
كان في ستات في المنطقة عندنا بيرضعوا الأطفال الصغيرين وبياخدوا أجر على الموضوع ده وقت ولادتهم، كانت الست منهم تعلن للناس بعد ولادتها بفترة بسيطة إنها هترضع وتحط المقابل بتاعها، وكان ناس كتير بيبعتوا أطفالهم في الفترة دي وتخرج هي بفلوس وأوقات مواد غذائية كنوع من أنواع التقدير والهدايا، ولما أمي خلفت ولأن ظروفنا على قدّنا شوية أعلنت للناس إنها هترضع بمقابل..
وبدأ الستات يزورونا ويتفقوا مع أمي اللي اكتشفت إن الموضوع مُجزي جدًا، بل والستات كانوا بيتسابقوا عشان يكسبوا أمي بالفلوس وأكياس الحبوب عشان تقبل أطفالهم، ولما أمي لقت إن الموضوع مجزي طلبت مبالغ كبيرة وحطت شروطها، ناس رفضت الموضوع لأن المبلغ كان كبير وناس تاني قبلوا..
وبدأت أمي ترضع الأطفال حسب الجدول اللي حددته مع الستات وكانت بتتغذى كويس يوميًا، عشان تقدر تكفي كل الأطفال دول، ومشيت الأمور بصورة طبيعية، أنا بروح المصنع أشتغل بالنهار وبرجع بالليل أجهز الأكل ليا ولأمي، وهي طول النهار بترضع الأطفال وقاعدة قدام البيت مع ستات الجيران بيتكلموا ويتسلوا في أي حاجة، وأوقات كانت بتروح ترضع الأطفال في بيوت الجيران لو الأم مشغولة ومش عارفة تجيب الطفل لأمي..
وفضل الحال على كدا لحد ما حصلت حالة وفاة في شارعنا، كان طفل صغير من الأطفال اللي لسة بترضع، أمه بتصحيه لقيته ميت، ودي مش حاجة غريبة لأنها كانت بتحصل كتير من وقت للتاني، بسبب الإهمال وقلة الرعاية كان أطفال كتير بيمـ,ـوتوا، لكن اللي زعلني أكتر على الطفل ده إنه كان أول طفل لأمه وكانت متعلقة بيه أوي لأنه جالها بعد انتظار طويل، لكن كان قدر ربنا ولازم كلنا نتقبله..
وكملت أمي في شغلها وكانت بترضع أخويا الصغير مع الأطفال، لحد ما بعد فترة أمي بدأت تتعب، كانت بتشتكي من ألم وهبوط شديد، ولما روحنا الوِحدة الصحية نكشف الدكتور قال إنها أنيميا وإن الحل إنها تبطل موضوع الرضاعة لأنه مُجهد جدًا عليها، لكن أمي مكنش ينفع تبطل لأن متطلباتنا زادت وتحديدًا لما أخويا اتولد، احتياجاته كانت كتير.. طلبت من أمي تقلل عدد الأطفال لكنها رفضت برضه وقالت إنها هتحاول تاكل أكتر ومتعملش مجهود عشان متتعبش، لكن ورغم كدا التعب زاد عليها، وفضلت فترة على الحال ده لحد ما قالت إنها بقت كويسة والأمور هديت نوعًا ما..
لحد ما دخلت عليها في مرة وهي بترضع طفل من الأطفال، وبدأت أسمع صوت غريب، كأن حد بيتألم جوه، فتحت الباب بهدوء لقيت أمي بتتألم وصوتها بيطلع منها، ومع ذلك بترضع طفل وعمالة تتوجع معاه.. سحبت منها الطفل وحاولت أطمن عليها لقيت وشها أصفر أوي وشكلها مُرهق جدًا، سألتها بإصرار عشان أعرف فيها أيه، لكنها متكلمتش وأصرت إنها كويسة..
وفي نفس اليوم بالليل سمعتها بتتألم بنفس الطريقة، روحتلها لقتها نايمة أو بتحاول تنام، ومن كتر الوجع اتكلمت معايا، قالتلي حاجة غريبة أوي، قالتلي إنها بتحس إن الأطفال اللي بترضعهم بياكلوها، مفهمتش كلامها غير لما كملت وقالت وكأن عندهم أسنان وبينهشوا فيها، هي مبتتعورش لكن الألم بيبقا شديد أوي طول فترة الرضاعة.. أصريت عليها عشان نكشف وفعلًا روحنا لدكتورة، واتفاجئنا إن منطقة الصدر لونها أزرق وفيها ورم شديد أوي، الدكتورة نفسها خافت وقالت إن الموضوع ممكن يوصل لسرطان في الثدي ونصحتها تبطل رضاعة تمامًا..
ولما سألناها عن السبب، قالت إن ممكن يكون فيه تلوث حصلها في المكان ده بسبب الرضاعة لأكتر من طفل بدون تطهير للمكان أو قلة تنظيف وهي اللي عملت كدا، وإنها لو كملت رضاعة ممكن تدمـ,ـر نفسها..
وهنا كانت نقطة النهاية، لازم أمي تبطل الموضوع، وفعلًا بطلت وبلغنا الناس إنها بطلت تمامًا، وبدأت تستخدم مراهم وبرشام لمنع الورم من الانتشار، لكن ورغم كدا الألم متوقفش، بالعكس أمي كانت حالتها بتسوء، والورم كان بيزيد مع الوقت وبتفضل تتوجع بالليل كل ما تيجي تنام، ومكنتش عارفة أعمل معاها أيه، روحنا لدكتورة تانية بآخر فلوس معانا وقالت نفس كلام الأولى، تستمر على العلاج والورم هيهدى مع الوقت..
ونقلت معاها وبقيت أغلب الأوقات بنام جنبها عشان لو احتاجت حاجة أو تعبت بالليل، لحد ما في ليلة وصلت متأخر من الشغل وكانت نايمة ومحبتش أدخل عليها لأن نومها خفيف ومكنتش بتنام الفترة الأخيرة دي.. عملت حاجة بسيطة أكلتها وفضلت قاعدة في الصالة لحد ما نمت من الإرهاق، وبعد نص الليل صحيت على صوت غريب أوي، كأن حد بياكل في حاجة وبيطلع صوت، فتحت عيني وكان المكان ضلمة، لكن لوهلة كأني لمحت طفل صغير بيزحف وحاطط حاجة زي المصاصة في بقه وبياكل منها، وأول ما لمحته لقيته دخل أوضة أمي اللي كان بابها موارب..
فضلت أمسح في عنيا عشان أستوعب اللي أنا شوفته، وبعدين قولت إنه أكيد حلم أو كنت بتخيل اللي بيحصل، ودخلت عشان أطمن على أمي، ولقيت أمي نايمة ومتغطية بس فيه حاجة صغيرة نايمة فوق منها ومتغطية معاها.. توقعت إنها تكون قطة، أو هدوم مثلًا، وأول ما رفعت البطانية من عليها ملقتش حاجة، لكن الغريب إن كانت فيه حاجة بترضع من أمي، حاجة غير مرئية، بترضع في ورم شكله بشع وأمي نايمة وظاهر عليها أبشع علامات الألم اللي في الدنيا..
غصب عني مديت إيدي عشان أمسك الحاجة دي وصرخت، صرخت لما حاجة عضتني، لدرجة إن صباعي نزل د م، أمي صحيت على الصرخة وكان شكلها مُرعب.. عنيها منفوخة ولونها أسود، وشها أصفر وشاحب وشـ,ـفايفها زرقا، كانت عاملة زي الجـ,ـثة، سألتها عن حالتها مقدرتش تتكلم، حاولت معاها تاني لكنها برضه رفضت وفي النهاية نامت، وأول ما خرجت من عندها سمعت صوت عجيب، لدرجة إني مفهمتش ده أيه..
كان صوت طفل بيبكي، فضلت واقفة على باب الأوضة مش مستوعبة الصوت لمدة دقيقة، لحد ما دخلت مرة تانية لقتها شايلة حاجة غير مرئية، شيلاها بحرص وعمالة تطبطب عليه وبعدين بدأت ترضع الحاجة دي مرة تانية، ورجعت تتألم تاني وتتوجع أوي.. المشهد كان كفيل يخليني أخرج من البيت خالص وأنا مرعوبة ومش قادرة أتلم على أعصابي، ولما رجعت بعدها لقيت أمي نايمة والورم بقا شكله بشع وضخم بطريقة لا توصف، ومع ذلك كانت وكأنها بترضع حاجة، والحاجة دي كأنها بتنهش في الورم عشان أمي تتألم أكتر وأكتر..
وفضلت على الحال ده أسبوع لدرجة إني كنت بخاف أدخل عليها، أسمع صوت بكاء مرة، أسمعها بتتألم كتير، لحد ما نادت عليا في مرة، نادت عليا وكانت قاعدة على السرير، والغريب إن مكنش عندها الورم، مفيش أي حاجة ظاهرة، لحد ما فرحت وتوقعت إنها بقت كويسة، حـ,ـضنتها لكنها بعدتني بوهن شديد وقالتلي اللي خلى جسمي كله يتنفض..
قالتلي إنها مـ,ـوتت الطفل الصغير اللي مات في شارعنا، مهو كان من الأطفال اللي كانت بترضعهم، قالتلي إن ضرة أم الطفل جتلها وعرضت عليها مبلغ كبير مقابل إنها تخلصها من الواد ده، وأمي قدام الفلوس والطمع اللي كان مالي قلبها وافقت، وفضلت تفكر لحد ما لقت طريقة سهلة وبسيطة أوي..
راحت لوالدة الطفل ورضعته في البيت وبعدين حضنته بكل قوتها وضمته لصدرها لحد ما اتخنق ومات، وحطته بكل هدوء على السرير وقالت لأمه إنها خلصت ومشيت، وفضل الولد ساكن لحد ما أمه بتصحيه لقيته ميت، وطبعًا استحالة كانت تتوقع إنه مات بالطريقة دي أو إن أمي هتفكر تعمل كدا، لكن واضح إن أمي لما ضمته ضمة المـ,ـوت كانت واضح إنها بتأذي نفسها..
فضلت أبصلها بذهول كبير، ولما سألتها والدموع في عيني على الورم، قالتلي إن الورم خلاص راح، راح وكل حاجة معاه راحت، مفهمتش كلامها غير لما شوفتها، الثدي كله منزوع من مكانه، والدم بينزل بهدوء على جسمها على السرير، معرفش ازاي مشوفتش ده طول ما كانت بتحكي، وبدون كلمة تاني أمي فقدت الوعي..
وكلها ساعة كانت ميتة، كانت أكبر صدمة في حياتي ولسة لحد انهاردة مش قادرة أستوعبها رغم إن أخويا كبر وبقا عنده ٤ سنين، أخويا اللي كنت مرعوبة كل ما كان بيرضع من واحدة جارتنا أحسن تعمل فيه زي ما أمي ما عملت، لكن واضح إن كلهم أحسن من أمي ومبيعملوش كدا في الأطفال.. أمي بس اللي الطمع أعماها ونسيت الأمومة والرحمة وعملت فِعل اتحاسبت عليه في الدنيا، ولسة حساب الآخرة للأسف، واللي هيكون أشد وأشد..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




