
أبويا تعب من شوية وروحه كانت هتطلع بلا رجعة، اتفاجئت بأمي بتصحيني الساعة ٦ الصبح وهي بتصرخ وبتقولي: ـ ألحق أبوك يا صابر.. اتنفضت من سرير وروحت الأوضة بتاعته لقيته مش قادر يتنفس وعمال يشهق زي الغريق، لسة هشيله عشان أوديه لأي مستشفى منعني ورفض تمامًا يتشال من على السرير، لدرجة إن جالي هاجس إنه بيمو.ت ومش عايز يتبهدل في المستشفى وعايز يمو.ت على سريره.. جريت جبت البخاخة بتاعته وفضلت أرش منها في فتحة الأنف واضغط بإيدي على صدره، وفضلت جمبه ساعتين كاملين وأنا جسمي بيعرق من الخوف، لحد ما في النهاية فاق وبقا كويس، وأول ما فاق لقيته بيقولي:
ـ أنت مش عندك امتحان انهاردة؟! بصيت في الساعة وشهقت، الساعة ٨، الامتحان الساعة ٩ وأنا بحتاج مش أقل من ساعة ونص مواصلات، حاولت أمنع نفسي إني أروح عشانه بس رفض، امتحان مهم جدًا ودي آخر سنة في الكلية.. لبست هدومي بسرعة وخرجت، ووصية أبويا زي ما هي مبتتغيرش من سنين طويلة، متمشيش من طريق (أبو عواد) طلعت من البيت وأنا مش عارف هلحق الامتحان ولا لا، تعب أبويا نساني خالص، استنيت ألاقي توكتوك ولا موتوسيكل يطلعني على أول البلد مش لاقي..
وعشان اختصر تلت ساعة كان لازم أكسر وصية أبويا، طريق (أبو عواد) بتمشي فيه خمس دقايق بالظبط بيطلعك على أول البلد، رغم إن أبويا منعنا تمامًا نمشي منه بعد ما اتشل من ٢٠ سنة كاملين في المكان دا.. عرفنا إنه كان راجع بالليل ووقع من فوق جزع نخلة على (السِلَّة) بتاعت النخلة، ودي حاجة ناشفة وبتعور، وقع واخترقت أسفل ضهره، ومن يومها مبيتحركش، ويمكن تعتبر من أغرب الحوادث اللي ممكن تحصل لإنسان..
بس انهاردة لازم أتجاهل كل ده، وفعلًا جريت وسط طريق الغيطان، لحد ما وصلت لبيت قديم لقيت واحدة ست قاعدة قدامه، أول ما شافتني حطت كف إيدها على وشها وكأنها بتستخبى مني، وبدأت تراقبني بعنيها من وسط صوابعها.. حاولت أعرف دي مين من غير ما أركز معاها لِأننا في أرياف ومن طبعنا مبنبصش في وجوه الستات بس مقدرتش، لحد ما عديت من قدامها وهي لازالت بتراقبني، ولحقت الامتحان على آخر دقيقة وعدى الموضوع على خير..
بس الست مطلعتش من راسي لحظة واحدة، عقلي كان مشغول بيها بطريقة غير مفهومة، يا ترى مين دي، وتعرفني منين، وليه استخبت بالطريقة دي، وعلى آخر النهار كنت على أول البلد، ومن كتر ما كان تفكيري ثاير قررت أعدي من نفس الطريق لعل وعسى أشوفها وأكشفها، عشان عقلي يهدى شوية.. كانت الشمس بتغيب وقتها وأنا قدام نفس البيت القديم اللي معرفش أصلًا ده بيت مين، وبدأت أسمع صوت واحدة بتتكلم من جوة، قربت بهدوء تام عشان أسمع صوتها ومسافة ما حطيت ودني على الباب لقيت الباب اتفتح في لحظة ولقيت البنت أو الست دي واقفة قدامي بتبصلي باستنكار..
حاولت أتكلم معرفتش وحسيت بخجل كبير، لقتها بتفتح الباب أكتر وبتقولي (اتفضل) ومسافة ما قالتها تليفوني رن، بصيت في التليفون لقيته أبويا، اعتذرت من الست واتحركت بسرعة وأنا بشتم نفسي على الموقف اللي حطيت نفسي فيه دا.. ورجعت البيت وكتمت عن أبويا إني عديت من المكان ده، وعلى الساعة ١٢ بالليل لقيت باب البيت بيخبط، نزلت أفتح بسرعة عشان أبويا وأمي ميصحوش، خاصةً إن أبويا تعبان، كمان كنت مستغرب لِأن محدش بيزور حد في الوقت ده، فتحت الباب لقتها نفس الست، حسيت بإحراج واعتذرتلها إني كنت بتجسس عليهم..
لقتها ابتسمت وظهرت واحدة وراها، بنت من عمري تقريبًا، زي ما بيقولوا تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك، لقتها بتقولي: ـ دي بنتي كانت عايزة تتعرف عليك.. حسيت بإحراج شديد وقولتلها: ـ طيب أنا هزوركم بكرة لأن دلوقتي مينفعش.. وفعلًا مشيوا وأنا توهت، توهت لأن بنتها كانت جميلة بطريقة مُبالغ فيها، لدرجة إني فضلت أحلم طول الليل وأتخيل إني هخطبها واتجوزها، وروحت تاني يوم، خبطت على الباب مرة واتنين وعشرة بس مكنش فيه حد..
رجعت البيت وأنا قلبي مكسور، وروحت اليوم اللي بعده واللي بعده على أمل إني ألاقيها أو ألاقي بنتها، بس للأسف مش موجودين، والتزمت الصمت، وعقلي بقا ثاير من كم الأفكار اللي فيه، يا ترى راحوا فين وليه مستنتش زيارتي.. وبعد أسبوع كامل كنت معدي ولقيت الست قاعدة قدام البيت، روحت عليها بلهفة وكلمتها، قولتلها إني جيت أكتر من مرة ومكنش فيه حد فيكم، اعتذرتلي وقالت إنها هتستناني الساعة ٩ بالليل انهاردة..
وفعلًا خرجت من ورا أبويا وأمي وروحت، قابلت الست وبنتها واتعرفت عليهم، الست اسمها (وردة) وبنتها اسمها (قمر) اسم على مسمى زي ما بيقولوا، قالتلي إنها عايزة تعرفني على والد قمر، سألت عنه قالولي في بيته التاني، ومشينا في الغيطان مع بعض وأنا كل شوية ببص لقمر من ورا أمها، جميلة جمال مُبالغ فيه وغير مفهوم.. فضلت على الحالة دي لحد ما سمعت رنة تليفوني، كان أبويا، رديت عليه لقيته بيصرخ في التليفون: ـ أنت مشيت من طريق (أبو عواد)..
حاولت أهديه لقيته بيصرخ أكتر وبيقول: ـ أنت مع مين قولي وأيه اللي وداك هناك؟! رديت بتوتر وقلت: ـ أنا مع الست وردة وبنتها قمر.. وسمعت آخر صرخة قبل ما الموبايل يفصل: ـ دول ميتين يا بني، أمشي من عندك بسررر… بصيت يمين وشمال لقيت نفسي في قلب المقابر، قدام قبر مش مكتوب عليه أي حاجة، ولقيت قمر بتخبط على باب القبر وبتقول: ـ تعالى يا بابا صابر عايز يتعرف عليك..
بصتلها بذهول وشوفت وش تاني خالص، وش طفلة رضيعة على جسم بنت، راسها مشقوقة نصين والدم بينزل منها، بصيت لأمها لقيت جرح في راسها بيسيل منه الدم، وجريت، جريت وأنا سامعها من ورايا بتقول: ـ لو أبوك كان سابها عايشة كان زمانها عروسة دلوقتي.. فضلت أجري وأنا شعر جسمي كله واقف، لحد ما وصلت لبيتها، وجريت من قدامه عشان اتفاجئ بأبويا، أبويا على الكرسي بتاعه غارز في الوحل وعمال يصرخ ويقول: ـ يا وردة، سيبي ابني وخديني مكانه..
كان متبهدل بالطين وعمال يعيط، جريت ناحيته بس بدون مقدمات لقيت الكرسي بتاعه وكأن حد بيزقه بسرعة رهيبة لحد ما رماه في الترعة، وشوفت أبويا قدام عنيا بيغطس في الترعة، وقبل ما أحاول أنقذه لقيت الدنيا كلها بقت سودة، سودة تمامًا.. لما فُقت عرفت إن أبويا غرق في الترعة ومات، وعرفت إن البيت ده مهجور تمامًا، ووقعت في حالة صدمة لأيام طويلة، لحد ما روحت لعمي، وألحيت عليه لحد ما حكالي كل حاجة..
وردة وجوزها كانوا أغراب عن البلد، وصلوا من سنين طويلة وقعدوا في البيت ده، لحد ما حصل خلاف بين أبويا وجوز وردة، وبما إن أبويا من عيلة كبيرة متقبلش فكرة إن حد غريب وملوش أصل يناطحه الكلمة بكلمة، فضلت الخناقة تكبر لحد ما أبويا وتلاتة كمان هجموا على بيت وردة وجشوزها عشان يض.ربوه ويكسروا عينه، بس الراجل دافع عن عرضه وبيته بحياته.. وده خلى الدم يغلي في عروق أبويا أكتر، ض.رب الراجل بالشومة ق.تله، وض.رب مراته بالشومة عشان تبطل صريخ، ولما لقوا طفلة رضيعة أبويا مرحمهاش وق.تلها، ومن خوفهم الموضوع يتكشف خدوا التلاتة دفنوهم في قبر تبع العائلة بتاعتنا..
بس بعد ما ق.تلهم أحواله اتغيرت تمامًا، بقا بيشوف كوابيس، بقا بيقول إن حد بيناديله كتير، لحد ما راح ناحية البيت في مرة رجع مشلول، ومحدش عارف اتشل ازاي فعلًا، ولما رجع كنت أنا لسه عندي سنتين، كانت وصيته منعديش من هناك أبدًا مهما حصل، ٢٠ سنة نفذت فيهم الوصية، لحد ما كسرتها عشان ينتقموا منه ويق.تلوه، بعد ٢٠ سنة عذاب وشلل كان مصيره المو.ت..
أبويا كان مريض بمرض مُرعب، مرض اسمه أنا ابن فلان أو من عيلة فلان أو من المكان الفلاني، النزعة القبلية المُرعبة حولته لسفاح ق.تل عيلة كاملة ملهاش ذنب، فكرني بأحوالنا دلوقتي، المصري والسوداني والجزائري، الصعيدي والبحراوي والسيناوي والفلاح، كلنا بقينا بنعاير بعض وشايفين نفسنا أحسن من بعض، ولو متحررناش من اللعنة دي هيجي يوم والقوي فينا هياكل الضعيف حتى لو كان من نفس دينه، الإسلام جه ونزع الجاهلية والقبلية وأحنا للأسف رجعناها تاني.. عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال (أَرْبَعٌ في أُمَّتي مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ في الأحْسابِ، والطَّعْنُ في الأنْسابِ، والاسْتِسْقاءُ بالنُّجُومِ، والنِّياحَةُ) صحيح مسلم
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




