روايات

حبيس القـ,ـبر للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

قاعدين على القهوة في أمان الله وإذ فجأةً نسمع صوت جاي من ميكروفون الجامع، الغريبة إنه مكنش الأذان اللي مبقناش بنستجيب له، ده كان صوت استغاثة غريب وأول مرة نسمعه في حياتنا ـ كل أهل البلد يخرجوا على المحطة حالًا عشان فيه قطر مقلوب، اطلعوا ساعدوا أخواتكم.. وقتها تقريبًا اتشقلب حال البلد والكل خرج يجري ناحية أول البلد عند شريط السكة الحديد، وصلنا بعد عشر دقايق تقريبًا وكان المشهد المتوقع، هرج ومرج وناس بتبكي واللي بتصرخ واللي من الخضة واقع في الأرض، مشهد صعب خلاني أطلب من ربنا الستر، بعدها كل حاجة عدت بسرعة وغريبة..

رجالة البلد اتحولوا لشعلة نشاط وخدوا المصابين على المستشفى، وكل الستات خرجوا من القطر على المساجد اللي اتفتحت، وبعض الشباب حاوطوا القطر منعًا لأي محاولة سـ,ـرقة متعلقات الركاب، الكل حرفيًا كان بيجري عشان يساعد بأي حاجة.. واحدة واحدة بدأت تظهر معالم الحادثة، القطر كله سليم تقريبًا، مفيش غير عربيتين بس اللي مقلوبين، أول واحدة منهم خرج ركابها بإصابات خفيفة، مفيش غير العربية الأخيرة اللي كانت للأسف في وضع صعب.. وقتها اللي قلبه ضعيف متقدمش لأن المتوقع إننا هنشوف مناظر صعبة، دم سايل وناس ربما يكونوا أمـ,ـوات كمان، وللأسف اللي توقعناه لقيناه، الناس كسروا شبابيك القطر وبدأوا يفتحوا مجال للركاب ينزلوا..

الكل كان متدمـ,ـر، اللي راسه مجـ,ـروحة جـ,ـرح كبير، واللي رجله اتكسرت، واللي كتفه اتخلع، واللي للأسف غرقان في دـ,ـمه ويادوب بيتنفس، الكل بلا استثناء كان نازل بيترعش، وشه أصفر وعنيه فيها فزع الكون، فزع شخص شاف المـ,ـوت وبقا أقرب له من الحياة، الكل بيتنفض وبيترعش، إلا هو، إلا الراجل ده..

اتسند علينا ونزل وهو ماسك راسه المجروحة وعلى وجهه طمأنينة غريبة، وكأنه صاحي من النوم مش طالع من حـ,ـادثة قطار، لدرجة إن الناس قربوا منه عشان يساعدوه بس بعدهم عنه بهدوء وهو مبتسم ابتسامة غريبة، خلع قميصه ومسح بيه الدم وطلب من الناس يساعدوا الباقيين ويسيبوه هو، فضلت متابعاه بعنيا وأنا متعجب من الشخص اللي طالع من قلب المـ,ـوت بالبساطة دي، من قلب الحديد والنار والقضبان وكأنه طالع من تحت مية دافية على الجسم..

مشيت وراه وجبت قطن وشاش وأصريت إني أغيرله على الجـ,ـرح، وهو في النهاية ابتسم وسلم للأمر تمامًا، بس وأنا بغير الجرح كنت عمال أبصله بارتياب شديد، الراجل هادي ومسلم ولا كأن راسه بتنزل دم وطالع من حادثة، هادي بطريقة مُبالغ فيها، حتى هو لاحظ نظراتي المرتابة فابتسم أكتر وقال: ـ عايز تقول أيه؟! ـ يعني بصراحة الـ.. ـ الله أكبر.. الله أكبر.. وقفت كلامي لما اتنفض أول ما سمع صوت الأذان، واتكلم في استعجال وقال:

ـ يالا بسرعة الأذان بيأذن.. ـ طيب أحكيلي وفهمني.. بصلي بذهول شديد وقال: ـ ونضيع خمس دقايق من وقت انتظار الصلاة، أنت واعي للي بتقوله؟! كلامه خلاني أخجل من نفسي عشان يكمل: ـ عايز تكمل كلام يبقا بعد الصلاة، هتيجي ولا أيه؟؟ وبدأت أتحرك في تثاقل ناحية المسجد عشان نصلي العصر، وعشان اكتشف سر من أسرار الحياة مكنتش أعرف عنه أي حاجة في حياتي للأسف، سر اسمه “………….” ………………

بعد صلاة العصر قعدنا في ركن من أركان المسجد وبعد ما اطمئنيت عليه وعرفت إن اسمه عم صلاح طلبت منه يفهمني ليه متأثرش بالحـ,ـادثة وكان هادي بالطريقة دي رغم إن الواحد قلبه بيتخـ,ـطف لو بس العربية اتحركت بسرعة فجأة، وبعد صمت طويل اتكلم وقال: ـ تفتكر بعد ما تدفـ,ـن صاحي ممكن تخاف من حاجة تاني؟؟ بصتله باستغراب وقلت: ـ يا ستار يا رب، طيب فهمني.. خد نفس عميق وقتها وبدأ يتكلم.. ………………

لسة فاكر يابني أمي لما لازمت فراش المـ,ـوت قبل مـ,ـوتها بتلت شهور، كانت وقتها مريضة بأمراض الدنيا، ومفيش دكتور عارف يدينا حل لحالتها، والكل كان متوقع إنها هتتألم أوي في مرضها قبل المـ,ـوت، وعلى مدار تلت شهور بدأت أمي تردد جملة واحدودة ـ الصلاة يابني، يابني مفيش عاقل يسيب الصلاة، الصلاة يابني أمان وقت الخوف ونجاة وقت المـ,ـوت والحساب..

عايز أقولك إن أمي كانت بتردد الكلام ده عليا في اليوم أكتر من خمسين مرة، لدرجة إنها كانت مسافة ما تشوفني تسألني عن الصلاة، تسألني عن أخر صلاة وهل أنا صليتها ولا لا، لدرجة إني بدأت أتخنق من كلامها المتكرر، بس هي فضلت على حالها ـ الصلاة أمان وقت الخوف، ونجاة وقت المـ,ـوت والحساب.. وكانت وقت الصلاة مستعدة تزحف ناحية الحمام عشان تتوضى وتصلي، كأنها لو مصلتش هتتحـ,ـرق بالنـ,ـار، كان عندها شيء مقدس اسمه الصلاة مينفعش بأي حال من الأحوال إنها تتأخر دقيقة..

لحد ما جت الليلة الموعودة وصلت الفجر وغمضت عنيها مفتحتهاش تاني، مـ,ـاتت أمي بدون أي ذرة ألم رغم كل كلام الأطباء، مـ,ـاتت واتدفـ,ـنت وحزنت عليها كتير، بس أيامها كنت عايش الدنيا بالطول والعرض، بشرب مخـ ـدرات وبتخانق وسيء الخُلق، إنسان الكل كان بيتحاشاه أصلًا.. لحد ما في ليلة روحت اشتري حشـ ـيش من منطقة في بلدنا اسمها “الخـ,ـرابة” والمكان ده كان قبل المقابر المهجورة بعد شريط القطر بمسافة، منطقة مهجورة ومناسبة جدًا لكل بياعين المخـ ـدرات بعيد عن عين الحكومة، وطلعت على هناك بعد نص الليل وكانت أول مرة ليا أروح اشتري بنفسي ومن منطقة خطر زي دي..

الخرابة كانت عبارة عن أرض واسعة مليانة زبالة، أكوام من الزبـ,ـالة ملهاش نهاية، وفيها كام بيت مهدود، ولو عديت البيت المهدود هتلاقي أكتر من ٥٠ مقبرة قديمة اتهجروا من زمان أوي، وبقا المكان ملجئ لكل المتسولين وقطاع الطُرق.. مشيت على الوصفة لحد ما وصلت لاتنين واقفين جمب بيت مهدود واشتريت منهم بمبلغ كبير مُخـ ـدرات عشان أكفي نفسي فترة لقدام بعد ما بيعت الانتريه بتاع البيت، وبعد ما اشتريت لقيت واحد منهم بينصحني أخرج من الطريق اللي ورا المقابر أحسن لأن الطريق اللي رجع منه فيه بلطـ ـجية ممكن ياخدوا مني المُخـ ـدرات..

وطبعًا من الخوف والقلق استجبت لمطالبهم ومشيت ناحية المقابر القديمة، مكان نائي، مُخيف، والظلام فيه ثقيل أوي، وحتى الصمت ملوش مثيل في أي مكان تاني، ووسط شرودي ومحاولة خروجي من المكان فوجئت باتنين ملثمين ومعاهم مطاوي بيسدوا عليا الطريق وبيمسكوني بقسوة، من شكلهم وطريقة كلامهم اتأكدت إن أي محاولة هرب هيقـ,ـتلوني بدـ,ـم بارد، مفيش هنا حاجة اسمها رحمة أبدًا..

بس أنا كنت عنيد، مكنتش ناوي استسلم بسهولة، أنا دافع مبلغ وقدره في الحاجات اللي معايا دي وأكيد مش هياخدوها بالساهل، وفي لحظة ضـ,ـربت واحد منهم بضوافري في عنيه وجريت، بس التاني كان متحفز ومسك فيا بكل قوته ووقعنا انا وهو على الأرض.. في لحظة لقيت المطـ,ـوة غارزة في فخذي اليمين لحد نهايتها، وصرخت بأعلى صوت أنا ممكن أصرخ بيه في حياتي، الألم كان بشع، لا يُطاق، خدوا مني كل اللي معايا وكل اللي شوفته واحد منهم بيمسك حجر ضخم وبيضـ,ـربني على راسي بعنـ,ـف والدنيا كلها من حوليا بتتهز كأني جوة زلـ,ـزال عنـ,ـيف، وبعدها ظلام كامل، ظلام طويل كله ألم..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى