
أسوأ حاجة في الشقة الجديدة اللي أجرتها أنا وابني هو المبنى اللي في وش العمارة بتاعتنا بالظبط، مبنى قديم ومتهالك وشكله مُخيف بطريقة كبيرة؛ عبارة عن عمارة قديمة جدًا آيلة للسقوط مُحاطة بسور كبير عبارة عن مقلب زبالة، و الأسوأ كان وقت الليل لما كنت بشوف دخان طالع من جوة المكان ده، البعض بيقول إنه ملجأ للمتسولين وتجار المخدرات، والبعض بيقول إن الدخان ده بيطلع من زمان كل ليلة بدون أي سبب مفهوم..
أيًا كان السبب فأنا حقيقي بقيت بخاف أفتح شباك شقتي بالليل بسبب الرهبة اللي بحس بيها أول ما عنيا بتلمح المبنى ده، لدرجة إني منعت ابني إنه يلعب بعد العشا قدام العمارة بسبب خوفي عليه، مانا للأسف بقيت مضطرة بعد موت زوجي وجشع أخواته اللي قدروا ياخدوا مني كل حاجة إني أقوم بدور الأم والأب وإني أوفر سُبل المعيشة لابني الصغير في زمن بقت الرحمة مش من مفرداته..
واتفرمت وعرفت يعني أيه شغل في القطاع الخاص، وعرفت أد أيه أنا كنت ظالمة جوزي اللي كنت بنعته بالإهمال والتقصير عشان بيرجع من شغله ينام، وفي النهاية اشتغلت كول سنتر في شركة مبيعات بمرتب يادوب ناكل ونشرب وندفع الإيجار.. شعور الأمان اتنزع من جوايا وبقيت شايفة الحياة من غير راجل اتسند عليه قاسية، بل ومميتة وهتفرمني بين تروسها أنا وابني في أي لحظة، وكنت للأسف بجبر ابني كل يوم يفضل في الشقة من الصبح لحد المغرب وأقفل عليه الباب..
كنت بفضل طول اليوم في شغلي قلقانة ومرعوبة إنه يعمل حاجة، خاصة إنه لسة طفل عنده سبع سنين، وكنت كل يوم بروح بلاقيه بيبكي وزعلان إني حبساه في الشقة لوحده وإنه بيخاف وحاسس إنه لوحده.. كلامه كان بيقطع فيا، بس غصب عني مكنتش لاقية حل غير ده، جربت مرة اخده معايا الشغل وكنت هتطرد من المكان بسبب أفعاله للأسف، ونمت ليلتها وأنا ببكي وبدعي ربنا يصبرني ويقويني على حياتي دي..
ونزلت تاني يوم ودموع الليلة اللي فاتت لسة بتنزل، كنت حاسة إني مضغوطة، خايفة، ومش شايفة أي ملامح ولا ليا ولا لابني، في الوقت ده لقيت طفل واقف قدام المبنى القديم وكان بيبكي.. قلبي اتقهر عليه خاصةً إنه فكرني بابني سليم، قربت منه وسألته بابتسامة: ـ أنت بتعيط ليه يا حبيبي؟؟ بص ناحيتي ودموعه وقفت تمامًا وفضل يتأمل فيا بثبات غريب، تأملته أنا كمان بهدوء، طفل تقريبا ١٢ سنة، هدومه مقطعة وعنده جرح في جبهته وشكله متبهدل على الآخر، ابتسمت أكتر وقلتله:
ـ طيب محتاج حاجة أجبهالك؟؟ بص ناحيتي بعمق أكتر وفتح بقه وشاور ناحيته، طبطبت عليه وقولتله: ـ طيب أقف هنا هشتريلك أكل من المطعم القريب اللي هنا وهجيلك.. وروحت بسرعة اشتريت تلت سندويتشات بالعشرة جنيه اللي كنت هاكل بيها طول اليوم ورجعتله بسرعة، بس مكنش موجود، دورت عليه يمين وشمال بس كان اختفى.. خفت أدخل للمبنى جوة بصراحة ومشيت بسرعة عشان ألحق شغلي، وكملت شغلي طول اليوم اللي كان مُرهق جدًا بسبب مشكلة عملتها مع زميلة قديمة اسمها نرمين حاولت تعاملني بأسلوب قذر بس أنا صدتها..
رجعت بيتي وأنا منهكة، تعبانة، بحاول أجمع ابتسامة عشان أواسي ابني اللي واثقة إني هلاقيه بيبكي وزعلان، دخلت الشقة لاقيته مبتسم وقاعد منتشي بطريقة غريبة.. قربت منه باستغراب وقولتله: ـ غريبة شكلك مش متضايق انهاردة يعني.. ـ أصلي اتعرفت على حسن ولعبنا انهاردة مع بعض.. ـ حسن مين يا حبيبي؟! ابتسم أكتر وسكت، فكرت إنه ممكن يكون شاف كرتون جديد عجبه، دخلت حضرت الأكل وكلنا ودخلت عشان أنام، بس قبل ما أنام لقيت ابني متردد شوية وواقف قدام باب الأوضة..
ناديت عليه وطبطبت عليه بحنية وطلبت منه يقولي هو عاوز يقول أيه، وبتردد كبير اتكلم وقال: ـ حسن بيقولك متديش الباسوورد بتاعك بكرة لأي حد يطلبه منك.. قالها وخرج من الأوضة بسرعة، ناديت عليه مرة واتنين بس مرضيش يرد عليا، حاولت أنام رغب استغرابي من كلامه، وفين وفين لما نمت، بس تاني يوم ووسط شغلي فوجئت بعلا زميلتي بتطلب مني حسابي عشان تبعت منه رد لعميل لأن حسابها مبيفتحش..
الموضوع عادي وبيحصل يوميًا، وكل يوم حساب بيتوقف وبنحاول نرجعه، ووقتها بنساعد بعض كزملاء، بس قبل ما أديها باسوورد الحساب بتاعي افتكرت كلام ابني، ولقيت نفسي بتحجج بحجة ضعيفة إني مش فاكراه ومش عايز يفتح وشكلي مش هعرف اشتغل أنا كمان انهاردة.. وكملت اليوم وهي بتبصلي بصات مش مفهومة، وعلى بالليل لقيت رسالة من رقم غريب على الواتس بتقول الآتي: ـ نرمين اللي زعقتي معاها امبارح بت مؤذية لأبعد مدى، وسمعتها بتتفق مع علا عشان ياخدوا ايميلك ويبعتوا ردود تورطك مع العملاء وهيخلوا موقفك صعب وممكن تتحولي للشؤون القانونية ساعتها خلي بالك..
الرسالة خوفتني أوي، وفكرتني بكلام ابني، جريت عليه وحاولت استفسر منه على الكلام اللي قاله امبارح، الغريب إنه عمل نفسه مش فاكر أي حاجة وسابني وجري، كنت حاسة إني هتجنن من طريقة رده عليا، وفضلت طول الليل بفكر وقلقانة من الرسالة اللي جتلي.. وتاني يوم فوجئت بمشرف التيم بيطلبني في مكتبه، دخلتله وأنا مستغربة عشان يفتح السيستم ويوريني ردود قاسية مني بوظت علاقة الشركة بتلت عملاء مهمين جدًا.. كنت هتجنن، استحالة أكون رديت بالطريقة دي، وضحتله إني مغيرتش الباسوورد من يوم ما خدته منهم وإنه سهل حد يتوقعه لأنه
AAA123456 اتهمني بالإهمال لأن دي مسؤوليتي وإنهم نبهوا اللي يستلم حساب ع السيستم لازم يأمنه جدًا ويغير الباسوورد، واتحولت للتحقيق واتخصم نص مرتبي تقريبًا.. خرجت من مكتب المدير ودموعي على خدي وأنا مقهورة، حرفيًا مش عارفة هاكل أنا وابني الشهر الجاي ازاي، يادوب القبض كله هيروح للإيجار، طيب وبعدين، قعدت على مكتبي وبكيت في صمت، وقتها شوفت الشماتة في عنين نرمين، وتوقعت إنها تعرف حد من الـIT جبلها الباسوورد بتاعي..
استأذنت لأني تعبانة ورجعت شقتي ودموعي على خدي، وحاولت أبعد عن ابني ودخلت أوضتي وفضلت أبكي وأبكي وأبكي، حاسة إن طاقتي خلصت بدري، وبقيت شايفة الفقر والحوجة بيبصوا ناحيتي بانتصار، وكل ما كنت بفتكر ابني كنت بخاف أكتر عليه.. ووسط بكائي حسيت بإيد بتطبطب عليا، كان ابني سليم، ح.ضنته بقوة وأنا بحاول استمد منه الأمان بأي طريقة، وشوشني في ودني وقال: ـ بتعيطي ليه يا ماما؟؟ ـ مفيش يا حبيبي.. ـ لازم تقوليلي يا ماما..
ـ الفلوس هتقل معانا ومش عارفة هنعمل أيه بس ربنا هيسترها إن شاء الله يا حبيبي.. ـ هخلي حسن يتصرف يا ماما.. بصتله بقلق من تاني وقلت: حسن مين يا سليم وقتها شاور ناحية باب الأوضة المفتوح وقال بهمس: ـ حسن ده.. بصيت ناحية الباب المفتوح وفوجئت بطفل واقف قدام باب الأوضة، نفس الطفل اللي شوفته قدام المبنى وجبتله أكل يومها، بس مع اختلاف لون العين اللي كانت سودة بالكامل..




