روايات

الاعتراف الأخير للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

من شوية جالي تليفون من والدي وكان صوته مخضوض جدًا وبيقولي روح على بيت عمك عشان عمك اتوفى، جريت بسرعة زي المجنون لقيت بنت عمي بتصرخ والجيران متجمعين وعرفت كمان إن عمي لفظ أنفاسه الأخيرة، كلمت دكتور الوحدة اللي حضر فورًا وفعلًا أكد الوفاة اللي كان واضح إنها أزمة قلبية، راجل كبير وده شيء متوقع..

وبما إننا في البلد بنؤمن جدًا بمقولة (إكرام الميت دفنه) فكان لازم اللي موجودين من الرجالة يبدأوا فورًا في تجهيز الميت لحد ما رجالة العائلة يحضروا، كلمت الشيخ اللي بيغسل وفعلًا حضر وقررت أحضر الغُسل بما إن لسة محدش وصل وكل الناس في شغلها، بنت عمي كانت مُنهارة، حاولت أطمنها بقدر الإمكان بوجودي ووقفت على عمي وهو بيتغسل، رغم إن دي كانت أول مرة أحضر حاجة زي دي وكنت متوتر جدًا..

أول ما كشفنا عن وش عمي شوفنا وش كله غضب، كأن فيه حاجة في آخر لحظة من لحظات مو.ته ضايقته، وأنا عارف عمي لما كان بيتضايق كان بيبقا عامل ازاي، المُغسل بدأ يتوتر ومع ذلك حاول يغسله بس جسمه كان تقيل أوي، ولا بيتحرك يمين ولا شمال، وكان لازم مساعدتي..

حاولت ألمس جسم عمي بس أول ما عملت حسيت بقبضة إيده بتمسك دراعي، اتنفضت لورا من الخوف وبدأت أفكر جديًا إني أسيب الغُسل وأمشي، شوية وحاولت أساعد تاني ولوهلة عمي إيده اتحركت تاني وخربشني في دراعي لدرجة إن الجلد نزل قطرات دم خفيفة، حلفت ما أنا مكمل والمُغسل بعد خروجي قدر يغسله ويكفنه كمان.. وقتها كان رجالة العيلة وصلوا وبدأ الكل يستعد لحمل النعش، وبرضه وبما إنه عمي فكان لازم أكون من الأربعة اللي شايلين النعش، وطول ما أنا شايل كنت حاسس بطرقات جاية من جوة النعش فوق كتفي أنا بالأخص، وكأن الميت بيخبط بصباعه على خشب النعش..

كان مشهد عصيب، وبالأخص إن الجرح في إيدي رغم إنه مجرد خدش كان بيوجعني، وكتفي نفسه بقا مش قادر يتحمل تُقل النعش، لحد ما وصلنا للقبر بتاعه، نزلت مع والدي واستلمنا الجثمان ونيمناه على أرضية القبر الرملة وحاولنا نخرج، بس قبل ما نخرج كان المفترض نفك أول عُقدة من عُقد الكفن، وأبويا كان فعلًا متأثر جدًا بمو.ت أخوه، وكان لازم أنا اللي أفكها، ومسافة ما فكيت العُقدة عمي عضني في صباعي..

عضني لدرجة إني صرخت صرخة مكتومة ووقعت على أرضية القبر، جسمي كان متلج وحاسس برعشة في كل أطرافي، واحد من اللي برة لاحظ ده ونزل سندني وخرجني برة القبر، بس كنت خارج وعندي شعور غريب وغير مفهوم، شعور وكأن فيه حاجة اخترقت العامود الفقري، شعاع بارد مخلي جسمي كله بردان ومقشعر قشعريرة وحشة أوي..

ورجعت البيت مقتول من التعب، محتاج أنام ولو قرن كامل، وفعلًا نمت وصحيت بالليل عشان الناس اللي جاية تعزي، ومن مصلحتنا إنها كانت أيام كورونا وكان العزاء يوم واحد بس وانتهينا، روحت على بيت عمي بعد العزاء عزيت بنت عمي اللي كانت قريبة من عمري وطيبت خاطرها ومشيت..

بس قبل ما أمشي من قدام البيت سمعت حد بيكح جوة، كان صوت خشن، يشبه صوت عمي، خبطت عليها تاني وسألتها إن كان فيه حد معاها قالتلي لا، مشيت وأنا حيران، متوتر، غير إن كتفي بقا ملتهب من شيل النعش وألم مستمر من مكان الخربشة، هو عمي عايز يوصلي أيه أو بيفكر في أيه من الأساس، ولا كل دي أوهام في الأول وفي الآخر، يمكن تكون مجرد أوهام فعلًا..

ونمت تاني، نمت زي المقتول وكأني منمتش من زمن طويل، بس كلها ساعة تقريبًا وصحيت على صوت شخير عالي أوي، فتحت عيني وأنا متوتر وفوجئت بعمي نايم جمبي على السرير، بنفس الوش اللي شوفته وأحنا بنغسله، الوش الغضبان المُرعب، قمت أصرخ زي العيل الصغير لحد ما اختفى من قدام عنيا.. وفضلت الأحداث الغريبة دي مستمرة يمكن أسبوع كامل، لحد ما زورت واحد بيتقال عنه إنه شيخ، أداني حاجة زي الحِجاب وقالي أعلقها زي السلسلة ومش هتحصل حاجة تاني، والغريب إن كلامه كان حقيقي، لِأني بعد ما علقتها كل حاجة بدأت تختفي واحدة واحدة..

أبويا قرر يتكفل ببنت عمي من حيث كل حاجة، ويشغل حد على أرض عمي عشان الربح يروحلها كل شهر، روحت لأبويا وطلبت منه يجوزهاني وأنا هكون أمين على الأرض وعليها لِأني فعلًا عاوزها وبحبها، بس الغريب إن أبويا رفض، وقالي البنت محترمة ومتعلمة وأنت عيل بتاع مشاكل ومعتقدش هتوافق بيك، قولتله يعرض عليها الموضوع بس الغريب إن هو نفسه قالي مش موافق..

وقررت أتناسى الموضوع طالما أبويا نفسه مش عاوزني أكون ليها، بس هي كانت عاوزاني، وبدأت تراسلني يوم بعد يوم، تبعتلي رسايل، تطلب مني نتقابل، نتكلم، وإنها بقت خايفة من الدنيا وعاوزاني معاها، وقررت أوري الرسايل دي لوالدي اللي لما شافها قالي إنه هيتأكد بنفسه منها، وفعلًا لما سألها قالتله إنها عاوزاني، وإنها مش هتلاقي أحسن مني، وفي النهاية أبويا وافق وحددنا ميعاد الفرح..

بس الغريب إن مسافة ما حددنا ميعاد الفرح بدأت الأحداث المُخيفة تحصل تاني، خاصة مع أول ليلة لما صحيت ولقيت الحجاب مقطوع من رقبتي ومنهوش بطريقة مُخيفة، وبدأ عمي يظهر تاني يوم بعد يوم، لدرجة إني بدأت أشك إن عمي ممتش، روحت للشيخ مرة تانية وقالي روح عمك لازم تتحبس في قبرها، لازم القبر يتفتح وأرمي جواه السائل ده وبعدها أقفل القبر للأبد..

وعشان أرتاح وأعرف أتجوز بنت عمي كان لازم أعمل اللي قاله، وفعلًا خدت مفاتيح المقابر، وطلعت في نص الليل فتحت الباب، وقبل ما أرش المية الازازة وقعت مني جوة القبر، إيدي كانت بتترعش وحالتي حالة، نزلت القبر أدور على الازازة عشان الباب يتقفل عليا وبعدها أسمع صوت عمي بيقول كلمة واحدة من قلب القبر .. ـ الاعتراف الأخير.. ومن جوايا جالي شعور غريب أوي، شعور غير مفهوم، شعور إني أحكي كل حاجة لأبويا، اتصل بيه وأقوله على كل حاجة، وفعلًا اتصلت بيه ولقيت نفسي بقوله يسمعني كويس..

عمي كان غني، غني أوي، وأنا كنت شغال عامل في الأرض بتاعته وكان بيميزني أكتر من العمال عشان ابن أخوه، كنت طمعان أتجوز بنته عشان كل الورث ده يكون ليا من بعده بدل ما بنته تورثة ويكون لحد غريب، بس طبعًا عمي رفضني وقالي لو جبت السيرة دي تاني هطردك من هنا خالص..

وفضلت مولع نار، شهر كامل بخطط أتخلص منه، وفعلًا سهرت معاه ليلتها بالليل نشرب شيشة، وقدمتله مية فيها سم بطئ المفعول، شربها وروح نام وصحي ميت، وطبعًا محدش شك في وفاته ومشيت الأمور طبيعية، إلا إنه مكنش عايز يتدفن بسهولة، ولما اتخلصت منه ودفنته أخيرًا والأمور بقت كويسة روحت فاتحت بنت عمي في جوازنا، رفضتني تمامًا، وده خلى النار تولع جوايا أكتر..

روحتلها في مرة بالليل ولما فتحت حطيت السكينة على رقبتها، صورتها وهي من غير هدووم وهددتها، لازم لما أبويا يسألها تقول موافقة، وخدت منها تليفونها، وبعت منه رسايل كتير ليا إنها عاوزاني، وطبعًا أبويا لما تأكد وافق، بس أبوها مكنش موافق، ولو كان سكت عن قتله فمكنش ناوي يسكت عن جوازي من بنته وسرقة تركته بالغصب.. ولقيت نفسي بدون وعي جوة القبر، وسامع عمي بيطلب مني أعترف وأحكي كل حاجة، ومسافة ما حكيت كل حاجة ضلمت تمامًا، والأهالي فتحوا القبر لقوا الشاب ميت جمب جثة عمه ولسانه خارج برة بطريقة مقززة وكاتب على الرمل الكلمتين دول؛ (الاعتراف الأخير)..

فكرة إنك تاخد حاجة مش من حقك بالغصب وتفتكر إنك هتاخدها فعلًا تبقا موهوم، لِأنك وقتها هتكون بتضيعها من إيدك، وبتضيع معاها حاجات خاصة بيك، ومن ضمنها عمرك وحياتك وراحة بالك، التعدي على أموال الناس بالباطل جريمة عظيمة ربنا بيعاقب عليها أشد العقاب.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى