روايات

العدس والملح للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

يوم الجمعة اللي فاتت صحينا الصبح على صوت صرخات مُرعبة جاية من الشارع وتقريبًا أهل المنطقة كلها كانوا تحت البيت عندنا، ولما نزلنا نجري عشان نشوف سبب كل ده شوفت مشهد معتقدش إني هنساه عُمري كله.. مرات عمي وقعت من على سطح البيت وهي بتنشر، وكان جسـ,ـمها متكسر والد ـ,ـم نازل من راسها زي النافورة، عنيها كانت بتتحرك بعشوائية وأصوات مرعبة كانت بتخرج منها وهي بتمـ,ـوت، محدش لحق يعمل أي حاجة لأنها في النهاية مـ ـاتت ولفظت أنفاسها الأخيرة..

والغريب إن الكل وقف يتفرج عليها، محدش كانت عنده الجرأة يشيل واحدة جسمها متكسر بالطريقة دي، لحد ما جت الإسعاف وشالوها وتمت الإجراءات على آخر اليوم واتدفـ,ـنت في النهاية.. وبعد الدفـ,ـنة قامت خـ,ـناقة كبيرة بين أبويا وعمي، لأن عمي كان شايف إهمال أبويا السبب لأنه كان مكسر سور السطح عشان يعليه أكتر وفضل أكتر من شهر سايبه متكسر ومش عايز يجيب الصنايعي ييجي يعمل السور، في حين إن أبويا كان بيتهمه إن بخله هو السبب وإنه مكنش معاه فلوس عشان يعمله..

وفي النهاية كل واحد دخل شقته وانتهى الموضوع، أو يمكن نقول بدأ، لأن في نص الليل ولأن أوضتي في وش باب الشقة وكان نومي خفيف سمعت صوت فتح الباب وده شيء مبيحصلش في التوقيت ده أبدًا، قمت بسرعة من مكاني وروحت أشوف مين بيفتح باب الشقة ولمحتها.. كانت أمي بتنزل من على السلم بهدوء تام وكأنها مش عايزة حد يشوفها، فتحت شباك أوضتي بسرعة وبصيت عليها وشوفت حاجة غريبة أوي، أمي كانت واقفة في المكان اللي مرات عمي وقعت فيه وكانت بتعمل حاجة، مكنتش فاهمة هي بتعمل إيه ولا قادرة أشوف بسبب الضلمة..

واستنيت لحد ما طلعت مرة تانية، واتفاجئت بيا واقفة قدام باب الشقة ببصلها بفضول واستغراب، خدتها على أوضتي وفضلت استفهم منها، كانت خايفة وجسمها بيترعش وقالتلي إنها كانت بتحصن البيت بتاعنا، حاولت أفهم أكتر وقالتلي إن مرات عمي مـ ـاتت مقتـ ـــولة، وده ممكن يتسبب في مشاكل عشان كدا كانت بترش عدس وملح مكان مـ,ـوتها عشان متحصلش مشاكل، وطلبت مني محكيش حاجة لحد وراحت على أوضتها..

دخلت أوضتي وأنا مش فاهمة أي حاجة من اللي أمي قالته، لحد ما بحثت فعلًا وعرفت إن جداتنا كانوا بيعملوا كدا لما بيكونوا عايزين يحصنوا مكان من العفـ,ـاريت، بيرشوا مكان المـ ـيت عدس وملح، وأمي ولأنها ورثت العادات دي من جدتي كان لازم تعمل كدا، ويمكن تكون صح، لأني فعلًا خايفة من فكرة إن واحدة مـ ـاتت بالشكل ده وقدام البيت على طول، وعدت الليلة اللي فضلت سهرانة فيها ومعرفتش أنام إطلاقًا من القلق والتفكير..

تاني يوم وفي نفس التوقيت سمعت صوت فتح الباب من تاني، واتكرر نفس الموضوع، أمي تطلع ترش الملح والعدس في نص الليل مكان مـ ـوت مرات عمي وتطلع بسرعة قبل ما أي حد يشوفها، ولما سألتها قالتلي إن الموضوع لازم يتكرر ولمدة ٤٠ يوم كاملين ومينفعش نقطع العادة دي ولو يوم واحد، وطلبت مني وأكدت عليا إني مجبش سيرة لأي حد إطلاقًا..

واستمر الموضوع يمكن قرابة الشهر، أمي كل ليلة تخرج وتعمل نفس الموضوع، لحد ما جالها دور برد شديد أوي ونامت في السرير يوم بطوله، وفضلت طول اليوم تهلوس بكلمتين وبس (الملح، العدس) ولما روحت أطمن عليها أكدت عليا إني أعمل اللي كانت بتعمله على مدار الأيام اللي فاتت، وفضلت تأكد عليا كتير أوي..

وعلى نص الليل دخلت المطبخ وطلعت الملح، وفتشت عن العدس لكن مكنش فيه إطلاقًا، فكرت أنزل واشتري وفعلًا خرجت بدون عِلم أي حد ولقيت كل المحلات قافلة، حتى المحل الوحيد اللي كان فاتح لقيت العدس عنده خلصان، وفي النهاية عشان أنفذ وصية أمي اشتريت فول بدل العدس ورشيت الملح والفول في نفس المكان وقولت لو أمي سألتني هقولها إني عملت اللي هي عاوزاه..

وفعلًا تاني يوم أمي كانت أحسن شوية وسألتني وقولتلها إني نفذت وعملت اللي هي عاوزاه، ابتسمت وكانت مبسوطة وأنا كمان ارتحت من جوايا لأني كنت حاسة بتوتر غير طبيعي، وعلى الساعة ١١ بالليل سمعت صوت حد بينادي باسمي، فتحت شباك الأوضة وبصيت، كان الجو ضلمة والشارع فاضي تمامًا، بس قدام عنيا كانت فيه واحدة واقفة زي الصنم، واقفة مكان مـ ـوت مرات عمي، مكنش باين منها أي حاجة غير السواد، وسمعت صوت في وداني بيقول:

ـ شكرًا ليكي.. قفلت الشباك وأنا حاسة بكهربا غريبة ماسكة في جسمي كله، شوية ولقيت أمي بتنادي عليا، روحتلها وملقتش أبويا جنبها وعرفت إنهم اتصلوا بيه في الشغل ومش هيجي غير الصبح، كانت عطشانة أوي وعايزة تشرب، جبتلها مية وشربت الازازة كلها بنهم شديد، وبعدين طلبت مني أجبلها تاني، وفعلًا جبتلها ازازة تانية لكن الغريب إنها شربتها برضه، والأغرب إني شميت ريحة عدس مطبوخ في الأوضة.. فتحت النور وفتشت عن مصدر الريحة، واتفاجئت بعدس مدلوق على المرتبة اللي نايمة عليها أمي..

سألت أمي لقتها اتوتـ ـرت وقالتلي يمكن أبوكي كان بياكل قبل ما ينزل واتدلق منه، وقامت من مكانها جابت العدس والملح ونزلت، ومفيش دقيقة وطلعت وهي مرعوبة وبتتنفض ودخلت على الأوضة وقفلت الباب بسرعة، فضلت أنادي عليها بس مكنتش بترد عليا.. مكنتش فاهمة إيه اللي بيحصل ولا هي شافت إيه تحت، بس شوية سمعت صوت حد في المطبخ بيعمل حاجة، دخلت لقتها أمي، سألتها هي بتعمل إيه بس مكنتش بترد عليا وبعدين زعقت عشان أرجع أوضتي من تاني، وفعلًا رجعت أوضتي وقفلت على نفسي الباب، وكلها ساعة وسمعت صوت صراخ من أوضتها..

جريت على الأوضة وفتحتها وشوفت مشهد غريب ومش مفهوم، وفضلت مركزة عشان أفهم ده إيه، وفي النهاية استوعبت إن فيه حلة عدس مطبوخ ومغلية اتدلقت على راس أمي، ووشها كان أغلبه متشوه وشكله مُرعب، غير الريحة النفاذة اللي كانت خارجة منها.. ناديت على الناس في البيت وطلع عمي يجري وخدناها وروحنا على أقرب مستشفى، وعرفنا إن عندها حـ,ـروق شديدة وهتتحجز في قسم الحـ,ـروق لحد ما تتعافى رغم إن الدكتور قال إن الموضوع صعب جدًا..

وفضلت أمي أيام تتوجع في المستشفى، بتصرخ وتنادي عشان تشرب مية رغم إنها كانت ممنوعة من الشُرب إلا في أوقات محددة وبكميات قليلة جدًا، كانت أكتر كلمة بتقولها: ـ ملح.. ملح كتير أوي.. ودايمًا كانت بتخرج منها ريحة عدس مطبوخ شديدة أوي..

وكنت بزورها في مرة واتفاجئت إنها بتتكلم بهدوء وكأن مفيش أي حاجة فيها، قالتلي بهدوء تام إن هي اللي دفعت مرات عمي من على السطح وهي بتنشر عشان تمـ ـوتها، لأنها كانت مخلية عمي رافض يخلي أبويا يورث الأرض البحرية، وكانت دايمًا بتقول على أبويا وأمي حرامية وعايزين ياخدوا كل حاجة من جوزها، عشان كدا أمي خلت أبويا يتأخر في بُنا السور وكانت بتتمنى إنها تقع لوحدها، ولما لقتها بتحرص دايمًا وهي بتنشر طلعت معاها في مرة وهي بتنشر ومسكت خشبة طويلة وضـ,ـربتها بيها وقعتها..

وعشان خوفها من اللي ممكن يحصل فضلت تعمل موضوع الملح والعدس ده، لكن الموضوع مستمرش واتقلب عليها، وشافت الجحيم من يوم ما اتدلق العدس عليها وهي مش فاكرة ده حصل أمتا وازاي، وقالت إن فيه واحدة كل يوم بتيجي تجبرها على أكل كيس ملح كامل بالضـ,ـرب.. أمي حكت كل ده ومـ ـاتت قدام عنيا، مـ ـاتت وهي بتنزل د ـ,ـم من الفم بسبب جروح شديدة في البلعوم غير الحـ,ـروق الشديدة، وفضلت ريحة العدس موجودة حتى بعد ما اتغسلت واتدفـ,ـنت..

أمي كانت زي كتير مننا، بنستحل حق الناس عشان مصلحتنا الشخصية، ومن كتر ما بنقتنع إن ده حقنا بنحاول نجيبه بأي طريقة حتى لو هنقتـ ـل أو نسـ ـرق، في حين إن الإنسان لو اتغلب على أهوائه وفهم إن اللي مش حقه مينفعش يفكر فيه أصلًا كانت حياته هتكون أحسن كتير، لكن الإنسان دايمًا طماع، ودايمًا الشـ,ـيطان بيتمكن منه إلا من رحم ربي.. وعرفت في النهاية إن الملح والعدس ما هي إلا أسطورة وجهل، وإن الشـ,ـيطان فضل يلعب بيها شوية ويوهمها إن ده بيحميها، مع إنه ولا كان بيحميها ولا حاجة، وإنما كان السبب في هلاكها..

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى