روايات

بيت الخوافة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

الدكتورة انهاردة طلبت مننا بحث عن الفلكلور الشعبي والحكايات الشعبية المصرية المنتشرة في الأرياف وبعض قُرى الصعيد، وقالتلنا إن البحث ده مهم وعليه نص درجات المادة تقريبًا، وأنا واحدة بتغيب عن محاضراتها أكتر ما بحضر وواثقة إنها عايزة تشيلني المادة بأي طريقة كانت، عشان كدا فضلت أفكر ازاي أجيب حكاية من التراث تبهرها لأنها غالبًا مش بتعدي أي حاجة وكل الأبحاث بالنسبالها أقل من العادي..

ووسط تفكيري لقيت نفسي عايزة أكتب عن أمنا الغولة أو أبو رجل مسلوخة، وأول ما الفكرة جت في بالي اتفاجئت إن فيه شاب جنبي بيقول إنه هيكتب عن (أبو رجل مسلوخة) ولقيت نفسي بيجيلي إحباط ما بعده إحباط، النداهة أكيد نص الدفعة هتكتب عنها، والسلعوة وأمنا الغولة وأبو رجل مسلوخة، كل دول هيكتبوا عنهم، رجعت البيت وفضلت أفكر أنا ممكن أكتب إيه أو أقدم بحث عامل ازاي..

وغصب عني بدأت أفتكر البلد أيام زمان، لما كانوا بيحكوا عن واحدة ست بتاكل العيال الصغيرين، فضلت أفتكر اسم الست دي لحد ما فعلًا افتكرته، كان اسمها (الخوَّافة)، والاسم ده المفترض بيرمز إنها هي اللي بتخاف، لكن الحقيقة هي اللي كانت بتخوف أي حد بيروح هناك، كان ليها بيت على الترعة القديمة كنا نروح نلعب هناك، وياما أطفال اختفوا زمان وكل الناس قالوا إن الخوَّافة أكلتهم..

فكرت في الموضوع ولقيته يستحق، أنزل لجدتي يومين البلد واكتب البحث بتاعي وأرجع، وكمان أقدر أوثقه بالصور عشان يبقا بحث مميز ومحصلش زي ما بيقولوا، وفعلًا ركبت القطر في نفس اليوم بالليل ووصلت بلدنا الصبح، معايا خميس وجمعة وممكن أرجع السبت بالليل.. جدتي رحبت بيا ترحيب مُبالغ فيه كعادتها ودبـ ـحت البط والفراخ، وأنا قعدت على سطح البيت أتأمل البلد اللي كانت زي ما هي من يوم ما سبناها من ١٥ سنة كاملين، نفس الريحة وأصوات الناس والبهايم اللي بتروح وتيجي مع الفلاحين، مناظر خلتني عايزة أبكي من الحنين اللي جوايا..

واللي استغربته إن نفس التحذيرات هي هي موجودة في البلد، محدش يقرب من بيت الخوَّافة أبدًا، والأطفال من بعد العشاء كل واحد بيرجع على بيته، وأنا كنت محتاجة أسمع أكتر عن الست دي وأعرف حكايتها، بس ممكن نأجل ده لحد ما أروح هناك وأصور كام صورة للبيت، نمت ليلتها من التعب بس شوفت واحدة في منامي، واحدة سِت لابسة أسود ومش ظاهر منها أي ملامح خالص، الغريب إنها قربت مني وسمعت صوتها في وداني بتقول:

ـ ظُلم في الحياة وبعد الممات يا شاهيناز.. فقت من نومي وأنا مخضوضة وفضل قلبي يدق بعنــ,,ـــــف شديد، بصيت على الشباك ولمحت واحدة بتبص عليا منه، وأول ما لمحتها مشيت بسرعة، فضلت قاعدة على السر,,ـــــير خايفة لحد ما رجعت نمت مرة تانية، وتاني يوم بالنهار عديت على واحدة صاحبتي كنت أعرفها من زمان وقعدت معاها شوية وبعدين حاولت أقرب من البيت عشان أصوره، لسة فاكرة مكانه رغم مرور السنين دي كلها، بس لما قربت منه لقيت الأرض اللي جنبه بتتزرع وفيه عدد من الناس قريبين من البيت، ولو صورت المنظر مش هيكون لطيف خالص..

وفضلت أفكر لحد ما قررت أرجع بالليل من غير ما حد ياخد باله مني، لأن وقفتي بدأت تلفت الأنظار، وفعلًا رجعت وعلى بعد العِشا خرجت، جدتي كانت بتعمل العشا وأنا قولتلها هشتري حاجات من محل قريب، لبست العباية السودة عشان متعرفش إني غريبة عن أهل البلد ومشيت ناحية البيت، عشر دقايق بالظبط وكنت هناك، بيت قديم أوي تحس إنه مبني من ٣٠٠ سنة وأكتر، والغريب إنه ضخم وله بوابة حديد مفتوحة وجنينة حولين البيت، فكرت إني لو دخلت جوة سور البيت مش هبقا مكشوفة وهصور كام صورة براحتي وهخرج..

وفعلًا قدرت أدخل للبيت من جوة ووقفت قدامه، ولأول مرة أحس بالرهبة دي في حياتي كلها، وكأنك واقف في أرض غير الأرض اللي عِشت عليها سنين طويلة، طلعت الموبايل ونورت الفلاش وصورت كام صورة بسرعة للبيت وبعدها جهزت عشان أخرج، تأملت الصور ولقتها صور ممتازة، بس اللي لفت نظري إن فيه ست لابسة أسود ظهرت في كل الصور تقريبًا، تمالكت أعصابي عشان أخرج بس لوهلة سمعت صوت جاي من بعيد، من جوة البيت تقريبًا وكان بينادي باسمي (يا شاهيناز)..

جسمي كله اتخدر وحسيت إني هقع من طولي، قربت وأنا كاتمة نفسي تقريبًا وفعلًا اتكرر الصوت مرة تانية من قلب البيت، قربت أكتر لحد ما دخلت البيت، معرفش ليه دخلته وازاي بدل ما أهرب من المكان كله، بس حسيت إنها يمكن تكون رسالة، البيت من جوة كان ضلمة تمامًا، بس لما دخلته وبعد لحظات بدأت ألمح اللي موجود وكأن فيه ضوء خفيف بيوريني اللي جوة..

كان فيه أطفال كتير أوي جوة، وكلهم قاعدين وساكتين مبينطقوش، فضلت أبصلهم بذهول وأنا مستغربة القوة اللي مخلياني متحملة وواقفة مكاني، الغريب إن كل الأطفال وقفوا وعملوا دايرة حولين مني، ولقيت الست اللي كانت لابسة أسود، شوفتها جاية من أوضة في قلب البيت، فضلت تبص في عنيا كتير أوي وبعدها لمحت دموع غريبة بتتكون جوة عنيها، ولقيت نفسي غصب عني بتكلم وبقولها: ـ مش أنتي اللي بتخطفيهم، بتبكي ليه دلوقتي؟!

الغريب إنها ضحكت، ولقيت طفل منهم بيمسكني من هدومي وبيشدني، مشيت معاه زي التايهة لحد ما خرجنا من الباب الخلفي للبيت، ولقيته بيشاور بعيد، استغربت أوي منه وبصيت، الغريب إني لمحت رجلين ماسكــ,,ـــــين عيل صغير، قربت منهم وأنا مرعوبة أكتر من خوفي وأنا في بيت الست..

من حوارهم عرفت إنهم خاطفينه، وواحد منهم قال للتاني خليك رابطه لحد ما أجيلك، وفعلًا اتحرك والتاني فضل مع الولد الصغير، معرفش ليه جريت من المكان كله، خمس دقايق وأنا بجري لحد ما صادفت اتنين فلاحين راجعين من الأرض، شافوني مخضوضة ووقفوا معايا يسألوني لو حد بيضايقني، قولتلهم إن فيه اتنين خاطفين عيل ورا بيت الخوافة ولازم يلحقوا الواد..

قولتلهم كدا ورجعت بيت جدتي وأنا بتنفض، الغريب إن تاني يوم البلد اتقلبت، الرجالة فعلًا مسكوا الراجل اللي خاطف الواد، واللي اتضح إنه كان بيخطف العيال بقاله سنين، بمعدل ٢ كل سنة، ويبيع العيال في القاهرة ويعرضهم للتبني، وكان بيخطف على حِس بيت الخوافة والأسطورة المنتشرة دي، والناس فاكرين عيالهم بيتاكلوا من الخوافة وهي مظلومة وإن الشيطان الحقيقي من البشر..

افتكرت وقتها كلامها لما قالتلي (ظُلم في الحياة وبعد الممات يا شاهيناز) وقعدت أخيرًا مع جدتي عشان تحكيلي عن الست دي، واللي عرفت إن ابنها مات في دــ,,ـــــادثة، خناقة قامت ووقف يحوش بين الناس فاتصاب ومات، وأمه من حزنها عليه فقدت بصرها، ومحدش رحمها بالعكس العيال كانت بتضــ,,ـــــربها بالطوب في الشوارع لحد ما بقت تجري وراهم وتخوفهم، ولما ماتت واتدفــ,,ـــــنت بقا العيال يدخلوا البيت ويعملوا أصوات لحد ما طلعت الأسطورة دي..

ومن يومها واستغل تلاتة من أهل البلد الموضوع وبقوا يخطفوا العيال ويبيعوهم بمبالغ كبيرة أوي في القاهرة، وهما اللي زودوا انتشار الشائعات إن الخوافة بتاكلهم، سنين طويلة عشان أنا اللي اجي في النهاية وأكشف الموضوع، وأكشف إن الشر الأكبر موجود جوة الإنسان، النفس الأمارة بالسوء مش الشيطان، في النهاية كتبت البحث كله ووثقته بالصور ورغم إني أخدت امتياز بس فضلت زعلانة عليها وهفضل زعلانة عليها العمر كله، الله يرحم الخوافة.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى