
صحيت في الليلة دي على حلم غريب أوي، شوفت نفسي في حديقة كبيرة أوي، بس حديقة مهجورة، الأشجار من غير ورق وفروعها شكلها مخيف، والحشايش الضارة طالعة في كل مكان، وصوت الرياح عمال ياكل من شجاعتي ومخلي جسمي يرجف من الرهبة، وجمب الشجرة اللي قصادي شوفتها، أمي الله يرحمها، كان وجهها عابث كأنها غضبانة مني أوي..
فكرتني بأيام زمان لما كانت بتغضب مني لما بغيب من المدرسة، وبدون أي مقدمات لقتها بتقول:
ـ الكلاب بتد.بح الكلاب..
بصتلها بتعجب وأنا مش فاهم الجملة ورديت:
ـ مش فاهم حاجة يا أمي!!
لقيت صوتها جاي غضبان وقوي كأنه الرعد في السما وكررت الجملة:
ـ الكلاب بتد.بح الكلاب..
وصحيت، ولقيت قلبي داخل في سباق هيستيري، بيدق بعنف، وأنفاسي بتتسارع بطريقة غريبة، وقتها لقيت الفجر بيأذن، قومت صليت واستعذت بالله من الحلم الغريب ده وطلعت على الشغل، وبدأ يومي هادي أوي، هادي بطريقة غريبة، كأني جوة صمت مطبق..
ووسط الهدوء ده لقيت فتحي صاحبي بيقتحم المكتب كالعادة وبيتكلم بسرعة لدرجة إنك لو متعرفوش مش هتفهم كلامه وقال:
ـ انهاردة فرح زياد جاهز ولا؟؟
بصتله باستغراب وقولتله:
ـ زياد بتاع قسم المشتريات؟؟
ـ أيوة يابني ده عزم الشركة كلها..
ـ بس ده معزمنيش؟؟
ـ غريبة!!
حسيت بضيق جوايا شوية من حتة التجاهل دي بس بعد نصف ساعة لقيت رقم بيرن عليا، كان رقم زياد، توقعت إن فتحي اللي بلغه يعزمني وحسيت بالإها.نة بصراحة، رديت بضيق وقولت:
ـ ازيك يا زياد؟؟
ـ تصدق الواد علاء ده ندل، ده أنا مبلغه يقولك على ميعاد الفرح بس شكله مبلغكش..
ابتسمت بصراحة وأكدت على كلامه، وطبعًا زياد أقسم إنه لازم يشوفني في الفرح وإلا هيطلق العروسة أو هيجي يض.رب علاء اللي موصلش الدعوة، كنت متكاسل بصراحة أروح بس في النهاية قررت أروح كنوع من أنواع التقدير، الراجل ساب تجهيزات الفرح ورن مخصوص عشاني..
وعلى بالليل كنا في القاعة، وفوجئت بفرح إسلامي راقي، راقي بدرجة خلت كل اللي قاعدين في قمة السعادة، طول عمره شخص محترم ومبيحبش الحرام وقلة الأدب، وعلى الساعة ٩ الكل كان بيمشي وهو بيجهز مع كام عربية عشان يروح على بلده مع عروسته، بس بعد ركوبه مع عروسته فضل واقف وقت طويل، ولما استفسرنا عن السبب لقينا السواق تعبان ومش قادر يسوق، طبعًا الفرح مينفعش يبوظ بأي طريقة..
استأذنت السواق إنه يركب مع اي عربية تانية وأنا هسوق بالعريس والعروسة، زياد شكرني جدًا وهو قاعد جمب زوجة محتشمة وقمة في الاحترام، انطلقنا فورًا لحد ما وصلنا لقرية على أطراف العاصمة..
الجو كان ليل والبرد بدأ يزيد والمطر مغرق الدنيا والشوارع، بس البهجة اللي كنا فيها غطت على كل حاجة، وصلنا بيته وبعد زفة بسيطة طلع مع عروسته وانصرف الجميع وسلمت العربية لأخو السواق اللي كان من نفس البلد..
ومكنش ناقص شيء غير إني أروح، سألت شخص أطلع ازاي على الطريق فوصفلي طريق مباشر هيوصلني لموقف شغال ٢٤ ساعة، وانطلقت في بلد مفيهاش عمود إنارة واحد، في بلد البرد فيها عامل زي الرصاص، ومن حسن حظي لقيت توكتوك طلبت منه يطلعني برة البلد..
انطلق التوكتوك بيا بين شوارع ضيقة وسط الطين والحفر اللي اتسببت فيها المطرة، لحد ما وصلنا لطريق زراعي غريب كله طين حرفيًا، ووقف سواق التوكتوك ومقدرش يكمل، واعتذر بشدة إنه استحالة هيقدر يكمل، وإن آخر الطريق ده هلاقي الطريق السريع وسهل أركب من هناك، نزلت لأن فعلًا كان استحالة هيعرف يكمل..
ببساطة لأني كنت ماشي عن يميني ترعة وعن شمالي جدول مية صغير بيسموه الفحل، وطريق صغير بينهم كله طين، يعني الجزمة هتكون في خبر كان، يالا مش مهم أهو قدر، مشيت واحدة واحدة عشان متزحلقش في الطين، ووسط الهدوء والبرد ده شوفتها، واحدة ست، شايفها رغم الضلمة، بتشاور بطريقة هستيرية كأنها بتستغيث..
فكرت كتير قبل ما أروحلها، خايف يكون فخ أو عملية احتيال، بس أنا راجل، وعارف إني استحالة أشوف حد بيستغيث أو بيطلب مساعدة وهسيبه، فما بالك بواحدة ست، نخوة ربنا أنعم بيها علينا، وبدأت اتحرك ناحيتها..
نطيت جدول المية الصغير ودخلت في قلب أرض زراعية كلها طين، كانت رجلي بتغرز فيها مع كل خطوة ٢٠ سم على الأقل، بس كنت بعافر، بعافر معافرة راجل، في النهاية وصلتلها، كانت متوشحة بالأسود وواقفة بتترعش، واقفة قدام مزرعة مهجورة ومفيش حد في المكان كله..
اتكلمت بهدوء وقلت:
ـ حضرتك محتاجة مساعدة؟؟
لقتها بتتكلم زي الطفل اللي عنده تلت سنين اللي بيتلعثم في الكلام وقالت:
ـ الكلب اتعور، الكلب اتعور..
ـ كلب أيه أنا مش فاهم!!
لقتها بدأت تبكي أوي وعمالة تردد:
ـ الكلب اتعور..
وسابتني ودخلت من باب المزرعة المهجور، دخلت وراها وأنا بناجي رب المستضعفين ينجيني من أي شر، دخلنا مكان مهجور بالكامل، فكرني بالحلم اللي شوفت فيه أمي..
مزرعة شكلها مهجور ومُخيف، كلها عشب جاف وشكلها عامل زي بيت الأشباح، بصيت قدام مبنى المزرعة لقيت الست قاعدة على الأرض وبتبكي، قربت منها وأنا مستغرب عشان ألاقيها حاضنة كلب صغير والكلب عمال ينبح بألم كبير..
بصيت على الكلب بشفقة لقيت الكلب مجروح في رقبته جرح كبير أوي، أشفقت عليه وأنا شايفه بيبص ناحيتي بوجع يقهر القلب، في اللحظة دي شاورت الست على باب المزرعة، شاورت بثبات رهيب..
دخلت وأنا خايف وقلبي بيدق بخوف كبير، المكان كان مُظلم تمامًا، والرياح بتزوم، وأنفاسي عمالة تتسارع، شغلت ضوء الكشاف وبدأت استكشف المكان، المكان اللي أول ما دخلته شميت ريحة بشعة، وبدأت أسمع صوت طرقات..
طق
طق
طق
قربت من مصدر الصوت وأنا متماسك بالعافية، وجوة غرفة من الغرف شوفت راجل مديني ضهره وماسك ساطور، و
و….
رحمتك يا الله..
شوفت الراجل بيمسك كلاب وبيحطها على مذبح قدامه وبيض.رب راسها بالساطور يفصله عن الجسم، شوفت الأوضة كلها ج.ثث كلاب وحمير، وقفص مليان كلاب بتنبح برعب، شوفت مذبحة بكل ما تحمل الكلمة من معنى..
في اللحظة دي شهقت غصب عني، شهقت عشان يبص ناحيتي، مكنش بشر، كان شيطان، عنيه حمرة بلون الدم، ووجهه أسود غضبان، وجسمه كان كله فجوات، كأن جسمه اتاكل منه لحم كتير وهو حي..
ولقيته بينبح زي الكلاب بصوت رهيب، وقتها صرخت، صرخت..
ـ يا الله، يا الله..
وجريت زي المجنون، ومن ورايا سمعت نباح كلاب كتير، وحسيت بخطواتهم ورايا..
ـ يارب، يارب..
وقتها كنت قدام الست والكلب، بس……
كانت ج.ثة…
ج.ثة الست مطعونة ومرمية في الأرض وجمبها كلب صغير مدبوح، صرخت أكتر..
ـ يارب، يارب..
وجريت وخرجت من المكان، وقعت مرة واتنين في الطين، جسمي كله اتغرق، بس في النهاية وصلت للطريق السريع، وقابلني ناس ولاد حلال ركبوني عربية وروحوني وهما فاكرين إني كنت بتثبت وبتسرق..
رجعت بيتي بترعش، بتنفض، مرعوب، مقدرتش أنام، ولا أخرج من أوضتي، يومين كاملين غايب من الشغل ومش قادر أتمالك أعصابي، لحد ما حد من أهل البلد حكى لزياد العريس إنهم شافوني على أول البلد خايف ومرعوب، لأني قولتلهم يومها إني كنت في فرح زياد..
زياد اللي جالي تالت يوم زواجه من قلقه عليا، وحكتله كل حاجة، وهو مكذبش خبر، اتصل بعمامه وخدني وطلعنا على المزرعة، وهناك شوفنا الهول كله؛ ج.ثة واحدة ست مقتولة وجمبها كلب مقتول، وجوة المزرعة ج.ثة راجل منهوشة من كل مكان تقريبًا وشكلها قمة في البشاعة، وجمبه عشرات الج.ثث لكلاب وحمير..
اتصلنا بالشرطة اللي حضرت وتحفظت على الج.ثث، أيام من التحقيق لحد ما عثروا على تليفون الست دي جمب الج.ثة، ولقينا تسجيل أخير وقت ق.تلها، كانت بتسجل للقات.ل اللي كان جوزها:
ـ يا قذرة، جاية تهربي الكلاب والحمير من ورايا، عاوزة تخسريني فلوسي..
ـ اتقي الله أنت بتدخل عليا وعلى عيالك فلوس حرام، أنت بتعمل حاجة عقابها عند ربنا عظيم، عامل مزرعة للكلاب والحمير وبتورد لحومها للمطاعم، منك لله..
ـ وأنتي مال أهلك أنتي..
ـ لو عملت كدا تاني هبلغ عنك..
بعدها صوت خطوات بتجري، الراجل بيلعنها ويشتمها، بعدها صوت طعنات وشهقة قوية، وصوت الراجل بيقول:
ـ وقبل ما تمو.تي هد.بح الكلب ده جمبك عشان الحنية اللي أنتي فيها دي..
ود.بح الكلب، بس واضح إن الكلاب أقفاصها اتفتحت بسبب الست، وخرجوا في اللحظة دي، صوت صراخ، الراجل بيجري، وبعدها صوت ألف نبحة من نباح الكلاب، صوت شهقات ووجع رهيب..
ملخص الحكاية إن الست اكتشفت إن جوزها عامل مزرعة للحوم الكلاب والحمير، وهي اكتشفت ده وحاولت تهرب الحيوانات، بس هو مسكها وق.تلها، وجه القصاص فورًا من الكلاب اللي قطعت جسمه كله..
وواضح إن قرين الست ظهرلي يومها عشان نكرم ج.ثمانها وندفنه، وفعلًا د.فناه وأنا ببكي بشدة، ببكي على ست بتتقي الله وماتت وهي خايفة من ربنا، وغضبان على راجل معدوم الضمير كان بيأكل الناس لحوم كلاب وحمير فكان عقابه إن لحمه هو اتاكل من الكلاب، وكأن الجزاء كان من ج.نس العمل..
اتعلمت إن معدوم الضمير بيتعاقب دنيا وآخرة، وإن اللي بيرضى على الناس الأذى بيتأذي بنفس الأذى وأكبر، وإن عدل ربنا نافذ مهما كان..
طبق ده على اللي بياخد رشوة، اللي بيعمل أكل فاسد في المطاعم، اللي بيشهد زور، اللي بيأذي الناس بالكلام أو الض.رب، وافتكرت، افتكرت قول الله عز وجل [وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] سورة النحل
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




