روايات

أموال سامة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أيام ما كنت بخدم في البيوت اتعرفت على واحدة ست اسمها (الحجة حليمة) ست من اللي هتعيش عمرك كله ومش هتلاقي زيها، ست مسخَّرة نفسها للفقراء والمحتاجين، كانت عاملة شقتها مخزن لأي تبرعات ممكن تيجي من معارفها، حبوب، لحوم، فلوس، ملابس، أي حاجة كنت بتلاقيها عندها.. وكانت بتجمع البنات اللي زيي بصورة شهرية وتديهم مبلغ شهري وشوال كبير فيه مواد غذائية تكفيهم شهر كامل غير الملابس والهدوم، واللي كان عندها أطفال كانت نفقتها بتزيد، واللي تعرف حد محتاج كانت بتاخد الضعف..

كانت بتنزل معانا للأرياف وتشوف الناس المحتاجة وتخصص لهم مبالغ، عملت أسقف لبيوت كتير، وصلت مية وكهربا لبيوت تانية، عملت شنط غذائية بالمئات، ودفعت مبالغ مالهاش أول من آخر.. ومن كتر ما بقت ثقة وسط معارفها بقا بيجلها تبرعات كتير أوي، لدرجة إنها عملت جمعية خيرية صغيرة وقررت توظفني أنا وبنتين كمان نساعدها في توزيع التبرعات ولينا مرتب شهري.. واشتغلت معاها شهرين وشوفت بعنيا ملايين بتروح لناس محتاجة، شوفت جوازات بتكمل ومشاريع بتتفتح وديون بتتسدد وناس بتخرج من السجون، وكله بسبب الحجة حليمة، لحد ما ماتت فجأة بدون أي مقدمات، مـ,ـاتت وهي بتعمل عُمرة واتدفـ,ـنت هناك في السعودية..

الغريب إنها كانت بتتمنى ده وقالته أكتر من مرة، وبعد مـ,ـوتها حسيت وكأن كل حاجة حزنت، لدرجة إن الخبر لما كان بيوصل للناس كانوا بيبكوا بالدموع عليها، ست كان التراب اللي بتمشي عليه بيحبها، بس للأسف بعد مـ,ـوتها كل حاجة وقفت.. الناس اللي بيتبرعوا مبقاش عندهم ثقة في أي حد من بعد الحجة، والجمعية اتقفلت وكل واحد راح لحاله، ورجعت أنا أخدم في البيوت، واتمرمطت في الفترة دي أوي لأني كنت خدت على الراحة والشغل النضيف والمكانة الكويسة لقربي من الحجة..

وفضلت على الحال ده لحد ما جتلي مكالمة غيرتلي شكل حياتي تمامًا، راجل من اللي كانوا بيتبرعوا للحجة كلمني وقالي إنه عاوز يشوفني ضروري، وفعلًا روحت وقابلته، راجل غني وله مكانة كبيرة أوي، قالي إنه عايز يكمل شغل الحجة وميوقفش الخير اللي بيتعمل، حتى لو هنبدأ بحاجة بسيطة.. وأنا من الأرياف وأعرف ناس محتاجة كتير، هروح وأعمل كشف محترم وهو كل شهر هيبعت عربية فيها أغذية وفلوس ومنتجات هتتوزع وليا نسبة بسيطة منها مقابل شغلي وحددناها مع بعض، وكان اللي يكفيني طول الشهر وكنت راضية أوي..

وفعلًا ومن تاني يوم بدأت أتجول في البلد والبلاد اللي حوليا، عملت فحص وتمحيص لكل البيوت لحد ما فعلًا عملت كشف محترم، ٥٠ أسرة يستحقوا مساعدات شهرية، ودول اللي هبدأ أوزع عليهم من الشهر اللي بعده.. وكلمت الراجل وأديته الكشوفات وبلغته بالحالات وبدأنا الشغل، وفعلًا الراجل كان بيبعت المطلوب وكنا بنوزع على الخمسين أسرة، ٦ شهور كاملين لحد ما بدأت تحصله ظروف وبدأنا نقلل العدد لحد ما بقينا بنوزع على عشر أسر، وكان كلهم أرامل..

ومن جوايا حسيت بالخطر، وحسيت إن الراجل هيفلس أو هيلغي الموضوع، وأنا اتعلقت بيه وممكن معرفش أرجع شغلي تاني، وكان لازم أحس بالأمان وآخد زي ما الستات بياخدوا، فكنت باخد زيادة عن الحصة المتفق عليها.. كنت بطلب منه وبقوله إني محتاجة وهو مكنش بيعترض وقالي آخد اللي أحتاجه بدون ما أرجعله مفيش مشكلة، لحد ما واحدة من الستات اتحجزت ببنتها في المستشفى وكلمتني، ولما بلغت الراجل قالي أروح المستشفى وأشوف عملية بنتها هتتكلف كام..

وفعلًا روحت وعرفت إن العملية هتتكلف ٢٠ ألف، ولقيت نفسي بقوله ٣٠، وفي نفس اليوم كان حولي المبلغ، دفعت الـ ٢٠ للمستشفى وقولت الـ١٠ هخليهم معايا للمواصلات ومصاريف ما بعد العملية أكيد مش هاخدهم لنفسي.. وخلصت العمـ,ـلية والبنت خرجت والمستشفى رجعت كمان فلوس، وركنت الباقي مع العشرة لأي ظرف بدون ما أبلغه، وهو كلمني وقالي لو واحدة من الأرامل حصلها أزمة مرضية أو مشكلة أكلمه وهيبعت على طول، وفعلًا بدأت أكلمهم كل شوية لو واحدة عندها ظرف، بتاخد علاج، عندها أطفال في مدارس..

وبدأت أزود معاهم الفلوس لو راحوا مستشفيات عشان يعملوا فحوصات معينة، حتى لو مكنش فيه تعب، عشان أبعت التقارير للراجل ويبعت فلوس، وكنت باخد منها نسبة وأدي للست نسبة، وفعلًا منهم اللي بقا بيسمع كلامي، ولما كنت بقولها روحي العيادة الفلانية والممرضة هتعملك تقرير كانت بتروح وكنا بنخترع عملية بـ ١٠ آلاف ونبعت للراجل وناخد الفلوس.. عملت من الموضوع ده مبلغ محترم، لحد ما واحدة منهم فعلًا كانت هتعمل عملية، وعرفنا إنها هتتكلف ٧ آلاف، وأنا كلمت الراجل وقولتله ١٥ ألف، وبعد شوية لقتها بتتصل بيا وهي مخضوضة..

قالتلي إن الراجل كلمها وسألها وقالتله إن العـ,ـملية بـ ٧، ولقته متعصب وقفل معاها السكة، جسمي كله اتنفض لما عرفت، الراجل شكله شك فيا من كتر الطلبات، وقرر يدور ورايا، وده راجل واصل وممكن يعمل فيا حاجة أو يسجني.. كلمت الست وقولتلها تكلمه وتقوله إن العملية بـ١٥ وإنها غلطت، لكنها رفضت وقالت إن دي سـ,ـرقة والراجل جزاه الله خير كفاية إنه بيساعد مش هنسـ,ـرقه كمان، حاولت معاها باللين رفضت تمامًا، هددتها إني هقطع عنها المعونات وفلوس المستشفى لكنها فضلت على موقفها بل قالتلي إنها هتحكي للراجل كل حاجة..

قفلت معاها وأنا مرعوبة، وفكرة إن الراجل ميكلمنيش حتى ده معناه إنه أكيد مش هيعدي الموضوع بالساهل، ومكنش قدامي حل غير إني أجبر الست دي تكلمه وتقوله إنها غلطت في الرقم، كلمت واحد معرفة، عيل بلطجي كان بيحميني أوقات بالليل وبياخد فلوس، قولتله يروح يهددها ببناتها ويصورها صور مش كويسة وهياخد مبلغ محترم.. فرح أوي بالموضوع وخد فلوسه مقدم، وفعلًا راح، وفضلت متوترة لحد ما رجع وطلب يدخل البيت عشان يحكيلي اللي حصل، وأول ما دخل طمني وقالي إنه صورها واعتدى عليها وأجبرها تغير كلامها، بس محتاج كوباية شاي عشان يوريني الصور..

دخلت أعمله أحلى كوباية شاي لقيته دخل ورايا وحط السـ,ـكينة على رقبتي، هددني لو نطقت هيخلص عليا، قالي إنه راح لقى ست مسكينة بتربي يتامى، رفضت تاخد فلوس حرام وكانت بتحلفني بالله مقربش منها، فاستحقرت نفسي واستحقـ,ـرتك أكتر.. واعـ,ـتدى عليا، قالي إن اللي تستاهل هي أنا مش هي، وصورني تحت تهـ,ـديد السـ,ـلاح، ومش بس كدا، ده كان بينتـ,ـقم مني، بعت الصور للراجل وحكاله على كل حاجة، وقاله إني حرامية، وإني عاهـ ـرة وبعمل الحرام ومشغلة فلوسه في الحرام..

وتاني يوم بس كنت في القسم ومعايا الممرضة اللي كانت بتضـ,ـرب ورق العمليات، واتحكم عليا في قضية نصب والخبر انتشر والكل لعني ألف مرة واتمنولي المـ,ـوت، معرفش ليه افتكرت وقتها الحجة، افتكرت الست اللي مـ,ـاتت وتراب الأرض بكى عليها، وأنا اللي الكل بيلعني دلوقتي حتى البلـ,ـطجي.. المال الحرام، هو المال الحرام، اللعـ,ـنة اللي هتدمر حياتك وهتدمـ,ـر آخرتك، لو ربنا وكلك على مال ناس أو مصالح ليهم إياك تخـ,ـون الأمانة، إياك.. [إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا] سورة النساء

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى