
أول ما شوفت خالتي في الحالة دي حسيت إن قلبي بينفطر مكانه، كانت منهارة وفي قمة الحزن، محدش قادر يهديها أو هي بالأخص مكنتش بتسمع لحد، لحد ما عنيها وقعت عليا، وقتها بس اتكلمت، اتكلمت وقالت: ـ جوزي مات يا عمرو.. وبكيت، بكيت عشان أغلى إنسانة في حياتي، بوست على إيديها وراسها وسط الناس وفضلت جمبها، الغريب واللي اتعجب له كل الناس إنها استكانت بين إيديا أنا وبس، الست اللي جوزها هيتشال ويطلع على التابوت بعد دقايق لانت وابتسمت لما شافتني، وعدى اليوم ما بين دفنة وعزاء ومواساة..
كنت حاضر رغم إني جاي من السفر مش شايف قدامي، بس مكنش ينفع أسيبها لوحدها دقيقة واحدة، وعلى بالليل اتأكدت إنها نامت بعد سهر طويل وطلعت البلكونة أشرب القهوة بتاعتي قبل ما أنام، وكل تفكيري متركز على المسكينة اللي جوة دي.. لسة فاكر اليوم إياه، لما أبويا وأمي عملوا حادثة وماتوا، ولسة فاكر لما مسحت دموع الطفل الصغير وقالتلي: ـ متعيطش يا واد أمك لسة عايشة.. ولما بصتلها بتعجب كملت وقالت: ـ أنا امك ومش هسيبك أبدًا.
ومن يومها وأنا عايش معاها هي وجوزها، ومن يومها وأنا بتعامل في بيتهم كأني ابنهم وأكتر، خالتي اللي كانت بتحميني وتأكلني وتسهر تحكيلي الحواديت، خالتي اللي ياما سهرت جمبي لما جالي سرطان لمدة سنتين لحد ما اتعافيت، خالتي اللي وقفت لجوزها كذا مرة لما قرر يض.ربني لما كنت بغلط وأقسمت إن محدش هيلمسني طول ما هي عايشة، خالتي اللي طلعتني متعلم، مثقف، والناس كلها بيحكوا بتربيتي وأخلاقي..
لسة فاكر اليوم اللي بلغتها فيه إني هسافر عشان اشتغل وكفاية عليها شيل الهم بتاعي لحد كدا، يومها بكت وزعلت مني زعلة كبيرة، ومعرفتش أصالحها غير بعد أسبوع كامل، ويوم السفر فضلت تبكي لحد ما ركبت الطيارة، معتقدش لو كانت أمي عايشة هتبقا بالحنية دي كلها عليا، ولا بنص الحنية دي كمان.. عشان كدا أول ما عرفت إن جوز خالتي في العناية المركزة نزلت فورًا، وعلى ما وصلت كان اتوفى للأسف، بس الحمد لله إني رديت جزء صغير من دين خالتي ووقفت جمبها في محنتها، وبعاهد نفسي قدام ربنا إني مش هسبها لحظة وهتكفل بيها لحد آخر يوم في عمري..
وقتها الإرهاق كان بلغ مبلغه عندي ودخلت عشان أنام، ونمت زي الميت حرفيًا بدون أي تفكير يُذكر، وصحيت على الضهر ولازمت خالتي ومفارقتهاش لحظة واحدو لحد ما خلتها تاكل وتشرب بل وتبتسم على قبل المغرب، وقبل ما أنزل العزاء لقتها بتتكلم كأنها بتكلم نفسها وبتقول: ـ مكنتش متخيلة إن اللي بعمله هيتردلي بالخير ده كله، مكنتش أعرف إني بربي راجل هيشلني لما أعجز وأقع، كنت صح لما عارضت الكل وخدتك عندي أربيك..
كانت بتقولها والدموع بتلمع في عنيها، رجعتلها وبوست على راسها وإيديها وأقسمت إني مش هسبها لحظة واحدة، ونزلت العزاء اللي خلص على ١١ بالليل وطلعت الأوضة من تاني، عملت القهوة بتاعتي وطلعت للبلكونة وأنا كل اللي شاغل بالي حاجة واحدة بس؛ خالتي.. يا ترى هينفع أرجع سفري وأسيبها من تاني، طيب لو سبت شغلي برة ازاي هعرف أصرف عليها بعد ما جوزها مات، ووقعت في كرب شديد خرجت منه لما لمحتها واقفة في البلكونة اللي قصادي، بنت شكلها رقيق جدًا ماسكة مج بتشرب منه وواقفة بتبص ناحيتي كل شوية بصات هادية..
معرفش ليه اتوترت شوية وبدأت أحاول مبصش ناحيتها من باب احترام الجيرة بس معرفتش، وبدأت أفكر هما جم سكنوا هنا أمتى، أنا سايب البلد من سنة ونص تقريبًا، وأعتقد إنهم جم في الفترة دي، وقبل ما اتحرك من مكاني لقيت واحد طلع وراها من البلكونة وبصلها بغضب شديد بعدها بص ناحيتي وراح نازل بكف إيده على وشها..
صرخت من الألم وأنا اتوترت أكتر، شدها من شعرها على جوة وبدأ يشتمها وينعتها بالسـ ـفالة وقلة الأدب، فكرت أروحله أفهمه إن مفيش حاجة وإنه فهم غلط بس اتحرجت، وللأسف سمعت صوت الشتايم وقلة الأدب لدرجة إن البنت صعبت عليا، ودخلت أوضتي وأنا مخنوق جدًا من الموقف ده.. وعدت الليلة عشان أصحا أجهز لليوم الأخير للعزاء، بس مقدرتش أواسي خالتي لأني كنت مخنوق أوي من اللي حصل امبارح، وانتهى اليوم روتيني جدًا لحد ما عملت قهوتي وطلعت البلكونة، ولقتها هناك، واقفة وحزينة جدًا، لدرجة إني حسيت من نظراتها إنها بتستغيث بيا، أو عايزة توصلي رسالة أنا مش فاهمها..
وقبل ما أنطق أو اتكلم، خرج من تاني، خرج غضبان أكتر، وبص ناحيتي وبصلها، وقام نازل بكف إيده على وشها، وبدأ يشدها من شعرها بغيظ أكبر ويلعنها، فضلت واقف للأسف متسمر مكاني، نفسي أقف وأحوش عنها، بس بأي حق هعمل كدا، بعدها بلحظات خرج وبص ناحيتي بصة جمدت الدم في عروقي، بصة قاتل عايز ينتقم.. دخلت جوة دمي بيغلي ومتوتر ومخنوق، حاسس بشفقة كبيرة على البنت دي، حاسس إنها مظلومة وإن اللي بيض.ربها ده شخص مجنون، وبعد نصف ساعة من التفكير لقيت موبايلي بيرن من رقم غريب رديت بهدوء وقلت:
ـ ألو.. ـ أزيك عامل أيه؟؟ ـ الحمد لله، ممكن أعرف مين؟! ـ أنا يارا.. ـ يارا مين؟! ـ يعني تبقا شايفني من شوية من البلكونة وترجع تقولي يارا مين؟! جسمي كله اترعش واتكلمت بصوت متوتر وقلت: ـ أنتي اللي اتض.ربتي بسببي من شوية؟! ـ ولا يهمك أنا مش زعلانة، أنا بس بتصل أطمنك إني بخير.. ـ طيب مين ده وبيض.ربك بالقسوة دي ليه؟ ـ ده أخويا وللأسف مدمن مخدرات والمعاملة معاه قاسية أوي بس مليش غيره أعمل أيه..
ـ طيب قوليلي أنتي جبتي رقمي منين أصلًا؟! ـ من خالتك، مانا كنت في العزاء بس أنت مشوفتنيش، بس أنا شوفتك وأنت حنين على خالتك واتمنيت إن أخويا يكون حنين عليا كدا.. حسيت وقتها بالحزن الشديد عليها، اتمنيت لو خدتها في ح.ضني عشان أطبطب عليها وأعوضها عن القسوة اللي شافتها في حياتها، قفلنا المكالمة وأنا غارق في أفكاري، ووسط الحزن ده لمعت في دماغي فكرة عبقرية.. ليه متجوزهاش؟؟
ومنها أسافر وأنا مطمن على خالتي، ومنها أنقذها من جبروت أخوها المجنون ده، وفضلت الفكرة مسيطرة عليا، خاصةً إنها خدت رقمي من خالتي يعني تعرفها وفيه بينهم وِد، وفضلت على الحال ده لحد ما نمت، بس في نومي كنت شايفها بتتهان وتض.رب بطريقة قاسية، كأن عقلي بيطلب مني في أسرع وقت أنقذها.. صحيت من نومي وأنا بفكر ازاي هفاتح خالتي في الموضوع ده وحالة الوفاة لسة حاصلة، بس أنا إجازتي هتخلص بسرعة، وعاوز أتجوز خلال الشهر ده عشان أطمن على خالتي، وإن مراتي معاها، هبقا مطمن عليها ومطمن كمان على مراتي لما يكونوا مع بعض..
