روايات

استغـ,ـاثة الميـ,ـت للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

يوم وفاة أبويا والدنيا كلها متجمعة قدام البيت والبكاء والعويل شغال وتقريبًا مبيقفش لقيت ابن عمي بينادي عليا وبيقولي إن الشيخ هارون جه عشان يغسل ويكفن الميت، تمالكت نفسي بالعافية لما أبويا بقا بيتقال عليه الميت وقابلت الشيخ هارون هو والمساعد بتاعه ودخلتهم على الأوضة اللي فيها أبويا..

دخلنا عليهم طاولة خشبية عشان الغُسل وجبنا المية الدافية والعطر والكفن، ودخلت أنا وابن عمي مع الشيخ والمساعد بتاعه، وبدأوا يحضروا الجـ,ـثمان للغُـ,ـسل، وغصب عني سرحت أوي في اللحظات دي وأنا شايف أبويا بقا مجرد جسم مبيتحركش، مبيتكلمش، مفيش فيه نفس، وغصب عني لقيت دموعي بتنزل مني بغزارة، وفجأة لقيت الشيخ هارون بيبص ناحيتي بغضب شديد جدًا وقال: ـ أنت بتبكي؟؟ بصتله بحيرة وهزيت راسي، راح مقرب مني ومسح تحت عيني الدموع وقال: أمال أيه ده؟؟

ابن عمي أتدخل عشان يهدي الأمور وقال: ـ طلباتك يا شيخ؟؟ ـ البُكا على راس الميـ,ـت بيعذبه وأحنا بنطلب للميـ,ـت الرحمة وأنتوا بتعذبوه، خد ابن عمك واستنوني بره.. بصتله بغضب بس ابن عمي خدني بقوة واعتذرلي وطلعنا بره، وأنا مش فاهم هو بيعمل كدا ليه، بس كان في دماغي حزن أكبر من إني أفتكر الموقف ده، وجت اللحظة الأسوأ لما شيلنا أبويا على الخشبة وبدأ الصراخ من قلب البيت وخاصةً أخواتي البنات وطلعنا على المقـ,ـابر، دفـ,ـناه ورجعت البيت وأنا قلبي مكسور، حزين، مش قادر أتكلم ولا أهمس بنص كلمة..

كلمت عمي وقولتله يلغي العزاء لأنه بِدعة ودي وصية أبويا، وحتى كنا منبهين وأحنا بنادي على المتوفـ,ـي إن العزاء قاصر على تشييع الجـ,ـنازة، ودخلت أنام عشان دماغي تهدى شوية لأني فعلًا كنت محتاج ده بأي طريقة، وكانت تقريبًا أسوأ نومة نمتها في حياتي، كوابيس وأرق وتعب نفسي، أبويا اللي كنت بكلمه طول نومي ومبيردش عليا، وكأنه كان أسوأ قرار أنا خدته لما قررت أنام في الوقت ده، وصحيت..

صحيت تقريبا على الساعة ١ بالليل، وأول ما فتحت عيني افتكرت إن أبويا مات، وبدأت أبكي بدون تفكير، بكاء مرير، شديد، بس كان الأولى إني أتوضى وأصلي ركعتين لعل وعسى ربنا يغفر لأبويا بسبب دعواتي، بس الغريب ووسط صمت الليل ده سمعت صوت بكاء غريب..

بدأت أكتم أنفاسي وأركز، كان فيه فعلًا صوت بكاء جاي من الأوضة، الأوضة اللي أبويا كان بيتغسل فيها من ساعات، المُخيف إن الصوت كان شبيه أوي بصوت أبويا، حسيت وقتها إني عجزت ٦٠ سنة، ورجلي رفضت تشلني، قعدت مكاني شعري واقف وقلبي بيدق وأنا مش عارف أيه اللي أنا سامعه ده، في النهاية رحت ناحية الأوضة وأنا بفكر في احتمالات كتير، وآخر احتمال ممكن أتوقعه لقيته.. فتحت باب الأوضة لقيت جسم متكفـ,ـن ومحطوط على ترابيزة الغُسل، ولما النور دخل شوية للأوضة شوفت الوجه، ده كان أبويا، وقفت قدامه مذهول، عقلي مشلول عن التفكير، وبدون وعي قولتله:

ـ أنت عايش يا بابا؟! لقيته بدأ يبكي أكتر وبص ناحيتي ودموعه بتسيل بغزارة وقال: ـ رجلي وجعـ,ـاني أوي يا محمد..

بصتله وأنا قلبي هيتخلع من مكانه من القهر وأنا شايف أبويا بالحالة دي، وبدون تفكير روحت ناحية رجله بس بدأ يلفت نظري حاجة غريبة، دموعه بدأت تتحول لدموع من دـ,ـم، دـ,ـم أحمر قاني، وقتها فوقت، أبويا مـ,ـات، اللي قدامي ده مين، وبدون وعي صرخت عشان اتفاجئ إن الطاولة فاضية ومفيش عليها أي حد، قعدت مكاني وانهرت من البُكا، لقيت أمي بتنادي بعد ما سمعت حد بيصرخ، طمنتها بسرعة وقعدت على الطاولة ولقتني بحـ,ـضنها بقوة، بحـ,ـضنها وأنا ببكي وبدعيله بالرحمة والمغفرة..

وعدت الليلة عليا صعبة أوي، مشوفتش الراحة غير لما الفجر أذن، روحت صليت وقعدت شوية قرأت قرآن لحد ما هديت، خاصةً إني فوجئت بالآية دي وأنا بقرأ [وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ] سورة البقرة

حسيت وقتها إن ربنا معايا، سامعني وشايفني بل وبيذكرني بيه وبيطلب مني الصبر، ودي حاجة عظيمة بالنسبالي، حاجة قدرت تهدي قلبي خالص، تاني يوم لقيت محمود صاحبي جايب فطار وجايلي، طلب مني أدخل الفطار ده لوالدتي وأخواتي وأنا أطلع معاه عشان نقعد شوية، مكنش حابب يسبني طبعًا ولو لحظة، أمي شكرته وأنا مكنتش قادر أمانع حتى، خاصةً إني بعتبره أخويا وأمي بتعتبره زيي بالظبط..

خرجت معاه وقعدنا نتكلم كتير، حاول يفصلني عن التفكير في أبويا لحد ما في النهاية قدرت فعلًا ابتسم، ذكرني بالله وقالي إن أبويا كان راجل خيره على الكل وبيحل المشاكل وبيساعد الناس وأكيد ربنا هيجازيه خير وده المهم بالنسبالنا، أما المـ,ـوت فكلنا هنمـ,ـوت..

قمت حضنتنه وحمدت ربنا إني عندي صاحب زي ده، وعلى بعد المغرب لقيت صنية أكل جاية مع محمود تاني وحلف ميت يمين إننا لازم ناخدها عشان نتغدا، جمعت أخواتي وأمي وفضلت معاهم لحد ما الكل شبع وصليت بيهم العشا جماعة وطلبت منهم نقرأ قرآن ونتخطى الموضوع لأن دي سُنة الحياة، حسيت بطاقة إيجابية بتدخل البيت وحسيت إن ربنا بيهون علينا كتير أوي..

وبعدها دخلت أنام، كنت حاسس بالسـ,ـكينة، وقلبي هادي تمامًا، لدرجة إني بدأت أروح في النوم تقريبًا، فوضت الأمر لله بغرض إن ربنا يديني جزاء الصابرين، وده أجره عظيم بيوصل إن العبد بيدخل الجنة وقتها بدون حساب، ونمت، بس مسافة ما نمت بدأ جسمي يقشعر وأحس إن أنفاسي بتضيق، كأن الأكسجين بيتسحب من الأوضة واحدة واحدة.. قمت وأنا عرقان وبنهج كأن كان فيه حد بيخنقني، واتشليت أول ما لقيت اللي نايم جمبي، أبويا بنفس الشكل، ونفس الكفن، وعمال يبكي بهيستريا ويقول:

ـ رجليا بتوجعني يا محمد.. قلبي وقتها كان هيخرج من مكانه خلاص وحسيت إن شعري بيشيب، وبدون وعي حطيت إيدي على رجل أبويا وأول ما لمستها صرخ بأعلى صوته واختفى من قدام عنيا، قعدت مكاني فاقد السيطرة على جسمي، وعلى أعصابي يمكن ساعتين كاملين، وعدت ليلة تانية كانت في قمة السوء والتعب.. لحد ما قابلت محمود تاني يوم وبدأنا نتكلم، بدأ يصبر فيا من جديد وأنا قولتله إني خلاص رضيت باللي حصل وده أمر الله، ابتسم وقال:

ـ الحمد لله إن الموضوع مر على خير دأنا ساعة مـ,ـوت أبويا اتمرمطت عشان ا… ولقيته سكت ومكملش كلامه، بصتله بتعجب وقولتله: ـ كمل يا محمود.. ـ مش حابب أضايقك بالكلام عن المـ,ـوت.. ـ لا قول عايز أسمع.. ـ اتمرمطت عشان أدوق النوم، كنت بشوف أبويا في الأحلام بيبكي وبيقول رجلي بتوجعني.. بصتله وأنا في قمة الذهول، كنت مصدوم، عنيا جحظت وجسمي اتخشب، فضل يهز فيا بس أنا سرحت، سرحت أوي، وافتكرت وقت الغُسل لما طلعت برة وسبت هارون مع أبويا، وفجأة مسكته وغرزت ضوافري في كتفه وقولتله:

ـ مين اللي غسل أبوك؟؟ بصلي بتوتر وقال: ـ الشيخ هارون.. قمت اتنفض من مكاني وقولتله: ـ أنا عاوزك معايا في مشوار.. ـ هنروح فين؟! ـ هنفتح القبر على أبويا.. بص ناحيتي بذهول وقال: ـ أنت اتجننت صح؟! ـ أبوس إيدك لو بتحب صاحبك أسمع كلامي.. وجريت على البيت روحت جبت مفاتيح المقابر وروحنا على هناك، فتحنا القبر ونزلت، كان المشهد مهيب وأنا شايف جـ,ـثة أبويا قدامي، مسكت مقص كنت جايبه معايا ومحمود واقف جمبي مذهول، قطعت الكفن وكشفت رجليه، وكانت الصدمة، أبويا صباعه الكبير مقطوع، مش موجود..

صورت رجليه وخرجت وقفلت باب القبر، بصيت لمحمود بغضب الكون وقولتله: ـ هارون بيقطع صوابع اللي بيغسلهم.. محمود مكذبش خبر وراح فتح قبر أبوه اللي كان هيكل عظمي، بس قطع الصباع كان ظاهر في الهيكل، خرجنا من القبر وأحنا في قمة الغضب.. روحت لعمي وحكيتله كان هيتجنن، جمع رجالة العيلة كلهم وكان محمود بلغ أهله وجمعنا السلاح وطلعنا على بيت هارون.. خبطنا على الباب وطلع وهو مستغرب من شكلنا، مسكته وأنا ثاير وقولتله: ـ أنت بتقطع في جـ,ـثث الأموات يا راجل أنت..

وقبل ما ينطق محمود كسر باب البيت ودخل، فضل يفتش هنا وهناك بس ملقناش حاجة، هددناه بالمـ,ـوـت لو متكلمش وقال هو عمل كدا ليه.. ومن الرعب بدأ يقول إنه بيعمل كدا عشان رضوان الساحر بيديله فلوس مقابل الصوابع دي لأنه تقريبًا بيعمل عليها أعمال، طبعًا مسافة ما نطق نزل الشوم على جسمه يكسره، وروحنا جبنا رضوان وكسرناه وسلمناهم للمركز بعد ما اعترفوا غصب عنهم.. وقتها ناس كتير أوي من أهل البلد فتحوا المقابر واتفاجئوا إن أهلهم مقطوعة صوابعهم، الكل كان عايز يقـ,ـتله بس المركز وعد إنه هيتحاكم محاكمة كبيرة، واختفى أبويا اللي كان بيظهر ويقول رجلي وجعاني..

بس السؤال اللي كان محيرني لوقت طويل هو: اشمعنا أنا ومحمود بس اللي شوفنا الأحلام دي وأغلب أهل البلد مشافوهاش رغم إن حصل في أهاليهم زي ما حصل معانا؟!

وجتلي الإجابة، شيخ قعد معايا بعد فترة وقالي إن الناس القريبين من ربنا واللي بيستعينوا بنعمة الصبر بيكونوا أقرب لاستقبال الرسايل من عالم البرزخ من غيرهم، وأنت ومحمود شباب متدين، عرفوا إن ده قدر وصبروا لوجه الله، فقدر الميت يوصل الرسالة، محمود مفهمهاش وقتها، بس لما حصلت معاك ربنا ألهمك الفِهم، الصبر يا بني، كل ما بتصبر ربنا بينعم عليك، هو مش قال [ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ] سورة البقرة

ودي نعمة صبرك إنك تجيب حق أبوك، حتى المظلوم يابني لو صبر لوجه الله بحق هيشوف حقه بعينيه في الدنيا، أصبر يابني، دايمًا أصبر في حياتك لآخر نفس، أصبر عشان تدخل الجنة بدون حساب.. [إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ] سورة الزمر بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى