روايات

فتاة الدار للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

لما الحال ضاق بيا خالص واحدة صاحبتي كلمتني وقالتلي إن دار (الأمل) للمُسنين طالبين بنت تنضف الدار بصورة يومية وهيتعملها مرتب مخصوص من الدولة وتأمين طبي واجتماعي كمان، مكالمتها دي كانت عاملة زي طوق النجاة بالنسبالي، لأن وضعي وصل الفترة اللي فاتت إني فكرت في التسول، واللي زود شغفي إني أشتغل في المكان ده إن متاح يتعمل ليا سكن، شقة صغيرة تبع التضامن الإجتماعي مجاورة لدار المُسنين..

ولبست تاني يوم وجريت على الدار وقابلت المسؤولة، كان جسمي بيترعش أحسن ترفضني، وده لأني مكنتش مناسبة إطلاقًا، ولا اشتغلت الشغلانة دي قبل كدا، يمكن مشتغلتش في حياتي غير نادرًا، ولولا أخويا اللي نصب عليا وخد كل حاجة في الوِرث كان زماني هانم ومعايا حساب بنكي وقاعدة في شقة كويسة.. وطبعًا زي ما توقعت اترفضت، ولقيت نفسي ببكي لأني فقدت أهم فرصة بالنسبالي، فرصة كانت كفيلة تسترني من حاجات كتير أوي مبقتش قادرة أتحملها، والست لاحظت ده وتقريبًا صعبت عليها عشان كدا فضلت تنصحني وتحاول إنها تجبر بخاطري ولو بالكلام..

لحد ما لقيت راجل مُسن من سكان الدار داخل على المسؤولة، كان اسمه عم (سالم) دخل يطلب منها حاجة ولقيته بص ناحيتي وقال: ـ ازيك يا حبيبة؟؟ بصتله باستغراب شديد وسألته: ـ أنت تعرفني؟! ابتسم وقال إنه يعرفني كويس أوي، وإن أغلب سكان الدار من المُسنين يعرفوني، وإنهم هيفرحوا بيا أوي لو دخلت قعدت معاهم شوية، وسألني أنا جاية المكان هنا ليه، ولما قولتله إني كنت بقدم على الوظيفة ابتسم وقال: ـ ياريت لو قبلوكي كل اللي جوه هيفرحوا ويبطلوا مشاكل..

مديرة الدار سمعت الكلام ولقتها غيرت رأيها وقالت إني هكون معاهم من تاني يوم، كنت هبـ,ـوس على إيد عم سالم اللي كان سبب لقبولي في الشغل وخرجت وأنا فرحانة أوي من المكان، لكن الغريب وأنا في الحديقة لاحظت إن كل شبابيك الدار مفتوحة والمسنين واقفين فيها وبيبصوا ناحيتي.. بصتلهم بتعجب لقتهم بيشاورولي بإيديهم بفرحة، شاورتلهم بحذر وخرجت من المكان وأنا بقول (مين المجانين دول) لكن مش مهم، دلوقتي بقيت في مكان، هيوفرلي سكن ومرتب وكمان وجبات فطار وغدا وتأمين إجتماعي وطبي، يعني حياة متكاملة، غير إن المرتب مش قليل، كويس جدًا، هيكفيني وزيادة..

وفعلًا ومن تاني يوم الصبح بدري نقلت للسكن، وبعدها روحت على الدار، واتفاجئت بممر شرفي معمول من المُسنين وبيستقبلوني، وكله بيسقف ومبسوط وبيرحبوا بيا، وكلهم عارفين إن اسمي حبيبة وعندي ٣٣ سنة، واتفاجئت إنهم عارفين حاجات كتير عني كمان.. الموقف كان عجيب وبدأت من جوايا أحس بخوف غريب، لكن استحالة أضيع الفرصة دي من إيدي، وبدأت فورًا الشغل اللي كان بسيط وروتيني لكنه مُرهق جدًا جدًا، كل يوم بنضف ٣ غرف كاملين نضافة كاملة، مسح وتنضيف وغسيل الهدوم كلها بتاعة النزلاء..

كل غرفة كان فيها ٣ مُسنين، يعني كنت بغسل هدوم تسعة يوميًا، وطبعًا الهدوم كانت مقززة جدًا، لأنهم للأسف كان منهم اللي عنده مرض، واللي عنده زهايمر، واللي مبيدخلش الحمام وبيلبس حفاظات خاصة بيهم، وكل ده كان بيخلي اللبس مقزز جدًا، لكن كان لازم أتعود واشتغل ومشتكيش إطلاقًا.. والغريب إن كل المُسنين كانوا متعاونين تمامًا معايا، رغم إني عرفت إن البنت اللي قبلي كرهت حياتها وسابت الشغلانة بسبب أفعالهم، إنما معايا الوضع مختلف، وده اللي خلى كل اللي شغالين في الدار مستغربين..

وأنا عشان اتأقلم في المكان بدأت أتعرف بسرعة عليهم، على عاملة المطبخ، وبتاع الأمن، والسكرتارية والشؤون والممرضة، وبقيت محبوبة في المكان من أول أسبوع وبساعد في كل حاجة.. لو حد اتعور بساعد الممرضة، لو المطبخ احتاجني بروح، لو الأمن هيدخل الحمام بقف مكانه شوية، وبقيت منتشرة في المكان كله، ومع انتشاري عرفت إن فيه حاجات مش كويسة بتحصل في المكان.. عاملة المطبخ كانت بتاخد فراخ كتير مطبوخة وهي مروحة، وطبعًا كان بيطلعلي نصيب، يعني يوميًا باخد مش أقل من فرختين مطبوخين وكيس فاكهة، وطبعًا كل ده من تحت لتحت..

عرفت إن المُسنين هنا بيخافوا ولازم تهـ,ـددهم بحاجات عشان يسمعوا الكلام، وكل واحد منهم فيه حاجة بيخاف منها، حد بيخاف من الضـ,ـرب، حد بتهدده إنك هتضـ,ـرب عياله اللي هما أصلًا جابوه هنا، حد بتهدده هتمنعه من الصلاة بالليل، وهكذا، عشان يتعاونوا معاك.. وأنا مع الوقت بقيت مضطرة أعمل كدا، لأن أوقات كانت بتحصل منهم كوارث، اللي يعمل حمام في الأوضة، اللي يوقع صواني الأكل ويبهدل السرير، ولما كنت بهددهم كانوا بيسمعوا الكلام، ومعايا أنا بس كانوا بينفذوا بدون أدنى اعتراض، لحد ما عدى شهر كامل وخدت وضعي تمامًا في المكان، وبقيت باخد اللي أنا عاوزاه، أكل وعصاير، منظفات، بطاطين..

كل حاجة كان ليا إني أخد منها عادي لأني بقيت في المكان، لحد ما جت لجنة للمكان وغيروا مواعيد النظافة وبقت يوميًا ٧ الصبح، واضطرت إدارة الدار تغير الشيفت بتاعي عشان يكون بالليل.. وفعلا بقيت ببدأ ١٢ بالليل وبخلص ١٠ الصبح، وكنت زعلانة شوية لأن اامطبخ هيكون قافل والمخزن ومش هعرف أخد حاجة، لكن قولت مفيش مشكلة، طالما هرتاح وهنام ويادوب هنضف من ٧ لـ ١٠ الصبح وهروح السكن أنام..

ومن أول يوم ولما كل المسنين دخلوا الغُرف لقيت باب الأوضة اللي بقعد فيها بيخبط، قمت وفتحت الباب ملقتش حد، بصيت يمين وشمال ولمحت واحدة ست لابسة أسود وبتجري بسرعة غريبة، تجاهلت الموضوع لأني مش مشرفة ولا شغلي أشوف مين نام ومين لا، لكن بعد دقايق الموضوع اتكرر مرة تانية.. تجاهلته تاني ورجعت مكاني، لكن لما اتكرر مرة تالتة قمت وأنا متعصبة ولمحت نفس الست، مشيت وراها بسرعة لقتها دخلت أوضة وقفلت الباب، دخلت وراها لقيت التلت ستات اللي في الأوضة نايمين، فضلت أبص عليهم واراقبهم لكن كان واضح إنهم نايمين، وقبل ما أخرج من المكان، لقيت واحدة بتقولي:

