روايات

سيدة بدون و.جه للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

مصدقتش نفسي لما عمي أخيرًا اتصل بوالدي وقاله إن ابن عمي كلم مدير المشروع بتاعه ووافق إني أجي أدرب معاهم في الموقع من وقت للتاني بصفتي مهندسة متخرجة من سنتين.. وقتها كنت فرحانة أوي بالخبر ومستنية اليوم اللي هبقا فيه البشمهندسة زينب اللي الكل هيحكي ويتحاكى بشغلها، تعبت في دراستي جدًا جدًا واستنيت اليوم ده بفارغ الصبر، لحد ما اتخرجت وكنت راسمة أحلام وردية كتير أوي وشايفة إني خلاص رايحة ناحية الجنة..

لحد ما اتصد.مت بالواقع لما لقيت الحصول على الوظيفة حاجة صعبة جدًا، بل وإني حتى لو لقيت وظيفة فهبقا مضطرة اتغرب هنا وهناك، الموضوع اللي سببلي حالة نفسية لمدة سنتين، سنتين بدور على شغل ومستنية نص فرصة عشان أثبت نفسي فيها، لحد ما فوجئت إن فيه مشروع هيتفتح قريب من مكان سكنى بنصف ساعة.. وإن ابن عمي واحد من المهندسين في الموقع ده، وكانت الفرصة، طلبت من والدي يكلم ابن عمي لو فيه نص فرصة إني أروح الموقع ولو حتى تدريب عشان أعمل شهادة خبرة، ووعدني إنه هيحاول مرة واتنين لحد ما الموضوع يحصل..

وانهاردة بس جالنا الخبر من ابن عمي إن مدير المشروع وافق أخيرًا، وقال إن مفيش مشكلة أروح أتعلم في أوقات راحة العمال يومين في الأسبوع، ولو أثبت كفاءتي هيطلب تعييني في الشركة معاهم، كان حلم جميل أوي بالنسبالي، حلم مكنتش أتخيل إنه هيتحقق بالسهولة دي.. وبدأت أزن على ابن عمي عشان يوديني الموقع وأبدأ أعيش الأجواء معاهم، وفي النهاية ومن كتر الزن قالي إنه هيوديني يوم الخميس بعد ما العمال يمشوا عشان أتفرج على الموقع كله بدون ما حد يضايقني خالص، وأشوف هل فعلًا الموضوع يستحق ولا لا..

واستنيت يوم الخميس بفارغ الصبر لحد ما جه، وقابلت ابن عمي وانطلقنا فورًا ناحية الموقع بعد ما فهمت إن العمال يوم الخميس بيمشوا بدري وياخدوا الجمعة أجازة ويرجعوا للشغل السبت، وفي النهاية وصلنا الموقع.. الموقع كان عبارة عن أربع أبراج لسة بيتحفر لمكان تأسيسهم وكل اللي حوليهم منطقة جبلية بالكامل، يومها ابن عمي استأذن خمس دقايق عشان يقضي حاجته وسابني في وسط الموقع لوحدي، كنت عمالة أتخيل حياة العمال الصعبة اللي تخليهم يشتغلوا في مكان قاسي زي ده مفيش فيه حمام حتى ولا مكان للشرب والأكل، بس لما تخيلت إن ده هيبقا مكان شغلي حسيت بقلق وضعف غريب..

ووسط تفكيري وانشغالي بالمكان لقيت واحدة واقفة ومدياني ضهرها، كانت واقفة جمب الونش وعمالة تتهز لقدام وورا في رتم ثابت وهادي جدًا، استغربت من وجودها في المكان ده واستغربت أكتر من شكلها الغريب، البنت لابسة فستان وشعرها طويل ونازل على ضهرها من غير ما يتربط، فكرت استنى ابن عمي بس حسيت إن الموضوع عادي لما أروح أشوف مين دي، قربت منها بشويش وناديت عليها بهدوء وقلت: ـ يا أستاذة..

بس، لا حياة لمن تنادي، قربت منها شوية وناديت من تاني، بس مفيش ولا كلمة بتنطقها، وعمالة تتهز زي ما هي، قربت أكتر ولفيت حوليها بس بمسافة كافية عشان أواجه وشها، بس كانت الصد.مة لما لقيت ضهرها من تاني، تخيلت إنها اتحركت ولفت أدتني ضهرها بس قولت إن ده مستحيل لأنها ثابتة زي ماهي، لفيت من تاني ورجعت حوليها لقيت برضه ضهر، وكأنها عبارة عن ضهر من الأمام ومن الخلف..

حسيت وقتها إن قلبي هيقف، وإني همو.ت من الر.عب، وفي اللحظة دي سمعت صوتها وهي بتهمهم بهمهمات غريبة، صوتها بدأ واطي في البداية بس فضل يتزايد ويعلى وكأنها غضبانة، ثايرة، وفي لحظة شوفت الكيان ده بيجري ناحيتي وبيهجم عليا، كانت بتجري بضهرها ناحيتي، تخيل شخص جاي يأذيك وأنت حتى مش شايف له وجه أو ملامح..

صرخت، صرخت بكل فزع الدنيا وجريت، فضلت أجري زي المجنونة وأصرخ لحد ما خبطت في جسم قدامي ووقعت، بصيت ناحيته بر.عب أكبر لقيته ابن عمي اللي كان مخضوض وبيسألني أنا خايفة من أيه، بصيت حوليا ملقتش أي حاجة، فضلت أتأمل المكان بس كل حاجة كانت رجعت زي ما كانت، فضلت اترعش قدامه، وهو بدأ يهديني ويستفهم عن السبب، وقتها معرفتش أنا ممكن أقول أيه غير إني قولت إني شوفت ثعبان وكان هيلدغني..

حذرني من ان دي منطقة صحراوية ولازم أحذر منها واخد بالي كمان، طلبت منه إننا نرجع لأني تعبانة وفعلًا استجاب لرغبتي ورجعت، وفضلت طول اليوم مشغولة باللي شوفته وحاسة بخوف غريب جدًا، كأن فيه كيان أو حاجة بتراقبني وعاوزة تأذيني ومستنية بس الفرصة عشان تعمل كدا.. يا ترى مين البنت دي؟؟ وليه كانت واقفة بالشكل الغريب ده؟؟ وهل الموضوع انتهى على كدا ولا لسة هيحصل فيه حاجة تانية؟؟ وعلى بالليل حاولت أتمالك نفسي وأخيرًا نمت، وفي نص الليل صحيت على صوت حد بيخبط بإيقاع ثابت ومنتظم..

طق.. طق.. طق.. صحيت من نومي بصيت حوليا وأنا مش فاهمة الصوت ده جاي منين.. طق.. طق.. طق.. قمت من على السرير ولسة رايحة أفتح النور فوجئت بضوء ضعيف طالع من المراية، بصيت ناحيتها بذهول لقيت المراية بتطل على قصر، كأن فيه فيديو شغال عليها، شايفة قصر ضخم وشكله مهيب جدًا، وبدأت الصورة تتحرك لحد ما دخلت جوة القصر نفسه، وقتها شوفت بنت واقفة في صالة القصر بتوتر شديد، وماسكة في إيديها تمثال مكسور كان عامل زي التحفة الفنية..

في الوقت ده قربت من المشهد ست ضخمة وشافت المنظر وشوفت على ملامحها الغضب الشديد، ومسكت البنت فضلت تضرب فيها والبنت تستغيث وبشدة، بعدها اختفى المشهد تمامًا، ومسافة ما اختفى من قدامي سمعت صوت حد بيتنفس بسرعة شديدة من ورايا، بصيت بفزع لقيت نفس البنت اللي بيظهر منها ضهرها بس واقفة ورايا بالظبط، ووقعت من طولي في غيبوبة، وأنا حاسة بر.عب ما بعده ر.عب..

تاني يوم صحيت وأنا بحاول أقنع نفسي إن كل اللي شوفته ده كان مجرد كابوس مش حقيقي، بس الورم اللي في راسي بسبب الوقعة على الأرض بيقول غير كدا خالص، دخلت الحمام عشان أغسل وشي واستعيد نشاطي، ومسافة ما بصيت في مراية الحمام شوفتها من تاني، نفس البنت اللي ملهاش غير ضهر جوة المراية، بس الغريب إن وقتها محستش بالخوف بقدر ما حسيت إنها عايزة توجهلي رسالة أنا مش فاهماها..

كانت بتبكي بصمت، شايفة من بين شعرها الغزير دموع بتنزل، دموع من دم، حاسة إنها شايفاني وبتستغيث بيا، ولقتها بتمد إيديها من جوة المراية ناحيتي، وفورًا لقيت نفسي بمد إيدي ناحيتها أنا كمان.. في اللحظة دي وأول ما لمست المراية حسيت بكهربا غريبة بتمسك جسمي خلتني اتنفضت مكاني وخرجت من الحمام وأنا بتنفض، قعدت في أوضتي أبكي من الخوف والقلق والتوتر اللي أنا فيه، بتمنى من ربنا ينجيني من اللي أنا فيه ده لأنها حاجة غريبة وغير مفهومة بالمرة..

في اليوم ده ابن عمي اتصل بيا أكتر من مرة بس مكنتش قادرة أرد عليه خالص، وعدى اليوم من تاني ولقيت نفسي بالليل لوحدي في الأوضة وبتأمل المراية من تاني، الغريب إني شوفت مشهد جديد، شوفت الست الضخمة شايلة شنطة ضخمة وبتتحرك بيها بصعوبة وخرجت من القصر ووقفت في مكان لوحدها وبدأت تحفر وتحفر لحد ما دفنت الشنطة دي، واختفى المشهد عشان تظهر البنت ورايا من تاني وهي بتزوم، وفورًا اتكرر المشهد من تاني وأغمى عليا..

وفضل الموضوع ده يتكرر لمدة أسبوع كامل، لحد ما كنت قربت أفقد عقلي، حسيت إني لازم أروح الموقع بأي طريقة، وفعلًا ابن عمي خدني معاه وروحت، ومسافة ما قربت من المكان اللي جمب الونش بدأت أشوف خيالات غريبة، وبدأت أسمع صوت وشوشة في وداني، وشوشة بتقول: ـ احفر هنا..

وبقيت على يقين إن فيه حاجة جمب الونش ده، المكان اللي لاقيت فيه البنت، كلمت ابن عمي وحكتله على كل حاجة بالتفصيل وقولتله إني شاكة إن فيه حاجة في المكان ده واترجيته يساعدني، بس الغريب إنه قالي إن فعلًا في المكان ده كان فيه قصر واتهد من عشرين سنة تقريبًا لواحد من الأعيان..

وقتها بس جمعت الخيوط ببعض، وهو قالي إنه هيساعدني بس هيحفر بعد يومين بأي حجة بس لازم يقنع مدير المشروع وإني لازم أرجع وهو هيتصرف، وبعد يومين اتصل بيا وصوته منفعل جدًا، وقالي إنهم حفروا ولقوا هيكل عظمي لجثة في المكان ده، وقتها بس كل حاجة انتهت بالنسبالي وقدرت أعيش حياتي من تاني بعد ما فهمت.. بعد بحث طويل عرفت إن مالكة القصر ده كانت ست غنية جدًا وقاسية جدًا مع الخدامين، لدرجة إن فيه بنت كسرت تحفة من التحف فعذبتها لحد ما ماتت ودفنتها قدام القصر، والقرين ده فضل هايم وبيظهرلي لحد ما كرموا الجثمان ودفنوه بطريقة تليق بيه..

وكل اللي اتعلمته من خلال التجربة دي إننا أقدار في حياة بعض، وإن ربنا أوقات بيسخرنا لخدمة ناس تانية، ويمكن يسخر جنوده لخدمتنا، والغريب بقا إن مدير المشروع كان بيحب ابن عمي أوي ولما دردشوا مع بعض ابن عمي قاله على سبب حفره الحقيقي وهو صمم إني أتعين واشتغل معاهم، ولو حبيت أشكر حد بعد ربنا فهشكر الكيان المُخيف اللي ظهرلي ده..

واتعلمت فعلًا إن من قلب العُسر بيولد اليُسر، وإن ربنا بيحطلنا الرحمة في أسوأ ظروفنا على هيئة ألف حاجة وحاجة وزاد يقيني بصحة الحديث اللي بيقول (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ) صحيح مسلم [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا] سورة الشرح بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى