روايات

كـ,ـودية الزار للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

جدتي مشـ,ـلولة يمكن من أكتر من ١٠ سنين، وقعيدة على كرسي مبتتحركش، يمكن من أول ما وعيت على الدنيا وهي بالمنظر ده، ولا بتتحرك ولا حتى بتتكلم، هي مجرد بتشاور وبتتواصل بحركة الوجه والكفين، أمي وخالاتي كانوا مقسمين أيام الأسبوع بحيث كل واحدة تروح يومين تخدم جدتي، ويوم الجمعة كنا بنتجمع كلنا عندها، أما جدي فكان دايمًا صامت، مبيتكلمش، تبص في عنيه تحس إن فيه حاجة بشعة حصلت زمان خلته يفقد النُطق..

جدي كان بيتكلم في أضيق الحدود حرفيًا، ويمكن ماليش معاه أي ذِكرى حلوة في حياتي، ولا كنت بنزل معاه ولا بنتكلم ولا بيلاعبني، ببساطة زيارة بيت جدي وجدتي كانت كابوس غريب بالنسبالي، مكنتش بحس هناك بأي نوع من أنواع الفرحة، بالعكس أنا كنت بفرح لما بنمشي من المكان كله، عكس أصحابي اللي كانوا بيستنوا المناسبات بفارغ الصبر عشان يروحوا بيوت جدودهم ويروحوا الغيط ويفرحوا ويلعبوا..

وفي ليلة كنت بايت مع أمي كالعادة في بيت جدي وصحيت بالليل عشان كنت عطشان أوي، طلعت للصالة عشان أشرب بس بدأت أسمع صوت غريب أوي، كان صوت عامل زي الهمهمات ومش مفهوم إطلاقًا، جاي من أوضة جدي وجدتي، قربت بشويش وبفضول الأطفال ناحية الباب وحاولت أبص من فتحة الباب، بس المكان كان ضلمة تمامًا..

زقيت الباب بشويش لأن المقبض بتاعه كان بايظ ومبيقفلش وبصيت بحذر، وشوفت جدتي قاعدة على الكرسي وإيديها مقبوضة بقوة وملامح وشها منكمشة بطريقة مُخيفة جدًا، وجدي حاطط إيده على راسها وعمال يقول كلام مش فاهم منه حاجة، وهي كانت بتتكلم بصوت الناس المجانين اللي متفهمش منه كلمة، فضلت واقف أراقب اللي بيحصل بتوتر لحد ما فجأة صرخت صرخة مُخـ,ـيفة لسة صوتها بيرن في وداني وبصت ناحيتي وشاورت عليا..

كانت بصة جمدت الدـ,ـم في عروقي وجريت وانا بتنفض واترميت في حضـ,ـن أمي واتغطيت بالبطانية، كان قلبي هيقف من الرعب ومن المنظر اللي أنا شوفته ده واللي مكنش مفهوم إطلاقًا ده أيه، وفضلت طول الليل خايف لحد ما قدرت أصحى من النوم، تحاشيت تمامًا إني أقرب من جدتي أو أبص في عنيها، خاصةً لما لقتها بتراقبني بنظرات مُخيفة وغريبة، حتى لما أمي أدتني صنية الأكل أوديها لجدتي جريت منها ونزلت الشارع..

وفضلت طول اليوم أزن على أمي عشان نمشي من هنا، وعلى آخر النهار كنا خارجين من البيت، وأخيرًا قدرت أشم نفسي وأحس إن أنا أتحررت من الرعب ده، رجعت بيتنا ومارست حياتي من لعب وشقاوة وأكل وشرب، كنت مبسوط أوي طاير من الفرحة، لحد ما آخر الليل نمت ومبقتش قادر أتحرك من الإجهاد..

وعلى نص الليل تقريبًا سمعت حركة غريبة في الأوضة، قمت وأنا مشوش الذهن لقيت باب الأوضة بيتفتح، توقعت إنها أمي بتطمن عليا، بس للأسف مكنتش أمي، دي كانت جدتي على الكرسي بتاعها، كانت قافلة فتحة الباب وقاعدة على الكرسي وبتبص ناحيتي بصات مُفزعة، انكمشت مكاني وفضلت أراقبها برعب لقتها بتقوم تقف.. وقفت فعلًا وبدأ جسمها يستطيل ويضخم لحد ما وصلت للسقف، ووقتها مكنش ينفع غير إني أفضل أصرخ وأصرخ لحد ما البيت كله صحي وفضلت أعيط طول الليل ومكنتش قادر أحكي نص كلمة، وعدى يوم واتنين وتلاتة لحد ما لقيت أمي بتطلب مني أجهز عشان نزور جدتي..

بدأت أعيط من تاني وأصرخ عشان مروحش، وطبعًا ده العادي بتاعي، مسكتني وضـ,ـربتني علقة محترمة ولبستني بالعافية وجرتني جر على هناك، وده لأني ببساطة مينفعش أقعد لوحدي وأبويا في الشغل، وروحت على البيت مرة تانية وأنا عارف إني هفضل أحسب الدقايق والثواني لحد ما نمشي من البيت ده في النهاية، بس المرة دي الوضع كان مختلف، مختلف تمامًا.. لقيت جدي لابس الجلبية ومتزين وجدتي على الكرسي لابسة لبس الخروج، أمي استغربت جدًا وسألت جدي فقالها إنهم رايحين مشوار، كنت همـ,ـوت من الفرحة لكن فجأة جدي بص ناحيتي بصة غريبة وقال:

ـ هناخد كريم معانا.. اتقبض قلبي مكانه، أمي بصتلي بابتسامة وقالتلي:. ـ تروح مع جدك وجدتك يا كريم.. بصتلها برعب وهزيت راسي بمعنى لا، جدي ابتسم أكتر ومسكني من إيدي اللي بتترعش وقالها: ـ ساعة وهنيجي يا منال.. ونزلت مع جدي وأنا ريقي ناشف، مش عارف أنا ممكن أهـ,ـرب منهم ازاي، ساعد جدتي وركبها العربية وركبت أنا جمب جدي قدام، وطلعت بينا العربية، ولأول مرة العربية تمشي من مدقات ومسارات زراعية عمري ما مشيت منها..

سألت جدي بخوف: ـ أحنا رايحين فين يا جدي؟! ـ رايحين فرح يا حبيبي.. ومنطقتش بنص كلمة تانية، وصلنا لبلد جمبنا بعد تلت ساعة ونزلنا، حطينا جـ,ـدتي على الكرسي وبدأنا نزقها لحد ما وصلنا لبيت قديم أوي وعليه زينة كتير من برة، سألت جدي من تاني: ـ هو ده الفرح يا جدي؟؟ ـ أيوة يا حبيبي.. ودخلنا جوه البيت لقينا ستات كتير أوي، استقبلتنا واحدة ست ورحبت بينا وبصت ناحيتي بضحكة غريبة وقالت: ـ هو ده يا حاج؟؟

ـ أيوة هو ده كريم.. بلعت ريقي بالعافية وقعدت أنا وجدي في صالة البيت وخدوا جدتي على جوه، كانت فيه ريحة بخور تقيلة أوي مكنتش قادر أتنفس بسببها، وكانت فيه دوشة كتير، كل الستات بيتكلموا بطريقة غريبة، وبعد شوية قدمولنا أكل، فتة ولحمة، ومكنش ينفع ماكلش، وبعدها شربوني عصير لونه أحمر معرفش أيه نوع.. وبعد شوية لقيت جدتي على الكرسي وطالعة، بس كان عليها كفـ,ـن أبيض بالكامل، شكلها كان عامل زي الموميا المتحنطة، بصيت لجدي برعب لقيته طبطب عليا وقال:

ـ متخافش.. وبعدين اتجمعوا الستات كلهم على هيئة دايرة وحطوا الكرسي بتاع ستي في النص وهي عليه، وجابوني قعدوني على حجرها، مكنتش قادر أنطق بنص كلمة وأنا قاعد على حجر واحدة بخاف منها وكمان لابسة كفـ,ـن، ولقتهم بينادوا وبيقولوا: ـ نادوا ستنا الكودية.. وجت الكودية اللي كانت لابسة عباية بيضا وسلاسل كتير أوي، وبدأت تنادي وتقول: ـ يالا نبدأ الفاتحة..

وفورًا بدأت الستات يضـ,ـربوا على الدُف بهدوء شديد وأنا مكاني متجمد، مشلول، مش عارف أنطق بنص كلمة، بس بعد دقيقة واحدة بدأ الموضوع يتطور بطريقة مُخيفة جدًا، بدأ الضـ,ـرب على الدف يبقا أسرع، وبدأ الغُنا من أكتر من عشر ستات بأصوات غير مفهومة بالمرة، وبعدها بدأ صوت مزمار عالي يظهر..

هنا حسيت بحركة جسم جدتي اللي كنت على حجرها، كانت بتتهز يمين وشمال على الإيقاع، وفي لحظة لقيت الكودية دي جابت ديك أسود ودبـ,ـحته فوق جدتي ونزل الدـ,ـم غرقني وغرقها، في اللحظة دي بس بصيت في عين جدتي لقتها بيضا زي التلج، وكانت باصة ناحيتي بثبات رهيب، وفي لحظة شالتني وقامت وقفت وبدأت تروح وتيجي وتتهز، كل ده وهي شايلاني، وعنيها أبيض من بياض الثلج..

بدأت أغيب عن الواقع من فرط الرعب اللي كنت فيه، خاصةً إن عنيها كانت مسلطة عليا بطريقة توقف القلب عن النبضات، وبدون وعي مني بدأت أقرأ آية الكرسي زي ما كان أبويا بيعلمني كل يوم قبل ما أنام عشان تحميني، قرأتها في سري.. وبعدها بدون وعي بدأت أعلي صوتي، ورغم إن صوتهم كان عالي بس صوتي خرج بقوة، ورددتها بأعلى صوت ممكن، في اللحظة دي حسيت إن جسم جدتي بيسخن بطريقة مُخيفة، وبدأت تترعش وتتهز بعنف أكبر، مرة واتنين وتلاتة لحد ما وقعت في الأرض..

ووقف الزار تمامًا، ووقع جدي هو كمان من طوله، ولقيت نفسي بدون وعي بخرج من البيت وبجري في الشارع ومن قلب البيت بدأت أسمع صراخ، صراخ رهيب جدًا، روحت الموقف وكلمت راجل ماشي في الشارع وركبني ودفعلي الأجرة ورجعت البيت، فقدت النطق لأكتر من شهر كامل، جدتي ماتت في البيت وجدي اتشل تمامًا.. وفضل الموضوع لغز كبير، لغز محدش عارف سره وأنا رافض الكلام تمامًا، لحد ما بعد عشر سنين كاملين كان جدي على فراش المـ,ـوت، وكانت أول مرة يتكلم لما طلبني عشان يشوفني، وبدأ يحكيلي أغرب حكاية ممكن أسمعها في حياتي..

قالي إن من سنين طويلة أوي جدتي جابت عرافة تعملها تميمة في البيت عشان تجلب الرزق لأن حالتهم كانت صعبة أوي ومكنش عارف يجوز البنات، وفعلًا جت العرافة وعملت التميمة وعلقوها على صدر جدتي زي السلسلة، وفضل الحال على ما هو عليه فترة من الزمن بدون ما يحصل أي تغيير.. وبدأ حال جدتي يتدهور بطريقة مُخيفة جدًا وبدون أي سبب، لحد ما المرض تمكن منها وحصلها شلل كامل، واللي عرفه جدي منها إنها في لحظة غضب حـ,ـرقت التميمة وتقريبًا أذت الحارس اللي عليها فاتعاقبت، وإن العقاب ده مش هيتفك غير بحد من نفس الدم وبعد سنين طويلة..

وفضلت جدتي مشلولة سنين طويلة أوي، لحد ما ظهرت أنا، ولسبب ما بدأت جدتي تقول لجدي إني هكون السبب في شفائها، وبالأخص يوم ما شوفته بيقرأ عليها في الأوضة، وراح جدي لنفس العرافة إياها بتاعة التميمة، وقالت إننا هنعمل زار، زار يطرد الأذى ويشفي جدتي، بس لازم أكون أنا موجود.. وفعلًا روحت، وحصل تلبس لجدتي وقت الزار، بس آية الكرسي أذت اللي عليها يومها، وخرج منها بعنف ومقدرتش تستحمل ومـ,ـاتت، وكان لازم العقاب يستمر فنزل الشلل على جدي من بعدها..

حكالي جدي الحكاية دي ومكملش ساعة وكان ميت، كلهم حزنوا وبكوا عليه إلا أنا، أنا اللي من فضل الله اتربيت في المسجد وعرفت يعني أيه رزق يا أستاذ أحمد، أنا اللي عارف إن أبواب الرزق بتتفتح بالدعاء والصدقات مش بالتمائم، أنا اللي عارف إني لما بقع في بلاء بلجأ لله يرفعه عني مش بحارب النار بالنار.. غلطوا مرة اتشلت جدتي، وغلطوا نفس الغلط تاني فماتت جدتي واتشل جدي، وده لأن استحالة يجي خير من الموضوع ده، استحالة ثم استحالة ثم استحالة..

[وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ] سورة الذاريات بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى