
كنا قاعدين من يومين على الحصيرة في الصالة بنتعشى أنا وأمي وأخويا الصغير عشان أبويا يدخل علينا وهو شكله غريب شوية، وكأنه عايز يقول حاجة ومش عارف يقولها، وأمي كانت بتعرف تفهمه من نظرة عنيه بس، استفسرت بكل هدوء عن سبب سكوته ده، فقال إننا لازم ننقل لمحافظة البحيرة خلال يومين بالكتير لأنه هيعتني بالأرض بتاعت العمدة اللي اشتراها هناك..
وبدون نص كلمة زيادة من أمي قالت إننا هنكون بكرة جاهزين للسفر، وده لأن أمي كانت من الجيل القديم، الجيل اللي مؤمن إن مكاني هو مكان جوزي حتى لو في آخر بلاد المُسلمين، وأبويا كان أهم غفير عند العمدة بتاع البلد وبيعتمد عليه في حاجات كتير أوي، عشان كدا أول ما جت أرض البحيرة قرر يبعت أبويا عليها..
بس الموضوع مكنش بالسهولة دي لأن أبويا هيروح وهو مش عارف أي حد إطلاقًا هناك، والمتوقع إننا هنروح نبني على أول الأرض أوضة بالطوب اللبن ونفرشها ونقعد فيها، يعني شغل يومين كاملين، وحتى لما عرض على أمي تستنا هنا شوية رفضت، وقالت أنا رجلي على رجلك وزي ما هتشقى عشانا لازم أشقى معاك..
وتاني يوم كنا مجهزين كل حاجة تقريبا، وكان فيه راجل معرفة العُمدة جاي ياخدنا من البيت لحد الأرض نفسها، وعلى بالليل كان واقف بالعربية القديمة قدام البيت، ركب أبويا جمبه قدام، وركبت أنا وأمي وأخويا الصغير ورا، وفضلنا وقت طويل لحد ما الشمس طلعت، وفي النهاية كُنا قدام الأرض، شوية وفطرنا وبعدها الراجل جاب واحد تاني ووقفوا يكلموا أبويا، وأنا كنت قريبة وسامعة الكلام..
قالوا لوالدي بدل ما يبني أوضة ونتمرمط معاه فيه قصر قديم على الترعة مهجور من سنين والحارس اللي عليه معرفة ليهم، ممكن ياخدنا فيه ننضفه ويبقا صالح للمعيشة، وأبويا يراعي الأرض والقصر وده أحسن كتير من إنه يتعب مراته وولاده، الكلام وقتها جه على هوى أبويا وخدنا معاه عشان نشوف القصر ده..
وفعلا بعد خمس دقايق مشي بس كنا في مكان فاضي تمامًا على الترعة، مبني فيه قصر فخم وكبير جدًا، كان عامل زي قصور الملوك اللي بنسمع عنها في حكايات ألف ليلة وليلة، دخلنا من بوابة القصر الضخمة وكانت فيه جنينة كبيرة بتحاوط القصر، وطبعًا كانت مُهملة شوية، والقصر نفسه كان بالطوب الأحمر ولسة محتفظ بلونه وكأنك بتبص على قصر دموي اتعمل من الدم.. ضحكنا، ضحكنا أنا وأخويا من الفرحة وأبويا أول ما شاف ضحكاتنا ارتاح، ونوعًا ما حسيته تقبل الموضوع، سلمنا على الحارس وأبويا اتبسط أكتر إن القصر قريب من الأرض فهيقدر يوميًا يراعي الأرض ويبقا معانا مش بعيد..
على بالليل كنا اشترينا شعلة صغيرة وجبنا المصباح اللي بيشتغل بالجاز ونضفنا كام أوضة في القصر عشان نعرف نعيش فيه، أخويا الصغير كان بينام مع أبويا وأمي في الأوضة لأنه كان قلقان وأنا كنت في أوضة لوحدي.. فتحت الشباك عشان يجيب شوية هوا خاصةً إن وقتها مكنش فيه مراوح ولا كهربا من الأساس بس من كتر التفكير مقدرتش أنام إطلاقًا، ووقفت في الشباك اللي كان بيطل على الناحية التانية أراقب المكان، وعلى ضوء القمر لمحت حاجة غريبة أوي وثابتة في مكانها..