وفضلت اليوم اللي بعده متردد جدًا، مش عارف هفاتحها ازاي وجوزها لسة متوفي، بس هي كانت حفظاني، وحافظة كل انفعالاتي، نادتني بصوتها القاسي وبصت في عنيا بقوة وقالت: ـ عايز تقول أيه؟؟ ـ لا مفيش حاجة.. ـ قولي مالك بدل ما أض.ربك بالعصاية اللي كنت بض.ربك بيها وأنت عيل..
ضحكت بصوت عالي من كلامها وبدأت اتكلم معاها عن قلقي عليها وإني هبقا مطمن لو جبتلها زوجة تعيش معاها بدل ما أسيبها لوحدها ولو حتى هأجر شقة في نفس العمارة ويبقوا قريبين من بعض، لقيتها ابتسمت وشجعتني على الخطوة دي عشان تفرح بيا وقالتلي إني مقلقش عليها، بس أنا مكنتش ناوي أجادل كتير، واتفقت معاها إني هروح اتكلم بس مع أهلها وممكن أخطبها حتى لحد ما أقدر اخد إجازة قريبة واتجوزها وتقعد معاكي..
وعلى بالليل سمعت من بلكونتهم للأسف صوت ض.رب وصراخ وبكاء من جديد، كنت مخنوق أوي، عندي استعداد أروح أفرم أخوها ده، مش عارف هو ليه بالقسوة دي كلها، وكان قراري إني هكون عندهم بكرة على بعد العشاء واتفاهم مع أخوها وأطلبها منه، عرفت خالتي إني هروح ورحبت جدًا بالفكرة، ولما سألتني عنهم حبيت أعملهالها مفاجأة لما تشوفها وقولتلها إنهم جيران وبس كدا..
وعلى بعد العشاء لبست واتشيكت وطلعت على شقتهم، وقفت قدام الباب متوتر بس تماسكت وخبطت على الباب، وبعد لحظات لقيت الباب بيتفتح وبيظهر أخوها، اتوترت لما شوفته وقبل ما اتكلم راح قافل الباب في وشي، حسيت بغضب شديد، أيه قلة الذوق والعنجهية والتخلف ده، وقبل ما استوعب اللي حصل سمعته من تاني وهو بيشتمها وبيض.ربها وبيتهمها في شرفها، ود.مي فا.ر وأنا سامع استغاثتها وعياطها، كنت هتجنن..
ولقيت نفسي بكل غضب الدنيا بخبط على الباب بعنف لحد ما اتكسر، دخلت أجري لقيت الصوت جاي من الحمام، صوت بكاء شديد، خبطت على الباب بقوة وأنا سامع استغاثتها لحد ما الباب اتفتح و….. وملقتش أي حد جوة إطلاقًا، حمام فاضي مظلم وصمت تام، كأن المكان محدش دخله إطلاقًا.. فضلت واقف مش مستوعب اللي أنا فيه، مش فاهم أيه اللي بيحصل، هما دول عصابة ولا مجانين ولا أيه، وقتها رن تليفوني، رديت وأنا حاسس بصداع غريب عشان أسمع صوت خالتي بتقول:
ـ أنا شوفتك داخل العمارة اللي في وشنا من البلكونة وبحاول أكلمك تليفونك مغلق، أنت دخلت هناك ليه؟! رديت عليها بشرود وقلت: ـ البنت اللي كلمتك عليها فيها، في الدور التالت.. سمعت صوت صراخها ولقتها بتقول: ـ يابني الدور التالت فيه قتيلة، أنت أيه اللي وداك هناك؟! الدنيا دارت بيا وحسيت إني هفقد توازني، في اللحظة دي سمعت صوت ضحكة غريبة، بصيت ورايا لقتها قدامي، نفس البنت، بس بشكل بشع، هدومها متقطعة وفيه جروح كتير في جسمها، بصتلها برعب عشان تقول:
ـ أنا موافقة عشان اتجوزك، مش أنت جاي هنا عشان كدا، ولا جاي تكفر عن ذنبك.. جسمي اتنفض مرة واتنين، اتشليت مكاني ولساني اتحجر، بصيت لقيت أخوها طالع من جوة وعمال يزعق ويخبط راسه في الحيطة بعنف، وهي بتبص عليه وبتضحك بهيستريا شديدة، وكل ما كان يخبط راسه أكتر كانت بتضحك أكتر.. في اللحظة دي سمعت صوت صراخ على سلم العمارة، ولقيت خالتي ومعاها كام راجل بيقتحموا الشقة، واختفت البنت وأخوها، خالتي ح.ضنتني وهي مفزوعة عليا وخدتني ونزلنا من المكان كله وأنا في حالة ذهول تام ومش فاهم أي حاجة..




