
من شوية طلعت على الملجئ في زيارتي الأسبوعية كالعادة أنا وجوزي وأحنا مزنوقين في العربية بالعافية بسبب كتر الكراتين والهدايا اللي كنا جايبينها للأطفال، وصلنا بعد نصف ساعة ودخلنا ساحة الملجئ، وكانت الشرارة، أول ما الأطفال شافوا العربية جريوا ناحيتنا وهما بينادوا باسمي ـ ميس ابتسام.. ميس ابتسام.. جوزي ابتسم وقالي وهو بينزل: ـ أنا بدأت أغير من العيال اللي بيحبوكي أكتر مني دول..
ضحكت ضحكة عالية وفتحت العربية وبدأت أسلم على الأولاد وأح.ضنهم كمان، فتحنا العربية ووزعنا الهدايا بالأسماء لأني كنت حفظاهم وعارفة كل واحد بيحب أيه وبيكره أيه، قعدنا نلعب معاهم أكتر من ساعة وبعدها طلعنا لبنت خالتي أشجان فوق في الإدارة، سلمنا عليها أنا وجوزي وفضلنا نحكي شوية عن اللي محتاجينه الأطفال في الملجئ وبعدها سلمنا عليها ومشينا..
بس وأحنا بنسلم عليها لمحت نظرة غريبة في عنين أشجان ناحية سليم جوزي، حاولت اتجاهل اللي شوفته عشان سوء الظن ورجعنا على البيت، بس قبل ما نوصل للبيت جوزي اقترح عليا نزور أبويا وأمي عشان بقالنا أسبوع مطمناش عليهم، كان راجل اجتمعت فيه حنية وشهامة الدنيا كلها، عمره ما قالي كلمة جرحتني، ودايمًا مشاكلنا بسبب إننا بنأخر صلة الرحم مع قرايبنا، حتى لما الدكتور قالي إن عندي مشاكل في الرحم جوزي استوعبني وفضل أسابيع يحتويني لحد ما صرفت نظر عن الخلفة من حنيته عليا..
زورنا أبويا وأمي ومرت الأيام علينا حلوة أوي، لحد يوم الخميس لما اتصلت بأشجان عشان أشوفها محتاجة أيه للأولاد عشان نجيبه في زيارتنا كل جمعة، بس الغريب إني لمحت في نبرة صوتها توتر وعصبية شديدة، سألتها بتوتر وقلتلها: ـ هو فيه حاجة يا أشجان؟! ـ متشغليش بالك يا ابتسام.. ـ يابنتي أنا بنت خالتك أحكيلي.. ـ عندي مشكلة كبيرة.. ـ خير يارب!! ـ البنت نورهان إدارة الملجئ هتمشيها من الملجئ لدار تانية.. ـ ليه بقا؟!
ـ عشان العدد هنا وصل للذروة ولازم يمشوا كل أسبوع حد يودوه مكان تاني وهيبدأوا بنورهان.. ـ طيب وفين المشكلة؟! ـ الدار اللي هتروحها فيه سمعة طالعة على صاحبها إنه بيعمل في البنات حاجات مش كويسة.. قلبي اتخلع من مكانه، خاصة إني بحب البنت دي جدًا، بنت بريئة وطاهرة، مسافة ما تخيلت إن حد ممكن يلمسها بسوء والدنيا كلها أسودت في وشي.. رديت بقلق عليها وقولت: ـ طيب والحل؟؟ ـ لازم حد يتبناها أو على الأقل ياخدها لفترة لحد ما الدنيا هنا تستقر وهرجعها تاني، أو نسايس لحد ما الأمور تعدي..
ـ طيب ما نشوف حد يتبناها.. ـ أخاف أديها لأي حد أنا روحي فيهم، لازم حد ثقة.. في اللحظة دي رديت بسرعة وقولت: ـ أنا هاخدها عندي لحد ما ربنا يحلها من عنده.. ـ بجد يا ابتسام؟! ـ بجد يا أشجان.. ـ ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا غالية.. كلمت جوزي وفهمته الوضع وتقبل كل كلامي ووافق إننا نخليها عندنا، وفعلًا مشينا في إجراءات التبني لمدة يومين وخدنا نورهان لشقتنا..
كنت طايرة من الفرحة، حاسة إن شعور الأمومة اللي اتحرمت منه هيزورني أخيرًا، فكرت ألف مرة قبل كدا اتبنى بس كنت بقلق أصارح جوزي، وحمدت ربنا إنها جت من عنده، وجت نورهان لشقتي وعملنا حفلة استقبال تليق بيها.. كانت مبهورة بكل حاجة حوليها وأنا عاهدت نفسي هخليها تعيش كأن ليها أب وأم بالظبط، ونامت البنت يومها بعد ليلة من الهزار والضحك خلتنا في قمة السعادة..
نمت وأنا حاسة بطاقة رهيبة، بفرحة طاغية، كأني هتولد من جديد خلاص، صحينا وبدأنا رحلة تهذيب نورهان وتعليمها عشان نوديها للمدرسة وغيره، ١١ سنة ومتعلمة نوعًا ما، سهل يتعمل لها اختبار تحديد مستوى وتدخل مدرسة خاصة.. عدى اليوم بكل هدوء وسلاسة، بس بالليل لقيت جوزي جاي متعصب جدًا وسألني عن حاجات وأوراق نسيها على السرير، كنت أول مرة أشوفه متعصب للدرجة دي، واتهمني يومها بالإهمال وكان شبه هيثور فيا، لدرجة إني بكيت ودخلت أوضتي وأنا مصدومة..
مبقتش فاهمة هو عمل كدا ليه، احتويت نورهان عشان متحسش بأي حاجة ودخلتها أوضتها وروحت أنا أوضة تانية أحاول أهدى فيها من الصدمة الغريبة اللي خدتها دي، بس الغريب إني لاحظت سطر طويل من نمل أسود ماشي بطول الأوضة لحد الدولاب، اتخضيت من المنظر بصراحة.. حاجة عجيبة، طول عمري شقتي نضيفة جدًا، واستحالة حشرة تظهر فيها، فما بالك بكمية النمل دي، مشيت وراهم لقيت السطر واصل لحد الدولاب، فتحت الدولاب لقيت نمل كتير أوي، كنت عايزة أصرخ من المنظر بس كرامتي منعتني عشان كنت زعلانة من جوزي، قررت أنام في الأوضة وبكرا أنضف المكان بالمطهر..
ورجع مشهد جوزي وهو بيزعق فيا تاني يظهر قدامي، وغصب عني بكيت، مش فاهمة هو ليه عمل فيا كدا، كان نفسي استخبى فيه وأقوله إني خايفة وقلقانة من النمل، بس هو ثار فيا بطريقة غريبة، قعدت على السرير أبص للنمل ومش عارفة هنام ازاي، بس الغريب إني حسيت بصداع غريب أوي خلاني أدوخ مرة واحدة، غيبوبة غريبة مسكتني خلتني عايزة أنام بأي طريقة، وبدون أي مقاومة اترميت على السرير ونمت..
وبدأت أسمع صوت غريب في نومي، حاجة بتخربش على خشب الدولاب، بس كنت تعبانة مش قادرة أقوم، حاسة إني بدور في دوامة من الظلام، حمل تقيل على عقلي مانعني إني أركز، حاولت أقاوم وأقاوم لحد ما فوقت، ركزت مع الصوت لمحت باب الدولاب بيتحرك بهدوء شديد.. جسمي كله سخن في لحظة وحسيت بشلل غريب بيمسك في جسمي، دقات قلبي زادت ومسكتني رعشة غريبة، وفي لحظة لمحته، راجل لون بشرته أزرق وعنيه بيضا بلون التلج، كان باصص ليا ومبتسم..
حضوره كان غريب، مُخيف، وكأنه شيطان من شياطين الجحيم، شهقت مرة واتنين، حاولت أهرب، اتحرك، أهمس حتى، بس كنت متكلبشة كأني مربوطة بسلاسل، شايفاه باصص ليا ومن حوليه بدأ النمل يظهر ويكتر، كان بيظهر على السقف، والحيطان، وبيطلع من جوة الدولاب بأعداد رهيبة، كنت مرعوبة، بصرخ بكل رعب الدنيا من جوايا، بتحشرج بصوت رهيب من الفزع.. وبدأ النمل يتحرك، يلف حولين السرير، وطلع عليه وزحف فوق جسمي، نمل كتير أوي، آلاف من النمل فضل يزحف على جسمي، وفي النهاية اتنفضت وصرخت صرخة رهيبة، جوزي دخل يجري عليا وهو مفزوع، فضلت اتنفض وأبص يمين وشمال بس كل حاجة كانت اختفت..
فضلت أبكي واترعش بدون أي صوت، كان ريقي ناشف بطريقة عجيبة، والغريب إن الحال ده استمر تلت أيام، طاقة غريبة في البيت، مشاكل، وكوابيس كلها بتنتهي عند النمل والراجل ده، طهرت البيت أكتر من عشر مرات، بس النمل كان دايمًا بيظهر تاني ويمشي لحد الدولاب، لحد ما في ليلة لجأت لربنا في قيام ليل، كنت قلقانة وخايفة.. بكيت كتير بين إيديه عشان يرفع عنا أي مشاكل، في النهاية سمعت صوت بكاء جاي من أوضة نورهان، جريت عليها وح.ضنتها، كان قلبي واجعني عليها ونفسي أسعدها، بس فوجئت بالحال بيتشقلب بينا بطريقة غريبة..
سألتها بحنية عن سبب بكائها بس خافت تتكلم، حاولت أحايلها عشان تحكيلي، في النهاية اتكلمت وقالت: ـ أنا عملت حاجة غلط.. ـ أحكيلي يا حبيبتي ومتخافيش.. ـ ميس أشجان هتض.ربني جامد.. ـ أحكيلي ومتخافيش.. ـ أنا حطيت القماشة في الدولاب.. مبقتش فاهمة حاجة، طلبت منها توريني قماشة أيه، ناديت جوزي وفتحنا الدولاب ولقينا نمل كتير ظهر من تاني، مدت البنت إيدها في ركن الدولاب وطلعت قماشة ملفوفة، فتحناها وكانت الصدمة، صورتي وصورة جوزي وعليهم طلاسم كتير أوي..
كانت صدمة رهيبة، بصيت لنورهان وصرخت فيها: ـ مين قالك تعملي كدا؟! لقيتها انهارت في البكاء وقالت: ـ ميس أشجان هي اللي قالتلي أعمل كدا، وقالتلي إنها هتخليكم تاخدوني، وعرفتني ازاي هخبي القماشة عندكم وكل لما أروحلها أحكيلها اللي بيحصل في بيتكم.. فضلت تبكي وتقول: ـ أنا أسفة، أنا بحبكم أوي وخفت أضايقكم لو عملت كدا ومقولتش، وحسيت إني عملت حاجة غلط.. وقتها جوزي طبطب عليها، اتصل بشيخ جالنا وفك العمل وطلب مننا نطهر الشقة ونشغل فيها الرقية، وقال إن حارس السحر اللي أنا شوفته مش هيظهر تاني، ولما حكيناله نصحنا نبعد عن أشجان خالص ونتجاهلها وربنا هيعاقبها..
قالنا إنها ست حقودة حقدت عليا وشافت إن كتير عليا راجل حنين وحياة ميسرة، وتجاهلت بلائي في إني مبخلفش، مثلت القريبة والصاحبة المخلصة وطعنتني من ضهري وعملت تمثلية عشان واثقة إني هعرض إن البنت تيجي عندي، وقبل ما أنطق وأقول اللي في قلبي، لقيت جوزي بيقول: ـ أحنا مش هنسيب نورهان، أحنا كدا كدا هنعزل عشان شغلي بعد ست شهور، نخليها دلوقتي وناخد البنت ونمشي من هنا خالص.. ابتسمت أوي، حسيت إن ربنا ابتلاني عشان يعوضني ببنت بريئة اختارت تغامر بخوفها وتهديد أشجان ليها وتحكيلي عشان بس بتحبني، واختفينا خالص بعد أيام واستنينا من ربنا حقنا…
ولقد قيل في السلف (استعينوا على نجاحِ حوائِجِكم بالكتمانِ فإنَّ كلَّ ذي نعمةٍ محسودٌ).. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