شوفت طفل صغير واقف وعامل زي الصنم جوة حديقة القصر وبيبص ناحيتي بثبات رهيب، معرفش ليه جسمي قشعر أوي من الموقف، فكرت إنه ممكن يكون سيد أخويا، بس لما روحت اتأكدت لقيت أخويا نايم مع أبويا وأمي، فكرت أصحيهم بس قولت يمكن عيل صغير نط من على السور، وبيلعب في القصر.. نزلت أشوف فيه أيه وعلى ما نزلت ملقتش أي حاجة إطلاقًا، حاولت أفتكر المكان اللي كان الطفل واقف فيه وفعلًا قدرت أوصله، وفي المكان كانت فيه أثار أقدام على الطين واضحة أوي، مديت إيدي عليها عشان اتأكد وفعلًا الآثار كانت موجودة..
الهوا عمال يض.رب في جسمي وبدأ الخوف يسيطر عليا غصب عني، مديت إيدي تاني على الأرض وحسيت بحاجة صلبة وسط الطين، غير إن الأرض في المكان ده بالأخص كانت مفتتة وكأن حد كان بيحفر فيها من قريب وكمان أعلى من باقي المكان..
شيلت التراب شوية بشوية وكانت الصدمة، لقيت قايم رخام عامل زي شواهد القبور وكان مكتوب عليه بس مش بالعربي، وكأنه دليل على إن فيه حد مدفون هنا بالفعل، وبدون وعي مني بدأت أحفر وأحفر لحد ما كشفت الشاهد بالكامل، وعرفت إني لو كملت حفر ببساطة هوصل للجثة المدفونة اللي الله أعلم هتكون عاملة ازاي، وقبل ما اتحرك سمعت صوت أنفاس ورايا..
بصيت بسرعة وأنا مخضوضة لقيت الطفل، الطفل كان واقف ورايا عريان ووشه أسود وعنيه مش موجودة في مكانها، وقعت في الطين وانا بصرخ بأعلى صوت، بس صوت الهوا الشديد استحالة ينقل صراخي، لقيته بيشاور ناحية البوابة، بس أنا مستنتش لحظة وطلعت أجري زي المجنونة لحد ما رجعت أوضتي، معرفش ليه مصحتش أبويا وأمي وقولت هعرفهم بكرة عشان نمشي من المكان ده كله..
قعدت في الأوضة اترعش، بصيت من الشباك لقيت نفس الطفل واقف فوق المكان مبيتحركش، وعمال يشاور ناحية البوابة بثبات رهيب، قفلت الشباك واتغطيت وفضلت أترعش، هصحي أبويا وأمي أقولهم أيه، ووسط رعشة جسمي دي بدأت أحس بحاجة تقيلة أوي على صدري، حاجة بتخدرني وعاوزاني أنام بالعافية، وفعلًا مقدرتش أقاوم ونمت..
مسافة ما عملت كدا بدأت أسمع صراخ رهيب، كان صراخ أمي، قمت اتنفضت ودخلت الأوضة لقيت اتنين ملثمين بيغتصـ .. ـبوها وأبويا مطعون طعنات كتير وبينـ .. ـزف وأخويا الصغير مبيتحركش من الرعب، في اللحظة دي واحد منهم بص ناحيتي وجري ورايا بالسكيـ ـن، طلعت أجري وأنا مفزوعة لحد ما نزلت وجريت ورا القصر، في اللحظة دي لقيت الطفل واقف، وقبل ما اتحرك هجم عليا وعضني من رقبتي..
وقتها صرخت من جديد وصحيت، لقيت نفسي نايمة على السرير وجسمي كله عرقان، أنا كنت بحلم الحمد لله، فتحت الشباك وأنا خايفة وشوفت مشهد مُرعب، من البوابة الخلفية شوفت اتنين مُلثمين وماسكين خناجر بينطوا منها، وشفت الطفل بيشاور ناحيتهم، وكأنه بيقولي الحلم هيتحقق لو ملحقتش نفسي، جريت زي المجنونة صحيت أبويا وأمي وقولت لأبويا إن فيه اتنين ماسكين سلاح وجايين يقتلونا..
أبويا طلع شومة ضخمة من تحت السرير كان جايبها معاه وطلب مننا نستخبى تحت السرير، فضلت أدعي وأقول يارب نجينا، يارب نجينا، مفيش دقيقة وسمعت صوت صياح شديد، مسكت سكينة وخرجت أجري وأنا ناوية أمو.ت أو ألحق أبويا، لقيت الاتنين متكومين وأبويا مكسرهم بالشومة بتاعته وواحد منهم دماغه بتنزف.. أول ما أبويا شافني مسك من إيدي السكـ ـين وحطه على رقبة واحد منهم وشال اللثام من على وشه، وكانت الصدمة، ده الراجل اللي خدنا من بلدنا، هو اللي جاي يقتلنا، والتاني اللي بينزف كان هو حارس القصر، أبويا حلف ليقتله لو مقلش بيعمل كدا ليه..
قالوا إن العمدة اللي بعته هنا هو وعيلته وطلب مننا نخلص على الكل بسبب موضوع الشهادة إياه اللي أنت شهدتها بالحق، أبويا وقف يض.رب كف على كف، ومعرفش ليه سألته بقسوة: ـ مين الواد اللي مدفون ورا القصر؟! بصلي بذهول هو وأبويا، بس أبويا داس بالسكـ ـين على رقبته عشان يتكلم..
قال إن الولد ده قصته معروفة هنا واتقتل ظُلم من الباشا الإنجليزي اللي كان ساكن القصر ده من ٢٠٠ سنة، لأنه ض.رب ابن الباشا في مرة بس أحنا غطينا القبر بالتراب عشان محدش فيكوا يرفض يقعد هنا، وراح أبويا سأله من تاني ليه مقتلناش في السكة أو في الأرض وليه لازم القصر..
تحت التهديد قال إنهم كانوا هيغتصبوني أنا وأمي ومكنش فيه مكان أحسن من القصر ده، وبدون تفكير أبويا ض.ربه على دماغه لحد ما فقد الوعي، ولمينا حاجتنا وهربنا من المحافظة كلها، روحنا على محافظة تانية كان ساكن فيها خالي، وبعدنا عن شر العُمدة، وشر القصر، وحمدنا ربنا إننا نجينا من كل ده..
اللي عرفته إن أبويا شهد مرة قدام الحكومة بالحق على ابن العمدة رغم إن العمدة طلب منه يشهد زور، والعمدة منسيش الموضوع ده وفضل شهر كامل ساكت، لحد ما قرر يخلص من أبويا ومراته وعياله وينتقم منه، فبعته البحيرة واتفق مع الراجل ده، وجابونا للأرض ومنها للقصر عشان نتطمن لهم ونبعد عن أي مكان فيه ناس..
بس يشاء ربك إن القصر يكون مقتول فيه طفل مظلوم، وهو اللي ينبهني قبل فوات الأوان بدقايق بس، عشان هو اتظلم وربنا سخر قرينه يساعدنا منتظلمش زيه، ويمكن عشان حاجة واحدة بس ثابتة بمرور الزمن، أبويا كان بيتقي الله في كل حاجة، شغله، بيته، ولاده ومراته، حتى يوم ما شهد شهادة اتقى الله فيها، عشان كدا ربنا نجاه.. وكل واحد هيتقي الله هيلاقي المخرج، ده وعد ربنا، تشهد بالحق لأنك بتتقي الله، تقول الصدق لأنك بتتقي الله، متاكلش حرام لأنك بتتقي الله، وقتها هيطبق عليك قول المولى عز وجل:
[وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا] سورة الطلاق قصة مستوحاة من أحداث حقيقية، ولكن حدثت في عام ١٩٨٠م.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




