روايات

صديق الطفولة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كنت داخلة المطبخ أعمل الغدا واتفاجئت إن ابني يوسف عمال بيشد في حلة المية اللي بتغلي على البوتجاز بطريقة غريبة، لدرجة إني صرخت بأعلى صوتي، ولولا ستر ربنا كانت المية المغلية حرقته، مسكته ض.ربته علقة محترمة عشان ميعملش كدا تاني، لكن المُختلف المرة دي إن محصلش منه أي رد فِعل لما ض.ربته، رغم إنه كان بيفضل يبكي طول اليوم ويبهدل الدنيا..

وعلى بالليل روحتله واعتذرتله وبدأت أتكلم معاه بالراحة وأفهمه إن كدا غلط وإنه كبير وفاهم إن دي مية مغلية، وكان تاني رد فِعل لما مردش عليا خالص غير بنظرات غريبة، كأنه مش مستوعب اللي بقوله، رغم إن عنده ٨ سنين وذكي جدًا ودايمًا بيتجاوب مع اللي بقوله، اتصلت بأختي عشان أفضفض معاها لأن أقل موقف بيوترني وببقا مش عارفة أتصرف، ودايمًا مبعرفش أنا بعمل الصح ولا الغلط وكلمة بتوديني وكلمة بتجبني..

وبالليل كنت على موعد مع أسوأ الأحلام اللي ممكن حد يتخيلها، طول الليل شايفة ابني بيعمل حوادث بشعة، مرة مية مغلية تقـ ـع عليه، مرة نار البوتجاز، مرة الشوربة السخنة، وكل مرة كان بيفضل يصـ ـرخ ويسـ ـتغيث بيا وأنا عاجزة إني أنقذه وعاجزة حتى إني أصحى من نومي، لحد ما صحيت الصبح وكل عضمة في جسمي بتئن من الوجع والإجهاد، كأني كنت في سباق طويل أوي..

ولما صحيت لقيت ابني بيغلي مية في الكاتل بتاع الشاي، والمية بتغلي وهو ماسكها بطريقة غريبة، زعقت فيه من توتري رغم إنه بيعمل شاي لنفسه، ولما اتخض الكاتل وقع من إيده وشوية مية صغيرين وقعوا على رجله لكن ربنا سترها.. ورغم كدا فضل يلوم فيا طول اليوم ويقول إني هكون السبب إنه يتحـ ـرق بالنار وإنه مبيحبنيش ولا هيسمع كلامي تاني، كلام قاسي عمري ما سمعته من ابني اللي دايمًا مهذب وبيقول كلام محترم، حاولت معاه باللين مستجبش ليا، حاولت معاه بالشِدة برضه مستجبش وسابني ودخل أوضته..

واتصلت بأختي تاني وفضلت أحكي معاها ونصحتني نصايح كتير عشان أعرف اتعامل مع ابني، وبدأت أشم ريحة غريبة في شقتي، ريحة دخان، فتحت شبابيك الشقة وقفلت الغاز لكن فضلت الريحة طول اليوم مش عايزة تروح.. ولما دخلت أعمل الأكل لاحظت إن ابني بيراقبني من ورا باب المطبخ، وشكله وهو بيراقبني بعنيه خلى قلبي يرجف من الخوف، ولاحظت إني كل ما بخرج من المطبخ كان يدخل ويمسك الحلل السخنة وكأنه عايز يعمل حاجة، مصيبة تعملنا مشكلة كبيرة في البيت..

حاولت اتكلم معاه تاني لكن نظراته المرة دي كانت مُخيفة وكل اللي قاله: ـ أنتي السبب.. ومفهمتش، عصرت دماغي عشان أفهم لكن مقدرتش، وفضلت ريحة الدخان في الشقة هتجنني، وقررت من يومها ألغي موضَوع الطبخ لحد ما يبطل العادة الخطيرة دي، ابني بقت عنده رغبة يوقع على نفسه حاجة سخنة، وكأنه هيتلذذ بحاجة زي دي..

وفعلًا قعدت يومين أشتري أكل جاهز، وفي اليوم التالت صحيت على صوت كركبة غريبة، قمت وأنا دايخة من أثار النوم، وروحت ناحية المطبخ عشان ألمح على الضوء الضعيف اتنين في المطبخ، ابني وفيه حد تاني معاه بنفس طوله، فتحت النور بخوف ملقتش غير ابني، اللي كان واقف بيطبخ في المطبخ وحاطط الحلل على طرف عيون البوتجاز، وكمان بيسخن زيت، يعني أي لمسة هيوقع الحاجة على نفسه..

مقدرتش المرة دي أمسك نفسي، من التوتر والخوف والقلق، مسكته ض.ربته علقة مو.ت لحد ما جسمه كله بقا أثار جروح، وبعد ما انتهيت ضميري كان هيمو.تني، أنا افتريت على الولد وده مش طبعي خالص، فضلت أبوس على راسه ساعة كاملة لحد ما بدأ يبكي زي زمان، ح.ضنته وحاولت أفهم هو ليه بيعمل كدا اليومين دول.. لقيته بص بخوف يمين وشمال وبعدين وشوشني في وداني وقال: ـ هو اللي بيخليني أعمل كدا.. سألته بتوتر : ـ هو مين يا حبيبي، لازم تصارحني عشان أساعدك..

لكنه رفض يتكلم أكتر من كدا، وخليته ينام معايا يومها لأني بقيت خايفة عليه أكتر من نفسي وعندي شعور إن فيه مصيبة هتحصل، وقد كان، ابني اختفى تاني يوم بعد المغرب، اختفى من المنطقة كلها، دورت عليه في البيت، عند الجيران، اتصلت بقرايبنا، مشيت أصرخ في الشارع زي المجانين، كل ده وابني مظهرش، لحد ما أهل المنطقة قلبوا الدنيا معايا لكن ابني مكنش موجود..

روحنا عملنا بلاغ في القسم والناس طمنوني بكلام مالوش أي قيمة عندي وأنا في الحالة دي، ومشيوا من عندي على الساعة واحدة بالليل، لكني رفضت أقعد في شقتي، وخرجت أدور في الشوارع زي التايهة، فضلت استغيث بالله وادعي وأمشي كتير أوي، ساعة كاملة لحد ما وصلت لسكة القطر.. هناك حسيت إن حاجة بتقولي أبص على شريط القطر نفسه، وقد كان لقيت ابني بيلعب هناك، قاعد في الأرض وسط الضلمة، جريت عليه وشديته من مكانه، أتخض من شكلي وفضل يبصلي وكأنه مش عارفني، وبعدين قال:

ـ ماما أنا بردان أوي.. ح.ضنته أكتر وخدته ومشيت من المكان فورًا، وفضلت أبكي زي الطفلة واسأله عن السبب اللي خلاه ييجي المكان هنا، قالي إنه كان بيلعب معاه، سألته مين، رفض تمامًا إنه يقول.. ورجعت البيت وبقيت ٢٤ ساعة قافلة باب بيتي بالمفتاح عشان ابني ميخرجش، خبيت الكاتل وقفلت غاز البيت خالص، مش هطبخ، مش هخرج، المهم ابني ميحصلوش حاجة، لكن في الكام يوم دول فضل يحذرني، إنه لو مخرجش يلعب معاه هييجي بنفسه يلعب هنا وممكن الدنيا تتحرق، كلامه كان بيرعبني لكن مكنش قدامي أي حلول..

لحد ما صحيت في ليلة ملقتش ابني جنبي، قمت أدور عليه في كل مكان لكنه مكنش موجود إلا في الحمام، ابني في الحمام والباب مقفول وفيه دخان طالع من تحت الباب، ابني هيمو.ت ويتخنق جوه، والمُرعب إن كان فيه صوت حد تاني معاه.. فضلت أخبط برعب، ولقيت نفسي بقول بدون وعي : ـ أنا غلطانة، سامحني، بس ابني مالوش ذنب، حرام عليك اللي بتعمله ده..

الغريب إني معرفش قولت الكلام ده كله ليه، والأغرب إنه استجاب ليا والباب اتفتح، دخلت وسحبت ابني بسرعة، وفي اللحظة دي لمحت طفل مـ ـشوه، وشه محـ ـروق، خدت ابني وخرجت من الشقة وفضلت في الشارع طول الليل ومرجعتش غير تاني يوم الصبح بعد ما شغلت قرآن في الشقة كلها..

ولقيت نفسي بعد ما جسمي هدي إني عارفة الطفل اللي شوفته ده، عارفاه كويس أوي، ده أدهم ابن صاحبتي ماجدة، طفل عمل حا.دثة واتشوه وابني كان بيلعب معاه دايمًا، إيه اللي جابه هنا، اتصلت بماجدة عشر مرات لحد ما ردت عليا، وكان ردها بارد خالص، فضلت أكلمها بلهفة واسأل على ابنها، قالتلي إن ابنها مات، مات من شهر، مات وكل اللي كان نفسه فيه إنه يلاقي حد يلعب معاه ويتقبل اللي حصله، وقفلت في وشي السكة..

وغصب عني رجعتلي ذكريات كتير أوي، ماجدة صاحبتي، اللي ابنها كان بيحب ابني أوي ودايمًا مع بعض في كل مكان، وكنت بروح لصاحبتي كتير عشان يلعبوا مع بعض، لحد ما ابنها حصلتله حا.دثة واتشوه، ومع ذلك ابني فضل يحبه ويلعب معاه، لكن لأني إنسانة مترددة وبسمع كتير للناس، سمعت من أختي اللي حذرتني من إني مخليش ابني يلعب مع طفل مشوه، وفضلت تخوف فيا لحد ما جيت قدام الطفل وقولت لابني: ـ متلعبش معاه تاني خالص عشان متبقاش زيه..

الطفل سمع كلامي لكني مهتمتش، وبعدين صاحبتي بطلت تتصل بيا بعد ما أكيد ابنها حكالها، وأنا حبيت ده عشان أمنع ابني عن ابنها، مكنتش أعرف إن ابنها بعدها هيمو.ت، وقرينه هيطاردني ويطارد ابني عشان الظلم اللي ظلمته ليهم.. بدل ما أكون أم واعية وقراري من دماغي وأربي ابني صح، أربيه يستوعب ويرحم اللي أضعف منه واللي مُختلف عنه في الشكل، لا ربيته عشان ينبذ طفل مُشوه لا حول له ولا قوة، بدل ما أخليه يحمد ربنا إنه عافاه من ابتلاء غيره خليته يشوف ده اختلاف ويتكبر على غيره..

حقيقة أقدر أقولها إن أنا أم فاشلة، أم شخصيتها ضعيفة، بتحكمها المشاعر وكلام الناس عن الدين والعقل، ومعرفش ازاي هواسي صاحبتي واعتذرلها وهي هتفضل فاكرة كلامي كل ما تفتكر مو.ت ابنها، يارب سامحني ودبرني أخليها تسامحني بأي طريقة، يا رب همشي بالدين بعد كدا مش بكلام الناس وهربي ابني يرحم كل الناس، هربيه يرحم الناس عشان ترحمه وترحمني يا رب.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى