
لما كنت بروح مع والدتي أي غُسل مكنتش بهتم بالصراخ والغُسل وحالة الحُزن الشديدة إللي كانت عند أهل الميت، ولا حتى كنت بهتم باللي أمي بتعمله واللي المفترض أتعلمه عشان أورث منها الشغلانة، الشغلانة اللي عاملة زي الإرث ولازم تتورث قبل مو.ت صاحبها، أنا كان بيلفت نظري حاجة تانية خالص.. كنت بحاول بقدر الإمكان أدخل غرفة المتو.فية، عايزة أشوف هدومها، دهبها، حالة الرفاهية اللي هي كانت عايشة فيها، وأتخيل من جوايا إنها خلاص سابت كل ده وهتروح تد.فن بك.فن أبيض عبارة عن حتة قماش وبس، تفكير غريب بس مكنتش بعرف أخرجه من راسي..
معرفش ليه كنت بتمنى أمي تخرج وأحنا بنغسل المتوفية عشان أتكلم معاها، اسألها عن هدومها، دهبها، وليه سابت كل ده، ولما صرحت بالأفكار دي في مرة اتقال عني مجنونة ولو كملت في السكة دي دماغي هتضرب، بس أنا مهتمتش بأي كلام وبقا عندي فضول رهيب تجاه أي متوفية، لازم أدخل أوضتها، ولازم أشوف دولابها ولبسها، بل وأوقات كنت بحاول أدور في الدولاب وهل هي عندها دهب ولا لا.. لحد ما أمي مرة لاحظت اللي بعمله وضربتني علقة مو.ت لما روحنا البيت، قالتلي كلمة يارتني خدت بيها كويس أوي
ـ للبيوت حُرمة، وللميت حُرمة أكبر.. بس أنا فضلت ساكتة ومستنية الفرصة اللي هتخليني ملكة في الشغلانة الغريبة اللي خدت من تفكيري وعقلي دي، وزي أي حاجة في الدنيا لازم جيل يستلم من الجيل اللي قبله، أمي ما.تت، بس المو.تة بتاعتها كانت غريبة شوية.. أمي ما.تت وهي بتغسل متوفية، وكانت صدمة ما بعدها صدمة بس أنا تخطتها بسرعة، يمكن عشان مكنتش بحب المثالية بتاعة أمي اللي كانت بتشتغل لوجه الله وبس، واتغسلت أمي بعد الست على إيدي واتكف.نوا مع بعض واتدف.نوا في نفس اليوم..
ومسكت من يومها الشغلانة رسميًا، وطبعًا كنت بطلب فلوس، أجرة مُضاعفة، وبدأت أمارس هوايتي، كنت بطلب في أي غُسل إني أغسل المتوفية في الأوضة اللي كانت بتنام فيها، بحِجة إنها لازم تودع أوضتها الوداع الأخير لأن الميت بيشتاق وبيحس وبيحتاج يودع كل حاجة قبل رحيله، كلام متعرفش تضحك بيه على عيل صغير أنا عارفة، بس الناس في البلد بتقدس أي حد شغال شغلانة ليها علاقة بالمو.ت والمقا.بر والجن.. بيقدسوا الدجال، والتُربي، والمُغسل، وبتاع الأكفان، وطبعًا عشماوي بتاع غرف الإعدام، الناس بيشوفوهم مش من عالمنا، أو كانوا من عالمنا بس اللي شافوه خلاهم أقرب من العالم التاني..
عشان كدا بدأت شغلي، كنت بدخل الأوضة مع المتوفية، هي تبقا ممددة على ترابيزة الغُسل وأنا بكلمها، بسألها عن حياتها، بتكلم معاها، وبفتش في دولابها وسريرها وكل حاجة تقريبًا، وطبعًا ده بعد ما اشترط إن مفيش واحدة من أهل الميت تقف معايا، وطبعًا أي حِجة الناس هتصدقها..
بس مع الوقت بدأ شيطاني يتغلب عليا، وبقيت لما حاجة بتعجبني كنت باخدها من أوضة المي.تة، عباية ممكن تعجبني من هدومها، أدوات تجميل، ومرة لقيت فلوس في الدولاب خدتها، المهم إني كنت بحب أحتفظ من كل متو.فية بحاجة من متعلقاتها، حتى لو كانت ست عندها ١٠٠ سنة، يمكن كنت بستنفع منها لما بسرقها، بس الحاجة الأهم إنه تذكار، تذكار وكأني أصبت بحالة من جنون العظمة، لأني اللي بسلم الوحدة منهم لملائكة الحِساب..
لحد ما جت الليلة اللي غيرت كل حاجة تقريبًا، الليلة اللي تمنيت لو إني مُ.ت فيها وبقيت منسية في أرض الأمو.ات، جتلي ليلتها مُكالمة من واحدة أعرفها بتطلبني أغسل بنت شابة ما.تت بعد العشاء.. استغربت أوي لأن اللي بيمو.ت بعد صلاة العشاء أهله بيستنوا لتاني يوم ويد.فنوه عشان الناس تحضر الجنازة، بس طبعًا مش هجادل في موقف زي ده، لبست هدومي بسرعة وانطلقت لبيت الميتة، وعرفت إنها شابة صغيرة عندها تقريبًا ٢٢ سنة، وعرفت إنها اللي طلبت لو ما.تت بالليل تد.فن بعد مو.تها في أسرع وقت..
طلب غريب من بنت صغيرة توقعت إنها هتمو.ت، اللي في عمرها بيكونوا ناسيين المو.ت تمامًا، دخلت الأوضة لقيت ملاك على هيئة بنت، جمال غير طبيعي وسكينة عمري ما شوفتها في واحدة غسلتها في حياتي، لدرجة إن جالي هاجس أغسلها وأخرج، دي مينفعش أمارس عليها هوايتي أو أفتش في حاجتها، بس خلاص كان الداء أتمكن مني تمامًا.. بدأت أفتش في دولابها، عبارة عن أكتر من إسدال وأكتر من نقاب وريحة المِسك في كل مكان ومعرفش مصدرها، سجادة الصلاة مفروشة والمُصحف محطوط، واضح إنها رغم صغر سنها كانت متدينة بزيادة، وأنا مش هسرق إسدال ولا مصلية ولا مُصحف، البنت أوضتها وكأنها مسجد..
ومش إيماني إللي منعني من السرقة، بس كل الحاجات دي مش هتنفعني أصلًا، وقبل ما أكف.نها شوفت حاجة زغللت عنيا، شعر البنت عامل زي الحرير، يمكن أنعم من الحرير، وأنا شعري تقريبًا عامل زي سِلك المواعين، معرفش ليه حسيت إنه هيكون فأل حسن لو خدت خُصلة من شعرها احتفظت بيها، لعل وعسى تبهت عليا وشعري يبقا أحسن، خاصة إني وحشة وشكلي وحش بشهادة كل الناس، وغير شغلي كمان فكل الشباب عزفوا عن الزواج بيا تمامًا..
وبدون تفكير خدت منها خصلة شعر وكملت شغلي وانتهيت ورجعت بيتي، فضلت لحد الفجر تقريبًا بتفرج على خصلة الشعر، بتخيل نفسي في جمال البنت دي، وفي شكلها، وشعرها زي شعري، تخيلات كتير أوي لحد ما وقعت من طولي ونمت، ومعرفش ليه نمت تقريبًا ١٨ ساعة، لدرجة إني صحيت والنهار كله كان خلص..
قمت جسمي متكسر وميتة من التعب، بس فيه إحساس غريب أوي وغير مفهوم إحساس مُرعب فهمته لما بصيت في المراية، شعري مكنش موجود، شعري كله اتقص وبقيت زي الرجالة، تخيل المنظر، أنا أصلًا قبيحة وكمان من غير شعر، أول ما شوفت نفسي في المراية فضلت أصرخ زي المجنونة، مكنتش مصدقة ولا فاهمة ده أيه، وفضلت محبوسة يوم كامل في البيت مش عارفة أعمل أيه في المُصيبة دي..
وازاي ده حصل ومين اللي عمل كدا من الأساس، تاني ليلة حصلت حاجة أغرب، صحيت من نومي على ألم بشع وشديد في صباعي الصغير، ولما فتحت النور لقيت الدم نازل وضفري كله منزوع من مكانه، الألم وقتها كان لا يُطاق لدرجة إني كنت ببكي من الألم والرعب مع بعض، واتكرر الموضوع، اتكرر لحد ما اتنزعوا ضوافري العشرة كلهم في عشر ليالي، وشعري مكنش بيطلع، ثابت زي ماهو بطريقة غير مفهومة..
لحد ما زورت راجل معرفة كان يعرف أمي زمان، وحكتله كل اللي حصل معايا وقالي البنت متضايقة إنها اتدف.نت ناقص منها حاجة، روحي رجعي شعرها لقبرها، ومع الرعب اللي عشته والألم والخوف من فكرة إنها ممكن تنزع صباع بعد كدا أو طرف من أطرافي روحت على قبرها، وميزة مقابرنا مالهاش حارس، فكان سهل أشيل التراب من على فتحة المقبرة وأحرك الكتلة الأسمنتية اللي قافلة باب القبر، من حظي إن مدخل القبر تراب وأسمنت مش باب حديد صغير..
ومسافة ما فتحت الباب لقيت حد واقف جوة القبر، وفي لحظتها رميت خصلة الشعر جوة وخرجت أجري، بس ورايا شوفت كلب ضخم، مقدرتش أهرب منه وعضني من رجلي عضة بشعة، وكل اللي بعد كدا أنا معرفوش.. ناس لقوني مرمية بتألم خدوني ودوني المستشفى، حقنوني ضد السُعار وخدت العلاج اللازم، ومع ذلك جالي مرض غريب ومش مفهوم، كنت بتعامل زي الكلاب وبشتهي العضم واللحم الني، بقعد في التراب قدام البيت بالأيام، الناس قالوا دي اتجننت، وبقيت عايشة على أكل الجيران اللي كانوا بيبعتوه إكراما لأمي..
وحكيت الحكاية بعد ٣ سنين كاملين لما بدأت أفتكر أنا مين وأيه اللي حصل، حكتها عشان الناس تعرف إن للبيوت حُرمة عظيمة، مش من حقك تفتش في حاجة الناس أو تطيل النظر جوة البيوت أو تتدخل في حاجة مش من حقك، مينفعش تسرق حاجة أو تاخد حاجة مش مِلكك، وأخيرًا مينفعش تنتهك حرمة الأمو.ات، لأن لو مكنش المو.ت واعظ هتبقا أنت الواعظ لما الناس تتحاكى باللي هيجرى فيك.. زي قصة مشهورة لواحد دخل ق.بر أخوه يودعه، وكان محضر إيصالات أمانة يبصمه عليها، ووقع ما.ت جمبه في نفس الق.بر، بلاش تاخد حاجة غيرك، واحترم البيوت واحترم الأمو.ات..
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا] سورة النور بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




