
أنا واحدة ست فقيرة أوي، ولو عاوز تعرف فقيرة لأي درجة فأحب أقولك إن إحنا اللي بنصحى من النوم مش ضامنين هناكل كام وجبة في اليوم، وهل هنلاقي اللي يسترنا ولا هنرمي لحمنا في الشوارع عشان تنهش فيه الديابة.. أيوة أنا نعمة اللي اتربت في بيت لأب مخلف تسع عيال، بيت تقريبًا عبارة عن أوضة مفيهاش عفش من كتر الفقر، وطالما فضلت عايش لحد سن عشر سنين فانت بقيت مسؤول عن نفسك، لو ولد تطلع تشتغل في أي حتة، حرام حلال مش مهم..
ولو بنت تروح تخدم في البيوت، حد ضايقها مش مهم، حد ا.بها حتى مش مهم، المهم الفلوس اللي بتخلينا قادرين نقف على رجلينا.. وأنا اللي كبرت بدري وفهمت، فهمت إن فيه ناس غنية ومرتاحة عشان إحنا فقرا، وإن الناس دول هما السبب في الحياة الصعبة اللي أنا عايشاها.. وطلعت أواجه الحياة، واشتغلت أول مرة في شقة في المهندسين، كنت بروح أنضف البيت كله بالنهار وأمشي على بعد العصر..
وعشان أقولك أنا كنت بتعرض لإيه تخيل كل أفلام السينما اللي كانت بتوريك البنات اللي بتخدم في البيوت بتتعرض لإيه، الست كانت بتتفنن في تعذيبي، ضــ,,ـــــرب وإهانة وتعذيب وشتيمة بكل الألفاظ اللي في الدنيا.. كانت بتستنى بفارغ الصبر أبسط غلطة عشان تمسك العصاية وتضــ,,ـــــربني، طبق يقع، كوباية تتكسر، شوية تراب نسيت أشيلهم، مش عارفة ليه المُخرجين مخدونيش أمثل معاهم في الأفلام اللي من النوعية دي..
وكان لازم أتعلم المسكنة، أبكي واستسمحها وأعتذر لها، وطبعًا ماليش أي ضهر، ولا حتى عمود فقري يحميني أو أروح أشتكيله، أبويا بياخد فلوسنا عشان يتكيف بالحشـ ـيش، وأمي نشفت من كتر الفقر وأخواتي كل واحد في وادي.. وكان لازم أكمل واستحمل، استحمل واحدة بتعامل كلبها أحسن مني، استحمل آكل اللي بيتبقا منهم، واستحمل ابنها المُراهق اللي لما جسمي بدأ يظهر كان مسموحله يتحـ ـرش بيا في الرايحة وفي الجاية.. سنين طويلة وأنا مع الست دي، ولا بتكل ولا بتمل من إهانتي وضــ,,ـــــربي، وكأنها بتلاقي متعتها في ده، أو نقص كبير في شخصيتها بتطلعه عليا..
وبدأ يكبر جوايا شعور الكره لكل مظاهر الترف اللي هما عايشين فيه، والكره الأكبر للبشر اللي معاهم فلوس، اللي بفلوسهم استباحوا كل حاجة، حتى البشر اللي زيهم.. ووصلت لعشرين سنة ووصلت الإهانة لدرجة العبودية، وكان لازم انتقام يليق بكل الأيام الأليمة اللي عشتها عندهم، وبما إني بقالي سنين عايشة معاهم ووصلوا لمرحلة الثقة العمياء معايا فأنا كنت عارفة رقم خزنة الست اللي أنا شغالة عندها.. وقررت، وبناء عليه إما السجــ,,ـــــن واللي هو أرحم من العيشة دي، أو انتقام يليق بحياتي الجديدة اللي قررت أدخلها واللي يحصل يحصل..
استنيت كتير لحد ما نزلت الست للنادي وابنها خرج مع أصحابه، وبكل بساطة رجعت الشقة بنسخة المفتاح اللي طلعتها من وراها، فتحت الشقة ومنها لأوضة النوم، وببساطة ٢٢٧٨ واتفتحت الخزنة، وشوفت كمية دهب تكفي إنها تأكل ألف عيلة من الناس اللي مش لاقية تاكل، حطيت كل ده في شنطة وكمان كل الفلوس، طلعت ازازة فيها جاز ورشيت على الانتريه والسفرة والتلفزيون، وبابتسامة مشرقة ولعت في الشقة.. وفي لحظات كنت خرجت من الشقة على الأسانسير اللي كان مستنيني، ونزلت، لحظات وكنت في الشارع وشايفة خيوط الدخان طالعة من الشقة، بالشفا يا ست هانم..
وطبعًا كان لازم أبعد عن بيتنا، وعن أهلي، وعن الدنيا كلها، روحت لواحد بتاع دهب كنت أعرف إنه بياخد الدهب من غير فواتير بس بسعر أقل.. بعتله حاجة بسيطة بحيث أفهم الأول، ومنها على محل لبس فاخر اشتريت كام طقم، ومنها لسمسار عشان يشوفلي شقة إيجار.. يومين وكنت واخدة دش وقاعدة في شقة فخمة في مكان راقي في البلد، غيرت من جلدي بعد ما استغليت كل خبرتي في الكام سنة اللي عيشتهم في المجتمع القذر ده، وكانت الثروة اللي معايا كبيرة فعلًا..
فضلت أصرف منها كتير ومبتخلصش، وكنت ببيع الدهب حتة حتة عشان مقعش بغبائي، وكان الراجل اللي بيشتري دايمًا مبتسم، وطلب مني أجيب كل الدهب مهما كان ومن غير إيصالات، وكأنه عارف إني بجيب الدهب ده من سكة غير مشروعة.. بس بدأت ألاحظ إن الثروة بتخلص، وأنا مكاني مبتحركش، ولو خلصت الفلوس هقع ومحدش هيسمي عليا، سبت الشقة الفخمة وأجرت شقة في مكان شعبي دور أرضي، واندمجت وسط الناس إني يتيمة وجاية من الإسماعيلية أشتغل في القاهرة..
وبدأت أفكر وأفكر في سكة تجيب لي ثروة بدون مجهود، وخدني الطريق لنادي من نوادي الأثرياء، كل واحدة بتروح ببنتها وملبساها طقم دهب كامل.. حلق خاتم سلسلة وفيه أكتر كمان، ولقيت نفسي بشترك في النادي وبدخل كأني سيدة مجتمع، وواحدة واحدة قدرت أدخل وسطهم، الست اللي بتتكلم بتعالي ومهتمة بنفسها جدًا.. وفضلت أسبوع بترصد بيهم لحد ما شوفت ماريا وبنتها، بنتها اللي مكملتش أربع سنين ولابسة دهب يكفيني أعيش منه لسنة قدام..
وأنا كنت ذكية جدًا، وعارفة أمتا أروح وأمتا أجي، اتصاحبت على البنت الصغيرة عشان تثق فيا، وفي سهوة من أمها عرفت أخطف البنت من النادي، وكنت مأجرة عربية بسواقها تاخدني من جوه النادي عشان ميبقاش فيه شهود.. وفعلًا خدت البنت للمنطقة اللي أنا ساكنة فيها، وخدرتها بمخدر كان معايا وحطتها في شنطة السوق الكبيرة، ومنها على الشقة بتاعتي.. الموضوع مكنش صعب على واحدة زيي، خدت من البنت دهبها وفضلت أفكر وأفكر، أنا عارفة إن البنت مش مذنبة، بس بكرة تطلع زي أمها ولا زي الست اللي كنت شغالة عندها، مهو مجتمع بيعشــ,,ـــــق المظاهر إلا قلة قليلة جدًا..
وأنا برحمها من نفسها ومن المجتمع اللي هيطلعها مسخ تظلــ,,ـــــم اللي أقل منها، ومحستش بنفسي غير وأنا بفتكر كل لحظة صعبة مريت بيها، وحطيت فوطة على وش البنت وكتمت أنفاسها، مفيش دقيقة واستكانت البنت خالص.. ولقيت مشكلة جديدة، هودي جسم البنت فين، وقتها افتكرت مشهد شوفته في مسلسل، وبصيت تحت رجلي، دخلت الأوضة اللي جوه وكسرت كام بلاطة ولقيت الموضوع سهل جدًا..
حفرت شوية وحطيت البنت ودفــ,,ـــــنت عليها، وبعدها شوية أسمنت مخلوطين بمية وقفلت خالص، وتاني يوم روحت أبيع الدهب وجاب مبلغ كويس جدًا، ومن يومها بدأت اتفنن في سرقة الأطفال، وعرفت ازاي أشغل تحت إيدي اتنين بلطجية، والسكة بدأت تفتح إيديها ليا، أنا بشتغل على الطبقة الغنية، واللي تحت إيدي شغال على الطبقة اللي تحت منها، وبدأت الجرايد وقتها تكتب عن العصابة اللي بتخطف الأطفال وت.هم عشان الدهب اللي لابسينه..
وده لأن الموضوع توسع معايا لدرجة غريبة، خمس سنين وأنا شغالة، ومشغلة تحت إيدي شبكة كاملة لخطف الأطفال، أجرت اتناشر شقة لدفــ,,ـــــن الجثث عشان كانت أحسن وسيلة للتخفي، وكنت خارج الشكوك كلها في شقتي، بس الموضوع بدأ ياخد منحنى مُخيف، معرفش ده جن ولا أنا بدأت اتجنن..
أنا بقيت بسمع كل ليلة صوت بكاء أطفال، أطفال في شقتي اللي مفيهاش حد غيري وشوية جثث مدفونين في الأوضة جوه، وبدأ الأمر يتطور وبقيت بشوف طفلة واقفة قدام سر,,ـــــيري بالليل، وفي الضلمة كنت بحس وبسمع وكأن فيه أطفال بتلعب في شقتي، وبدأ الخوف الأكبر لما بعض الجيران سألوني هو أنا مربية أطفال في شقتي، وده لأنهم كانوا بيسمعوا صوت أطفال..
وفي ليلة صحيت من كابوس مُخيف، كنت شايفة نفسي بتخنق، حد بي.ني وأنا نايمة، ليلتها صحيت لقيت فيه ظل طفل واقف جنب سر,,ـــــيري، كنت همــ,,ـــــوت وقتها من الرعب، قمت بالعافية زي السكرانة عشان أسمع صوت ضحك أطفال جاي من الأوضة إياها.. دخلت وأنا مرعوبة عشان اتفاجئ بالكارثة، الأرض اتشققت وبقا طالع منها حاجة زي الانتفاخ، حاولت أعالج الأرض بس معرفتش، وبدأت تطلع ريحة وحشة جدًا من الأوضة.. وقتها عرفت إني لازم أسيب الشقة واختفي، وفعلًا روحت لشقة تانية بعيد خالص عن المنطقة دي، وكان القدر وقتها قرر إني أقع..
الريحة خرجت من شقتي ومعرفش ازاي بعد كل الوقت ده، والناس كسروها ودخلوا، واكتشفوا الكوارث اللي جوه، والحكومة جت، وتقريبًا جت كل الجرايد تصور وتلحق السبق الصحفي ده، حتى صور البلاط المنفوخ ظهرت في كل الجرايد تاني يوم، وكل الناس وصفتني بالمسطرة للمباحث.. وبدأت تحريات المباحث تشتغل، قبــ,,ـــــضوا على الاتنين اللي شغالين معايا بسهولة وده لأنهم مسجلين، وبدأ الخناق يضيق عليا أكتر وأكتر وبالأخص لما اتكلمت المذيعة المشهورة عني في برنامج “خلف الحوائط”..
وراح السمسار يبلغ عني لأن تقريبًا مصر كلها كانت بتدور عليا وحالة غليان في الشارع المصري، حتى إن نشرة الساعة ٩ أيامها اتكلمت عني، ومفيش يومين ولقيت قوة من الداخلية بتقتحم شقتي وبتقبــ,,ـــــض عليا.. وعرفت إن وقت المــ,,ـــــوت جه، وإن كل اللي عملته هشوف نتيجته الأيام اللي جاية دي، ومكنش فيه أي فرصة إني أنكر، واعترفت بكل تفصيلة عملتها، من . لسرقة لدفــ,,ـــــن، اعترفت بكل الطرق اللي كنت مشغلة بيها الشبكة من خلال كام بلطجي مشهور..
واتحكم عليا بحكم الإعدام من أول جلسة، وقبل الحُكم جت المذيعة تسمع مني، تسمع من المُجرمة اللي بقت حديث الناس في الشوارع.. ـ أنتي غلطانة صح ولا لا؟؟ ـ أيوة غلطانة، بس مش لوحدي.. ـ تقصدي إيه؟! أقصد إني غلطانة أنا والجار اللي بيسيب جاره جعان مش لاقي ياكل وهو عارف كدا وسايبه، أنا غلطانة أنا واللي بيدفع ملايين للمغنيين والرقاصات وسايب ناس في القرى مش لاقيين رغيف العيش، أنا غلطانة والست اللي بتجيب دهب بآلاف وسايبة الخدامة بتاعتها تاكل من الزبالة..
أنا غلطانة وكل الناس اللي مش مهتمين باللي تحت منهم ولا بيدوهم حقهم غلطانين، واللي منع الصدقة غلطان، واللي دفع فلوس في حاجات مش مهمة غلطان، واللي ظلــ,,ـــــم غلطان، واللي سكت عن الظلــ,,ـــــم ده غلطان.. كلنا غلطانين، كلنا نستحق الإعدام مش أنا بس، حتى أنتي غلطانة لأنك بتقبــ,,ـــــضي آلاف وعمرك ما فكرتي في حد فقير جنبك، في سواق عربيتك، خدامتك، بواب عمارتك، أنتوا اللي بوظتوا ميزان العدل في الأرض فكونت أنا النتيجة، أنا هتعاقب، بس هيطلع ألف غيري لأنكوا مش هتتعاقبوا ومش هتتغيروا..
كلمات خلدتها الصُحف المصرية.. دــ,,ـــــادثة شهيرة نشرت في كل الجرايد المصرية سنة ٢٠٠٣م.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