ـ ازيك يا حبيبة.. بصيت بفزع ناحية المكان لقيت واحدة قاعدة على الكرسي في الضلمة وعنيها بتلمع زي القطط، وكانت بتتهز على الكرسي الهزاز بانتظام غريب، بصتلها بخوف وسألتها: ـ أنتي مين؟! ضحكت بصوت مألوف أوي بالنسبالي وقالت: ـ مش فكراني يا حبيبة، ٣ سنين ينسوكي اللي شالتك في بطنها ٩ شهور.. وقتها حسيت بتنميل في جسمي كله، لدرجة إني فقدت القدرة على أطرافي كلها، ولقيت التلت ستات اللي في الأوضة صحيوا، وشالوني، أيوة شالوني كأني طفلة صغيرة، ورموني من شباك الأوضة، رموني من الدور التاني وهما بيقولوا:

ـ مش عايزين ابنة عاقة هنا.. ووقعت من ارتفاع عالي، وقعت على ركبي اللي اتدمرت من الوقعة، وصرخت صرخة مـ,ـوت وبعدها ألم، ألم بشع خلاني أتمنى المـ,ـوت ولا إني أكمل دقيقة واحدة في الألم البشع ده.. الأمن جري عليا وشالوني على المستشفى اللي فضلت فيها ٨ ساعات لحد ما دخلت العمليات وركبت جهاز كامل في رجلي عشان ركبي كانت متفتتة..

عشت أيام قـ,ـاسية دفعت فيها كل ما أملك من مال، إدارة الدار فصلتني بعد الحادثة بتلت أيام وعملوا مذكرة فيا بشهادة المُسنين إن أنا اللي نطيت وإني غير متزنة، وإدارة المستشفى لما ملقتش حد يدفع رموني بره، ورجعت شقتي القديمة الإيجار لقيت المستأجر أجرها لحد غيري، وبقيت في الشارع، بفتكر كل حاجة.. بفتكر أمي اللي كنت بتمنى تمـ,ـوت عشان نبيع البيت ونورث، ولما طال الإنتظار أقنعت أخويا نوديها دار الأمل القريب مننا، وفعلًا مشي في الإجراءات ووداها هناك وباع كل حاجة، وفي يوم وليلة نصب عليا ومخدتش منه جنيه واحد، محامي شاطر وعارف بيعمل أيه كويس..

واترميت للأسف في الشوارع زي الحيوانات، أمي وصلت لرقمي وكانت كل شوية تكلمني، تقولي إنها بتنام كل ليلة بردانة بسبب إن البطاطين قليلة هنا، وإنها عايزة بطانية، وبعدها قالتلي أجي أخدها ومش هتعمل مشاكل وهتسمع كلامي لأنها تعبانة هنا من الناموس ومبتعرفش تنام.. فضلت تكلمني كتير لحد ما مكالماتها اتقطعت وجالي خبر إنها مـ,ـاتت، ماتت وأخويا استلمها ودفـ,ـنها بدون ما أعرف أصلًا، بس اللي مكنتش أعرفه إنها كانت لسة بتظهر في الدار، وكانت بتقولهم إن أنا جاية وإنهم يستقبلوني كويس لحد ما تربيني لأني ناقصة رباية..

قرين غضبان قرر ينتـ,ـقم مني ويدمـ,ـرني، وأنا حاليًا في وسط البلد وتحديدًا في ميدان (………..) بقعد كل يوم على فرشة قديمة أبيع مناديل وبالليل بنام على نفس الفرشة، بنام وسط الناموس والدبان والبرد، زي ما كانت أمي بتنام برضه، بس المرة دي محدش هيلحقني، إطلاقًا.. [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] سورة الإسراء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى