بيتفتح، وقبل ما استوعب اللي حصل لقيته قدامي وبيزقني ناحية القـ,ـبر، وفجأة لقيت نفسي جوه القبر والباب بيتقفل، وآخر جملة سمعتها منه:
ـ نهايتك يا حارس الأمـ,ـوات.. الناس وصلوا في الوقت ده للمـ,ـقابر بسبب صوت الرصـ,ـاص، سمعوني بصرخ بجنون جوه القـ,ـبر، ولما فتحوه لقوني جوه، شعري أبيض وجسمي منكمش كله، خرجوني من القـ,ـبر وأنا عمال اتنفض وبتكلم وكأني بكلم نفسي..
أنا كنت بشتغل مع ساحر بأجر كبير، باخد الأعمال ادفنها في المـ,ـقابر، لحد ما شاب من البلد شافني وخفت إنه يحكي للناس، فعملت خدعة فتح الأبواب دي عشان لو حكى أقول إنه مش أنا وأكيد شاف حد تاني، لأن الوقت يومها كان ليل، وطلعت الإشاعة والناس صدقوا إن حد بيدخل المـ,ـقابر غيري وعينوا معايا حارس تاني، كنت بسيبه يشرب الشاي وأكمل دفن الأعمال يوميًا لحد ما شافني وكان هيفضحني لولا إني قتلته يومها قدام القـ,ـبر وبلغت أهل البلد إن حد قتله..
عديت من الموضوع ومحدش اكتشف أي حاجة، بس مكنتش أعرف إني نهايتي هتكون بالطريقة دي، على إيد قرينه ويمكن حاجة مش مفهومة، كنت بحكي وبتكلم والناس مذهولين من إللي بقوله، ولما انتهيت من الحكي سلموني للشرطة، بس أنا واثق إني مش هلحق اتعدم، فيه حاجة بتلاحقني وهي اللي هتعدمني، فيه حاجة بتزورني كل يوم وأنا مش قادر أهرب منها.. التُربي مات مُنتــ ــحر في الزنزانة قبل إعدامه بشهر ومحدش عارف السبب حتى يومنا هذا، إللي يلعب بالنـ,ـار هيتحـ,ـرق بيها، حتمًا ولابد..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




