
أنت عندك صمام تالف وشريان مسدود، لازم عملية قلب مفتوح فورًا.. الجملة دي خلعت قلبي من مكانه أول ما الدكتور قالهالي، جسمي كله عرق ودوخت وعنيا زغللت، قلب مفتوح أيه؟؟ أنا لسة شاب عندي 25 سنة!! أيه اللي يخلي الصمام يتلف، والشرايين تتسد؟! ولا بدخن ولا أنا تخين حتى؟! وقعت من طولي ومفقتش غير والدكتور عمال يرش مية على وشي، بصلي باشفاق وقالي إن العمليات دي بقت سهلة اليومين دول، وإنها مبقتش خطر زي زمان..
طبعًا كلامه كان مجرد مسكن لا يسمن ولا يغني من جوع، وده ببساطة لأن مسمى العملية لوحده مفزع، قلب مفتوح.. روحت البيت وأنا صامت تمامًا، دخلت أوضتي وقفلت الباب، قعدت وأنا مثقل بكل هموم الكون، افتكرت شوية التعب اللي مسكوا صدري من أسابيع، افتكرت لما روحت للدكتور وقالي لازم تعمل قسطرة استكشافية على القلب.. واديني عملت القسطرة، وكانت المفاجأة، صمام تالف، وشريان مسدود، ولازم تدخل جراحي فورًا، بل إن الدكتور طلبني خلال أسبوع أكون عامل التحاليل والأشعة عشان اتحجز في المستشفى..
اتصلت بخطيبتي يومها وكنت لأول مرة في حياتي تقريبًا ابكي قدام حد، بكيت أول ما سمعت صوتها، وده لأنها فعلًا الكيان اللي بتسند عليه في الحياة، دعمتني وشجعتني جدًا، وإن ده ممنعش شعور إني همو.ت إنه يتسلل جوايا.. أنا همو.ت يوم العملية، ده إحساس يقيني.. أسبوع عدى بين الإشاعات والتحاليل عشان الدكتور يكلمني ويطلبني للحجز، ودعت أبويا وأمي وأصحابي، وكأني خلاص رايح اتعدم، واللي زاد الأمر سوء إن ظروف كورونا خلت المريض ميدخلش معاه حد طول فترة العملية، إطلاقًا..
وقدمت ورقي لإدارة المستشفى واتحجزت في سرير في غرفة فاضية، لوحدي، أنا والمو.ت اللي شوفته قدام باب المستشفى بيستقبلني بابتسامة واسعة.. المو.ت، المو.ت اللي مستعجل أوي عليا.. لله الأمر من قبل ومن بعد.. اتحددت العملية بعد يومين من وصولي للمستشفى، يومين و و نسيت أقولك إني شوفت فيديو لعملية قلب مفتوح لايف، وياريتني اتعميت قبل ما اتفرج.. شوفت الدكتور بيمسك مشرط وبيفتح بيه من أول الرقبة لحد اخر القفص الصدري، وبعدها بيمسك صاروخ ويشق بيه عظمة القص نصين، وبعدها بيفتح القفص الصدري على اتساعه..
شوفته بيمو.ت القلب تمامًا وينقل الجسم على جهاز تنفس صناعي، شوفته بيقطع بالمشرط في القلب وكأنه بيقطع في بهيمة.. يا الله، رحمتك يارب.. جسمي كله من بعد الفيديو بدأ يتنفض ويتنفض، يا الله، رحماك يارب.. وجه الليل عليا في المستشفى، جه الليل بحزنه وسكونه وظلامه، كنت حاسس إن المو.ت واقف بيتفرج عليا، مستني الفريسة لحد ما تقع في الفخ.. والفخ ده كان العملية، عملية المو.ت.. ونمت، معرفش ازاي بس نمت، وفي نومي شوفت ترابيزة وعليها واحد نايم، وواقف قدامه جراح لابس كمامة بيضا، الجراح كان شاقق صدره كله وعمال بيشرح في شرايين قلبه..
المشهد كان مخيف، مخيف جدًا، خاصة إن المكان كله كان مظلم، مظلم تمامًا، مفيش غير لمضة صغيرة منورة على المريض ده بس، وفجأة مسك الجراح قلبه وظهر عليه الألم وفجأة وقع من طوله، فضلت أشوف اللي بيحصل في رعب حقيقي، وفتح المريض عينه وقام وقف.. كان الدم بيسيل من صدره وهو مفتوح وشكله مرعب، قلبه كان ظاهر وهو بينبض بقوة، ولقيته بيشاور ورايا، بصيت برعب عشان أشوف باب مكتوب عليه خروج، وقبل ما استوعب اللي بيحصل صرخ وهجم عليا، هجم عشان أصرخ واصحا من نومي مفزوع، صحيت جسمي كله عرقان وقلبي عمال يدق بقوة..
كنت عطشان أوي، همو.ت من العطش، بصيت جمبي ملقتش مية، أنا في المستشفى صح، قومت من على السرير وروحت عند حمام الدور اشرب، كان الدور مظلم وساكن تمامًا، كل الغرف مقفولة والمرضى نايمين.. صمت مرعب، مُخيف، روحت عند الحمام اللي كان في اخر الدور وشربت من الحنفية، شربت كتير جدًا، خرجت وجيت راجع، و… و… أيه ده؟! الدور كله عبارة عن حيطة وقصادها حيطة، فين الغرف؟! أنا اتجننت ولا أيه؟؟
مشيت بحذر وأنا بدور على الغرف بس مكنش فيه خالص، مشيت لحد اخر الدور لحد ما لقيت حيطة سد، ولقيت، لقيت مريض واقف بضهره، مكنتش شايف غير ضهره لأنه كان لابس قميص أبيض، وطبعًا وسط الظلام ميزته بالعافية.. – لو سمحت؟؟ قلتها بصوت متحشرح، مرعوب، لحظات وواجهني بصدره، هو نفس الشخص اللي شوفته في الحلم.. صدره كان مشقوق والدم بيسيل منه، شعر راسي شاب من المشهد وجسمي كله اتخشب، في لحظة سمعته بيصرخ ويقول بصوت خشن جدًا
– اهررررررررب.. وبدأ يجري ناحيتي، جسمي كله اتشنج مرة واتنين من الفزع قبل ما أصرخ بهيستريا وأجري، أجري، أجري، كنت بجري وبصرخ عشان اصطدم بيه، كان نفس الشخص، وقعت في الارض وفضلت اتنفض وأصرخ عشان أسمع صوت قوي وحد بيهزني بقوة – يا أستاذ، فوق يا أستاذ.. فتحت عيني وأنا مذهول عشان أشوف حارس الأمن واقف قدامي، بصيت حوليا لقيت الغرف في مكانها، سندني ورجعني أوضتي وجبلي عصير وطمني شوية.. في اليوم التاني مقدرتش أكل لقمة واحدة من التفكير والخو.ف، أنا هتجنن، هتجنن حتى قبل ما أمو.ت بيوم واحد..
وعدي اليوم وجه الليل، الليل اللي بقيت بخاف منه جدًا، طفيت النور والأوضة ضلمت تمامًا، حاولت أنام بس معرفتش خالص، بكرة الصبح العملية، وفي وسط تفكيري حسيت بصوت أنفاس قوية، وكأن حد بينهج بقوة، بصيت بفزع قدام سريري عشان أشوفه، شوفته بصدره المشقوق وقلبه اللي بيدق.. جسمي اتنفض ألف مرة وأنا ببصله، كان غضبان جدًا، كان وشه أحمر زي الدم، سمعته بيصرخ وبيقول – مش قولتلك أهرب؟! حاولت اتكلم مقدرتش، حاولت مقدرتش.. لقيته قرب جمب السرير ومد رجليه سحب ورقة كانت مرمية تحت السرير..
وبعدها دخل في ضلمة الأوضة واختفى، اتنفضت من السرير وفتحت النور وفضلت انهج، بصيت بعين زايغة للورقة ومسكتها، كانت صورة بطاقة باسم محمود أبو الليل المنصوري.. مسكتها وخرجت، خرجت وأنا بتنفض، دخلت الحمام غسلت وشي، وأنا خارج لقيت بتاع الأمن قدامي، اطمن عليا ورجعني أوضتي.. سألته هل يعرف شخص اسمه محمود أبو الليل، لقيته ابتسم وقالي عمي محمود الله يرحمه، ده مات من أسبوعين في عملية قلب مفتوح، كان نايم على سريرك اللي أنت فيه ده، بس كان راجل زي العسل، ده حتى قبل العملية شرب معايا قهوة ليلتها وحكالي عن حياته كتير..
ونمت، نمت عشان أشوف أبو الليل واقف قدام سرير الجراحة غضبان وهو بيبص ليا وأنا على السرير والدكاترة شغالين في جسمي، كان عمال يصرخ فيا عشان أصحا وأهرب، طول الليل وهو بيصرخ، وخلص الحلم وصحيت على صوت الممرضة، الممرضة اللي قالتلي ألبس لبس العملية وأجهز.. لبست اللبس وأنا عارف إني بلبس الكفن، نزلت مع بتاع الأمن في الأسانسير على دور العمليات، وقتها بدأ صوت أبو الليل جوة ودني يصرخ، يصرخ، يصرخ، ونزلت تحت، وشوفت دكتور التشريح بيقرب، كان ماسك الحقنة، واتشاهدت وطلبت من ربنا يرحمني، في اللحظة دي شوفت أبو الليل، كان واقف على راسي وصرخ..
صرخ عشان أض.رب الدكتور في دراعه أطير الحقنة من إيده، ومع الضغط روحت في نوبة صراخ هيستيري، صراخ خلى المستشفى كلها تتجمع بالأمن بمدير المستشفى، وبكل ما أملك من قوة قولت إني مش هعمل العملية، حاولوا يقنعوني بس كنت خلاص، مسكت مشرط وحطيته على إيدي، هقطع شراييني لو حد قرب، هنأجل العملية مش أكتر لو مصممين، بس مش هعملها انهاردة مهما حصل..
وسابوني طلعت أوضتي وأنا عمال أهدد لو حد قرب هق.تله وأق.تل نفسي، لميت هدومي وطلعت أجري برة المستشفى، خرجت من المكان كله وجريت، جريت لحد ما نفسي اتقطع وروحت قعدت على قهوة بعيدة شويتين عن المستشفى، خلاص أنا مش هعمل العملية واللي يحصل يحصل.. بعد ساعة تقريبًا شوفت عربيات بوليس كتير جدًا بتجري بسرعة الصاروخ من قدام القهوة، قوات خاصة وعربيات مصفحة و و بعد شوية لقينا راجل جاي بيقول المستشفى بتاعت القلب اتشمعت والدنيا مقلوبة هناك..
وبصيتله وأنا مصدوم.. ……………… بعد يومين نشرت الجرايد، نشرت وقالت إن فيه دكتور استشاري كبير تسبب في حالات ق.تل عمد في مستشفى القلب، الدكتور ده كان هو وفريقه مسئولين عن عملية يوم التلات، وإنه كان كل أسبوعين بيق.تل حالة عمد وياخد من أعضائها.. يعني أسبوع يعمل عملية ناجحة وأسبوع يعمل خطأ عشان الحالة تمو.ت بعد ما ياخد منها اللي هو عايزه، ومفيش أهل مي.ت هيراجعوا جسمه قبل ما يد.فنوه، خاصةً إنه طالع من عمليات ومتغسل ومتكفن في المستشفى..
لما ربطت الكلام ده افتكرت إن أبو الليل مات من أسبوعين، ونجحت حالة الأسبوع اللي فات، وكان الدور عليا اتق.تل، سبحانك ربي ما أعظمك.. كملت وعرفت إن كمان كان متفق مع استشاري من التأمين الصحي بيبعتله حالات لا تستحق تدخل جراحي أصلًا، كان بيشخص غلط ويبعتله، وأنا كنت رايح تبع التأمين، وإن أهل ميت اكتشفوا وقت الدفن بالصدفة البحتة إن فيه شق مكان الكلية وراحوا بلغوا عشان الشرطة تشرح الجثة وتكتشف المصيبة..
بعد يومين روحت فورًا لاستشاري خاص وكشف عليا، شخصني إن عندي نسبة دهون عالية شوية مسببة قصور في شريان واحد وإن علاج بسيط بيسبب سيولة للدم هيكون حل مثالي.. لما حكيتله إني اتشخصت صمام وشريان مسدود اتصدم، اتصد.م وأقسملي إنها حاجة تافهة وأي دكتور مستحيل يشخص إنها تحتاج لتدخل جراحي، وعرفت إني اتشخصت غلط عشان اتسرق، واتق.تل، والحمد لله، الحمد لله، شكرًا يا أبو الليل.. “المستشفى لسة متشمع حتى يومنا هذا” بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




