روايات

شقة ابتسام للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

واحدة صاحبتي قالتلي إن فيه واحدة ست قريبة من القاهرة طالبة شغالة تشتغل عندها في شقتها براتب مُغري جدًا، ورغم إني مشتغلتش الشغلانة دي قبل كدا إلا إني كنت محتاجة الشغل ده جدًا، ومحتاجة فلوس كتير الفترة دي بسبب العلاج الشهري اللي كنت بشتريه لوالدتي غير طلبات البيت وطلبات أختي الكفيفة، كلمت صاحبتي عشان تقولي على العنوان وأروح يمكن الست تقبلني..

وفعلًا تاني يوم اتحركت بعد الفجر عشان أوصل على الساعة ٨ الصبح لمكان الست دي، وفضلت أتخيل مع نفسي المرتب الكبير اللي هاخده وازاي هيكون طوق نجاة ليا ولأسرتي بالكامل، ٤ آلاف جنيه شهريًا بالإضافة للأكل والشُرب والإقامة عندها، وكمان بتشتري علاج لو أنا تعبت على حسابها، و٤ آلاف جنيه وقتها كان رقم كبير ومحترم.. نزلت من العربية واتحركت مشي ناحية المكان، منطقة راقية وعمارة سكنية محترمة، بلغت البواب بزيارتي لمدام (ابتسام)، البواب تفحصني بنظرات مريبة وغريبة وبعدين اتصل بالست وسمحلي أطلعلها في أسانسير العمارة، الست استقبلتني استقبال محترم جدًا واتكلمت معايا، عرفت كل التفاصيل وصورت بطاقتي وبعدين وافقت عليا..

حسيت وقتها إني طايرة من الفرحة، مكنتش مصدقة إنها هتوافق بسهولة كدا رغم إني صارحتها إني مشتغلتش الشغلانة دي قبل كدا لكني بنضف البيت وبراعي أمي وأختي وبعرف أعمل كل حاجة.. وعرفت إني هبدأ الشغل معاها من أول الشهر، يعني بعد ٣ أيام بس، وجهزت نفسي وظبطت نومي واستعنت بالله، ربنا مديني صحة أشتغل فعلًا وعندي طاقة، وطالما هلاقي مقابل فأنا مش هستخسر طاقتي فيها أبدًا، ده باب رزق وأنا مش هقول للرزق لا..

وروحتلها أول يوم وكانت المفاجأة الأولى، الست عندها ٦ أولاد، بتتراوح أعمارهم من ١٦ سنة لحد سنتين، مُطلقة من سنة وعايشة في الشقة على نفقة طليقها ومشروع أبوها اللي بيجبلها دخل محترم، وعرفت إني هعمل كل حاجة للست أطفال، نضافة، أكل وشُرب وغسيل، حتى الصغيرين كنت بحميهم وألبسهم وأغير للطفلة الحفاظات، كنت بخلص اليوم من هنا وأحس إن ضهري اتقطم..

١٤ ساعة واقفة على رجلي وبعمل كل حاجة، لكن مشتكتش ولا اتكلمت وكنت بسمع كلامها بالحرف الواحد، واللي زود التعب أكتر إنها كانت أيام كتير بتخرج بالليل وتيجي على الساعة ٣ الفجر تصحيني عشان أنضف أوضتها قبل ما تنام وأجهزلها الحمام عشان تاخد شاور، ومـطلوب مني من تاني يوم أصحى الساعة ٦ عشان الحضانة والمدارس والباصات.. بعد أول أسبوعين بدأت فعلًا أحس بالدوخة والتعب وأكتر من مرة أفقد وعيي من التعب لدقايق وأرجع أقوم تاني، لكن من جوايا قولت هتعود، لما أقبــ,,ـــــض الـ 4 آلاف وأجيب العلاج وابعت لأمي الفلوس هنسى كل حاجة..

ومع الوقت بدأت أطلب منها الأكل لأنها تقريبًا كانت بتنساني، وعرفت إني ممنوعة من اللحمة والفراخ اللي بعملهم، الأكل اللي هاكله هو العيش والجبنة وكام حاجة تاني حددتهم بنفسها.. اتصدمت من ردة فعلها لكني معرفتش أتكلم أو اعترض، ده بيتها وحقها تحدد اللي هي شايفاه صح، واتحملت على أمل إن القبــ,,ـــــض خلاص قرب، لحد ما جه اليوم اللي قبل الأخير من الشهر، الغريب إن اليوم ده فضلت نايمة، كل ولادها غابوا عن المدرسة، كان يوم راحة غير طبيعية نمت فيه لحد الضهر، صحيت اعتذرلها على نومي والغريب إنها كانت هادية خالص وتقبلت اعتذاري..

طلبت مني أفتح شنطة السفر واجبلها صندوق الدهب بتاعها، الصندوق كان فيه يمكن ٣٠ سلسلة دهب، الست كانت مغرمة بالسلاسل، بس كلهم كانوا ملفوفين على بعض ومحتاجين بال رايق عشان تفكهم عن بعض.. طلبت مني أفك السلاسل وفعلًا بدأت أفك سلسلة ورا سلسلة واديهملها، لحد ما دخلت الحمام ورجعتلي كنت فكيت أغلب السلاسل ورجعناهم الصندوق وخرجت من عندها، شوية ولقتها بتنادي عليا بعصبية وبتقولي إني سرقت ٣ سلاسل منهم، اتصدمت من اتهامها وحاولت أبرر وأقول إني معملتش كدا لكنها كان مُصرة إني سرقتها..

طلعت موبايلها واتصلت برقم الشرطة، اترجيتها متعملش كدا لأني فعلًا مسرقتش حاجة، وطلبت منها تفتشني كويس، وفعلًا فتشتني وفتشت أوضتي وملقتش أي حاجة، قالتلي أكيد رمتهم من الشباك لحد تبعي، قولتلها إني معرفش حد في المنطقة، وكمان مكنتش أعرف إن فيه سلاسل ولا إني همسكهم دلوقتي.. قالتلي إن مع الوقت كله هيظهر، وإني هقعد معاها لحد ما تلاقي السلاسل، وجه آخر الشهر وفضلت ساكتة، عايزة أقولها على القبــ,,ـــــض بس هقول ازاي، ولما لمحتلها ثارت فيا وقالتلي إني سارقة سلاسل بـ ١٠ أضعاف المبلغ، وإني لو مسكتش هتبلغ الشرطة وهي معاها بطاقتي وهتدمرني..

وقعدت في صمت تام بدعي ربنا يخلصني من المصيبة دي على خير، اشتغلت عندها شهر تاني وتالت، على أمل إنها تديني أي حاجة، لكن الست كانت مستعبداني بدون أي فلوس، وبدون أي أكل كويس، بل وأولادها بقوا بيتفننوا إنهم يدمروا الشقة عشان أفضل أنضف وأمسح وراهم طول النهار، حتى بنتها كانت بتقضي حاجتها وهي نايمة على السر,,ـــــير قصد، عشان أقوم أنضف وأغسل الملايات وراها..

عشت في عذاب ما بعده عذاب لمدة ٤ شهور كاملين، عايشة زي العبد بالظبط، ١٦ ساعة شغل غير ساعة بالليل لما الهانم بترجع من سهرتها، ولادها كانوا بيشتموني لو عملت أي حاجة معجبتهمش، لحد ما في مرة عيالها استفزوني وكنت خلاص منهارة، وهي نادت عليا وأنا في إيدي السكــ,,ـــــينة، شتمتني عشان تيجي جوايا كم أفكار غير طبيعية، أنا لو طعنتها كل حاجة هتنتهي، هرتاح من العبودية اللي أنا فيها دي، وفعلًا قربت منها وهي شافت الغضب في عنيا والسكــ,,ـــــينة في إيدي، لكن لسبب ما وقفت، ومكملتش، وفضلت ليلتها أبكي من القهر على حالي..

لحد ما صاحبتي أخيرًا عرفت توصلي، ولما عرفت مني كل حاجة شجعتني إني أهرب منها، مكنتش عارفة ههرب ازاي من المكان ده، الوضع صعب ومش سهل أبدًا، قالتلي إننا هنعمل محضر فقد بالبطاقة عشان لو بلغت بالسرقة أقول إن بطاقتي ضايعة، ومفيش عقد يثبت إني كنت شغالة عندها، المهم أعرف أجمع حاجتي وأهرب من المكان..

وفعلًا فضلت أتربص وأراقب المكان لحد ما خدت مفتاح الشقة وحطيت مكانه مفتاح تاني، وعلى الساعة ٥ الفجر جمعت كل حاجتي وهي مكنتش موجودة، أوقات كتير كانت بتتأخر في سهرتها، خدت شنطتي وفضلت أدعي ليلتها ربنا ينجيني وأخرج على خير، لأن لو البواب مسكني هأكد على نفسي موضوع السرقة وهروح في داهية..

ونزلت ولقيت البواب صاحي، وسبحان الله بدل ما يتحرك قدام العمارة زي العادة، سمع صوت ورا بعيد فاتحرك ناحيته، وقتها خدت الشنط وجريت، جريت زي اللي بيهرب من السجــ,,ـــــن لحد ما لقيت عامل كان راكب تروسيكل بيشتغل في عمارة تحت الإنشاء، ركبني معاه وأداني عشرة جنيه كمان أرجع بيها لأن مكنش معايا فلوس..

وأول ما وصلت عملت محضر بفقد بطاقتي، وخليت والدتي تتصل بالست وتقولها بنتي فين، بنتي مرجعتش لحد دلوقتي، وبقت كل يوم تتصل بيها عشان الست تخاف وتقول إني مهربتش، أو هربت لمكان بعيد عن أهلي ومتبلغش عني، وأخيرًا يا أستاذ أحمد خرجت من عندها بعد سجــ,,ـــــن ٤ شهور عشتهم في جحيم.. صاحبتي راحت بعد فترة وعرفت بلاوي، الست دي بتعمل الموضوع ده مع ستات كتير اشتغلوا عندها، تتفنن في اتهامهم بالسرقة وتشغلهم عندها ببلاش، مرة شهرين، ومرة أربعة، لحد ما البنت تهرب منها وتجيب غيرها وهكذا، كانت بتسخرهم لخدمتها وخدمة أطفالها وبس..

لكن اللي مكنش في الحسبان إن ظلــ,,ـــــمك للناس له نهاية، لحد ما عملت كدا في بنت جديدة والبنت هربت فعلًا، الست بصت من البلكونة بغضب وفضلت تنادي على البواب وتصرخ لحد ما اختل توازنها ووقعت من الدور الرابع، وقعت واتكسر جسمها كله والبنت هربت برضه، الست دي كانت مثال للناس اللي بتظلــ,,ـــــم ناس تانية لأنهم أضعف، ومش هيقدروا ياخدوا حقهم.. لكن الويل، كل الويل اللي يستضعف ويظلــ,,ـــــم إنسان مالوش حد يجبله حقه غير ربنا، ده بس اللي المفترض تخاف تظلــ,,ـــــمه لأن كلمة حسبي الله ونعم الوكيل منه ولو في صمت كفيلة تحرك الكون كله عشانه، فاتقوا الله في الضعيف..

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى