
الحياة صعبة علينا كلنا، دي حقيقة مؤكدة، بالأخص على بنت عدت ٣٠ سنة ولسة متجوزتش، وقتها المجتمع مبيرحمهاش، كأنها مذنبة تستحق العقاب، أو واحدة مشيت في طريق الخطيئة ومبقاش ليها توبة، معايير متخلفة بتحطنا في وضع صعب، وأنا لقيت نفسي اتحطيت في الوضع دا، وبقيت بضحك وببتسم بالنهار لكل الناس، حتى في وش الكلمات الجارحة، وببكي بالليل على سريري من غير ما حد ياخد باله مني..
حياة بائسة، صعبة، بتحس إنك بتمثل دور مش دورك في الحياة، بتحس بقيود من حديد مكلبشة كل ركن في حياتك، من الأخر أنت عايش حياة بجسم ميت، بروح طافية، بدون أي أمل أو تفاؤل ببكرا.. والمجتمع فرض عليا طريق واحد عشان اتحرر من اللي أنا فيه، لازم اتجوز في أسرع وقت ممكن، لازم أركب القطر قبل ما يطلع من المحطة وميرجعش تاني، وظهر حبيب على المحطة وفي إيده التذكرة، تذكرة القطر اللي هتخليني ألحق بقافلة المسافرين..
أول مرة شوفته كان في الشغل، جاي عايز يخلص أوراق من الهيئة بتاعتنا، لقاني واقفة قدام الخزنة وعرف إني موظفة في المكان، اتكلم معايا بطريقة خلتني أشفق عليه، حكالي إن بنته متبهدلة وعايز ينقلها لمدرسة قريبة ومحدش راضي يخلص له الورق.. بصيت لبنته وابتسمت، كانت صغيرة، تقريبًا سبع سنين، سألتها بابتسامة صافية وقولت: ـ اسمك أيه يا صغنونة؟؟ لقيتها ردت بصوت خجول: ـ اسمي غادة.. بصيت لوالدها وطلبت منه يطلع للأستاذ سامح ويقوله أنا من طرف آنسة نور، لقيته استغرب أوي وقال:
ـ آنسة؟! ابتسمت وسكت، طلب مني رقمي عشان لو أستاذ سامح دا عقدله الموضوع لأنه بقاله أسبوع بيجي هنا، أديته الرقم بتاعي وسبته ومشيت، بس سامح السمج استحالة يعقد الموضوع، ده يتمنى بس أطلب منه عشان ينفذ، عرض عليا الجواز ألف مرة، بس من أمتا الست بتميل للراجل اللزج، الراجل اللي يترفض ويفضل يزن زي العيل الصغير كأنه معدوم الكرامة..
وعدى يوم والتاني ونسيت الموضوع تمامًا، وفوجئت برقم بيرن عليا رديت لقيت واحد بيكلمني عشان يشكرني على وقفتي معاه وإنه خلاص قدم للبنت في المدرسة واتقبلت، عصرت ذهني عشان أفتكره وفي النهاية افتكرت، لقيته بيقولي إن البنت عايزة تشكرني، ابتسمت ابتسامة صافية وحسيت بفرحة إني قدرت أسعد حد غريب عني ولو بمساعدة بسيطة.. وعدت الأيام ولقيت رقم تاني بيتصل بيا، مكنتش بستغرب بحكم شغلي من كل الأرقام دي، بس اللي خلاني استغرب لما سمعت صوت طفلة بتقول:
ـ أنا غادة يا أبلة نور، أنا بحبك أوي وبتصل عشان أشكرك.. ـ وأنا بحبك يا غادة وتحت أمرك يا حبيبتي.. ـ بابا عايز يتجوزك، وافقي عشان خاطري بقا.. اتصدمت من الكلمة، وقفت مكاني وسط زمايلي زي المعتوهة وعلى وشي تعبير غريب، مزيج بين الصدمة والفرحة وقلة الاستيعاب، لقيت نفسي بقفل المكالمة وبقعد مكاني مش قادرة حتى أفكر.. لحظات ورن التليفون تاني، استجمعت شجاعتي ورديت لقيت والدها بيعتذر وبيطلب إنه يتقدم ليا رسمي، وشرحلي ظروفه باختصار، مطلق ومعاه غادة وساكن في شقة كويسة وبيشتغل محاسب في شركة..
الغريب إن قلبي دق بطريقة غريبة، إحساس مختلف حسيته، كأني زي سندريلا اللي طريقة جوازها كانت مختلفة عن كل البنات التانيين، ووافقت يجي يقابل أخويا.. الغريب إن كل حاجة مشيت بسلاسة عجيبة، من أول قعدة قرأنا الفاتحة ونزلنا نشتري الدهب، بعد أسبوع واحد بقيت خطيبة أستاذ باسم رسمي، وبعد شهر واحد كنت بحجز فستان الفرح عشان أستعد لدخول عش الزوجية.. واتحدد ميعاد الفرح وأنا في قمة فرحتي، خاصة لما لقيت نفسي حبيت غادة جدًا جدًا، وكأنها بنتي اللي مخلفتهاش، وجه يوم الفرح، غادة راحت تقعد أسبوع عند جدتها عشان الشقة تفضى للعرسان شوية..
واتجوزت وقضيت أسبوع كان من احلى أسابيع حياتي، ورجعت غادة عشان تعيش معانا، وبقيت رسميًا متجوزة، وهربت من الكلام الجارح ونظرات الناس المريضة، بس مكنتش أعرف ان الحياة مخبيالي حاجة أسوأ ألف مرة من كلام الناس.. ……………… بعد أيام من رجوع غادة سافر باسم لمأمورية تبع الشغل لمدة أسبوعين، ولقيت نفسي مع غادة لوحدنا في الشقة، خططت إني أوديها المدرسة كل يوم وأخلص شغلي بعد الضهر وأرجع اخدها معايا، في الليلة دي جبتها عشان تنام جمبي بس رفضت وقالتلي إنها عايزة تنام في أوضتها لوحدها..
سبتها براحتها ودخلت عشان أنام، وعلى الساعة ٢ بعد نص الليل تقريبًا قلقت عشان أدخل الحمام، وفوجئت بإضاءة خفيفة في أوضة غادة، قلت يمكن بتحب تنام على نور الأباجورة، بس فوجئت بصوت غادة، كانت بتتكلم بس مكنتش فاهمة كلامها إطلاقًا.. قربت من باب الأوضة وفكرت أدخل عليها، اترددت شوية وفي النهاية فتحت الباب بهدوء شديد..
في البداية كانت كل حاجة طبيعية، السرير مكانه والدولاب، بس غادة مكنتش على السرير، كان صوتها جاي من ورا السرير، قربت بهدوء وأنا مبتسمة و………واتخشب جسمي كله من الصدمة لما شوفت واحدة لابسة أسود وقاعدة ورا السرير جمب غادة، كانت مدياني ضهرها وباصة ناحية غادة وبتلعب معاها، ووسط صدمتي وذهولي شوفت بنت صغيرة طالعة من تحت السرير، وبصتلي.. وصرخت صرخة رهيبة لما لمحتها، نسخة من غادة في جسمها ولبسها، بس الوش مشوه، محروق، وعين من الاتنين مش موجودة مكانها، لقيت نفسي بنط من مكاني وبخرج من الأوضة وبجري ناحية أوضتي وبقفل باب الأوضة..
فضلت مكاني مذهولة، جسمي بيتنفض وقلبي بيدق بعنف، حاسة إني في كابوس، مش قادرة حتى أفكر، مش قادرة أهمس، مسكت الموبايل وأنا مش قادرة اتنفس ورنيت على جوزي، بس تليفونه كان مقفول، وفضلت مكاني أبكي من الخوف.. حاولت أفتح الباب تاني عشان خايفة على البنت، معرفش مين دول اللي معاها، بصيت على أوضتها لقيت النور بتاعها مقفول، فضلت متخشبة دقايق مش قادرة أقرب، في النهاية قربت، خطوة ورا خطوة وفتحت باب الأوضة..
البنت كانت نايمة والنور مطفي وكل حاجة مستقرة، قفلت عليها الباب ورجعت أوضتي وحاولت أقنع نفسي إني كنت بتخيل، كل ده مش حقيقي، هلاوس من الإرهاق مش أكتر ولا أقل.. مددت على السرير وحاولت أنام بأي طريقة، بس بعد دقايق سمعت صوت حاجة بتزحف تحت سريري، قلبي وقع في رجليا ولساني اتشل وجسمي كله اتكهرب مرة واتنين وتلاتة..
قمت وقفت على السرير وأنا حاسة إن قلبي هيقف من الرعب، في اللحظة دي سمعت صوت الزحف جاي من قدام السرير، الأوضة كانت ضلمة ومش شايفة أي حاجة، بس كنت واثقة إن فيه حاجة في الأوضة معايا، خاصة لما سمعت صوت ضحكة مكتومة من قدام السرير، وبدأ يوصلني صوت حاجة بتجري حولين السرير وبتضحك.. رجليا انهارت ووقعت على السرير، مديت إيدي اللي نشف فيها الدم، ونورت الأباجورة، ولمحت وش البنت المشوه قدام وشي بالظبط، وفقدت الوعي تمامًا..
صحيت الصبح حاسة إن دماغي مضروبة بألف مطرقة ومطرقة، قمت شربت قهوتي وأنا بحاول أفتكر اللي حصلي، مقدرتش أروح الشغل وخليت غادة متروحش مدرستها، فضلت طول اليوم في السرير تعبانة، كأني محمومة، كلمني باسم ومقدرتش أقوله أي حاجة، وحتى لو هحكيله هقوله أيه.. لحد ما جه الليل، شغلت قرآن في الشقة وأصريت إن غادة تنام معايا وقفلت باب الأوضة علينا من جوة بالمفتاح، ونمت.. وعلى بالليل جالي إحساس غريب، لقيت نفسي بصحا وقلبي مقبوض، بصيت جمبي ملقتش غادة، ولقيت صوت القرآن مش شغال، وفي لحظة حسيت إن حد واقف ورايا، مسافة ما بصيت لمحت ست لابسة أسود واقفة قدام السرير..
رغم الضلمة كنت شايفاها، واتخشب جسمي تاني وفضلت أشهق وأنا مبرقة زي اللي بتطلع في الروح، قمت من مكاني وأنا زي السكرانة وجريت لبرا الأوضة وأنا بصرخ وبنادي على غادة.. فتحت الباب وقفلته ورايا وأنا بصيح زي المجنونة، حاسة بدوخة غريبة وقلبي هيقف خلاص، وفي لحظة فوجئت بحاجة بتشدني من رجلي بتوقعني، ولمحت البنت المشوهة من تاني، كانت هي اللي وقعتني، وكانت واقفة قدامي بتضحك.. في اللحظة دي اتفتح باب الأوضة وشوفت الست إياها بتقرب مني، زحفت زي المشلولة وأنا بحاول أهرب من الجحيم دا، في اللحظة دي سمعت صوت، كان صوت غادة بيقول:
ـ محدش يقرب منها عشان أنا بحبها.. مسافة ما قالت الكلمة دي لقيت القرآن رجع اشتغل من تاني، وملقتش لهم أدنى أثر كأنهم اختفوا، ومقدرتش أقاوم أكتر من كدا ووقعت في غيبوبة جديدة.. ……………… تاني يوم خدت غادة لبيت أخويا، قعدت عنده وأنا بترعش، جسمي كأنه عجز، اتصلت بجوزي وطلبت منه يرجع انهاردة مهما كان، وفعلًا ركب القطر ووصل لينا بالليل.. حكيتله كل حاجة وأنا ببكي، بتنفض، كان بيسمع مني وهو مصدوم، في النهاية بدأ يتكلم بصوت مك.سور ويقول:
ـ أنا مش مطلق، أنا أرمل، مش عارف ليه خبيت عليكي الحقيقة دي، أنا كنت مخلف توأم، غادة وهالة، وفي يوم رجعت من مأمورية لقيتهم عاملين حا.دثة عربية شديدة، ماتت فيها مراتي وهالة وغادة رجعت من المو.ت بمعجزة، واتك.سرت، كأن روحي راحت مني..
بيقولوا إنهم لقوا مراتي وهالة حا.ضنين غادة وجسمهم كله غرقان د.م، والعجيب إن غادة فضلت نصف ساعة قلبها واقف وهي حا.ضنة أختها، وسبحان من رجعها للحياة تاني، ومن يومها بدأت أمور عجيبة تحصل، غادة كانت بتحكيلي إن أمها وأختها بيجوا يلعبوا معاها، بس أنا مكنتش بشوف حاجة، وكنت ببرر ده إن دي طفلة ومش هتستوعب فقدان أمها وأختها.. بس بعد اللي أنتي قولتيه ده يبقا كدا الموضوع مُخيف جدًا، في اللحظة دي دخلت غادة، كانت سامعة كل كلمة، لقيتها ح.ضنتني وقالت:
ـ متخافيش أنا مش هخليهم يقربوا منك تاني، والغريب إن بعد ما وعدتني مبقتش أشوف أي حاجة إطلاقًا، الأمور هديت تمامًا، خاصة بعد ما جه شيخ وقرأ قرآن في الشقة، بس أنا حبيت أوثق حكايتي دي وأبعتها للكاتب المفضل لقلبي أحمد محمود شرقاوي، حبيته يكون أول كاتب يوثق حكايتي اللي حصلت بكل تفاصيلها، بس سامحوني أنا ليا اسم غير نور، بس حبيت أكون مجهولة مش أكتر.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




