روايات

حديقة الجدة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أبويا اتوفى من ٤ أيام بطريقة تشبه المسلسلات الدرامية، كان رايح الشغل واتنين سواقين اتخانقوا عليه كزبون عشان كل واحد عايز يركبه عربيته هو وطلعوا مطاوي على بعض وأبويا في النص، ويشاء ربك مطوة ترشق في صدره وبالأخص في منطقة القلب ويقع مكانه ونافورة دم بتنزل منه، والاتنين السواقين اختفوا تمامًا والحكومة بقالها ٤ أيام بتدور عليهم.. كان موقف مش هنساه عمري كله، ومشهد أبويا وصدره مفتوح في المشرحة هيفضل محفور في ذاكرتي للأبد، وبما إن أمي ميتة من زمن طويل أوي وأبويا رفض الجواز فبدأ الكل يجتمع عشان يشوفوا البنت الشابة اللي عندها ٢٠ سنة هتعيش فين ومع مين..

حاولت أقنعهم إني أعيش مع نفسي في شقة أبويا الكل رفض، خاصةً إنها شقة إيجار وأنا مش هعرف أسدد الإيجار بعد كدا، ولفيت على العيلة كلها تقريبًا أعمامي وخالاتي، ومشيت من عندهم كلهم إما بمشكلة أو إنهم مشوني لما زهقوا مني، محدش فيهم أتحمل وجودي، وأسوأ مكان كان بيت عمي لما كنت بخاف من ابن عمي ومن نظراته وفي الأخر قالوا عليا بنت مش كويسة ومشوني..

مكنش في غير مكان وحيد ممكن أروحه وأعيش فيه بأمان، بيت جدتي (توفيقة) اللي في البلد، جدتي اللي تقريبًا مشوفتهاش من ١٥ سنة كاملين بعد ما روحت على القاهرة، جدتي اللي أسمع إن الكل مقاطعها وبيقولوا عليها مجنونة وبتخرف، بس للأسف أنا مجبرة ومفيش قدامي أي حلول تانية، كدا وإلا هفضل اتنطط من بيت لبيت، واتفقت مع عمي إنه هيوصلني بكرة لمحطة القطر وأنا هركب للمحافظة بتاعتها وأداني العنوان بتاعها..

وركبت القطر، وغصب عني دموعي نزلت، الدنيا بتتغير بسرعة أوي، والنِعم في حياتنا كتير أوي بس مبنحسش بيها غير لما بتروح مننا، يارب الصبر من عندك، بعد ٦ ساعات تقريبًا كنت على رصيف المحطة، خرجت من المحطة وخدت تاكسي لحد أول البلد بتاعة جدتي، سألت ناس قاعدين على قهوة صغيرة على العنوان وسألوني أنا رايحة لمين وده لأن أهل البلد كلهم عارفين بعض، قولتلهم: ـ الست توفيقة تبقا جدتي.. لقيت نظراتهم اتغيرت وسمعت واحد بيقول:

ـ توفيقة المجنونة.. بس كتم الكلام بسرعة.. الراجل الكبير فيهم نادى على ابنه وجاب تروسيكل ووصلني لحد البيت مخصوص ووصاني لو احتجت حاجة أروحله وإني زي بنت من بناته، كان بيقولها بنظرة حنية فكرتني بأبويا الله يرحمه، شهامة الناس هنا في الصعيد مهما الدنيا اتغيرت مبتتغيرش، والغريب عندهم ملك بيكرموه ويشيلوه على راسهم من فوق.. وفعلًا وصلت للبيت الضخم، رنيت الجرس اللي كان بايظ، وخبطت على البوابة الضخمة وسمعت صوت مُرعب، وكأنه رنين أجراس الكنائس في العصور الوسطى، شوية واتفتح الباب، ولقيت واحدة ست عجوزة أوي بتفتحه، أول ما شافتني جسمها كله اترعش وقالت:

ـ أنهار!! تمالكت نفسي وقولتلها: ـ لا يا تيتا أنا سلمى بنت ابنك، أنهار تبقا أمي الله يرحمها.. لقيتها تمالكت أعصابها وقالت: ـ اللي خلف ممتش يا بنتي أنتي شبهها بالظبط.. وعرفت إن عمي كلمها وقالها على ظروفي وهي معترضتش وتقبلت فكرة إني أعيش معاها عادي..

وفعلًا دخلت تأملت البيت، بيت ضخم، متحاوط بسور كبير والجنينة بتاعته كبيرة أوي بس مهجورة، وكأن محدش أعتني بيها من عشر سنين وأكتر، تبص على الشجر والزرع تلاقيه عامل زي الأشباح اللي مستنية الليل ينزل عشان يقتلوا أصحاب البيت، ورغم كل ده حسيت بحنين غريب أوي للمكان، وكأن فيه جزء مني بينتمي للمكان، وبعد ما استكشفت البيت ودخلت الأوضة الخاصة بيا معرفتش أنام ليلتها خالص، شايفة المستقبل مُبهم ومُخيف أوي، بس واثقة إن ربنا مش هيضيعني وأنا بلجأ له في كل حاجة..

فتحت الشباك بالليل لأن الجو كان كاتم أوي والأوضة من غير مروحة، ووقفت أتأمل الجنينة على نور القمر، شوية وبدأت ألاحظ إن المرجيحة الصغيرة بتتحرك بهدوء شديد وبانتظام كأن فيه حد بيتمرجح عليها، لقيت نفسي تلقائيًا ببتسم، أفلام الرعب هتاكل دماغي.. وعشان أكسر التوتر ده قلت أنزل الجنينة أتأمل فيها شوية واتفرج عليها، بس فعلًا ومن أول خطوة في الجنينة حسيت إني متراقبة، فيه حد وسط الشجر واقف بيراقبني، إحساسي بيه استحالة يكذب، المرجيحة نفسها بدأت تطلع صوت وتتحرك أكتر، وبدأت خيالات كتير تتحرك حوليا..

حاولت أرجع لقيت رجلي نزلت في حفرة صغيرة، وفوجئت بحاجة بتمسكني من رجلي، وقتها بس صرخت بأعلى صوت، وصحيت جدتي وجت تجري لقتني بتنفض ومرمية على أرض الجنينة، قومتني وخدتني على البيت وحذرتني بأني مقربش من الجنينة دي تاني أبدًا مهما كان.. فضلت طول الليل خايفة وحاسة إن فيه حاجة غلط ومش مفهومة، وبدأت الأمور تاخد منحنى أغرب، أول موقف لما شوفت واحدة ست بالليل بتتمرجح على المرجيحة، كانت واضحة أوي وسط الضلمة، تاني موقف لما حسيت بحد نايم جمبي ولما صحيت لقيت السرير بيتحرك كأن حد بيقوم من عليه..

حاولت أفاتح جدتي بس مقدرتش، خاصةً إني كنت بسمع أصوات بالليل من أوضة جدتي مش مفهومة، ولما حاولت أعرف مصدر الأصوات وقربت من أوضتها في ليلة سمعتها بتكلم حد، وبتقولها: ـ ارحميني بقا وكفاية كدا، ارحميني.. وقتها اتأكدت إن فيه حاجة غلط، جدتي يا إما ملبوسة أو البيت مسكون بالجِن، وفضلت شهر عايشة في الرعب ده، جدتي نفسها يوم بعد يوم كانت بتخاف مني، وقالتلي مظهرش قدامها أبدًا، طول ما هي صاحية أفضل في أوضتي مخرجش..

وسمعت كلامها لأني فعلًا بقيت بخاف منها أكتر من خوفي من الجنينة والبيت، بس ظهور الست الغريبة دي بقا أكتر، وبقت بتطاردني في كل مكان تقريبًا، لحد ما سمعت في ليلة صراخ جدتي، جريت على أوضتها وأول ما شافتني بدأت تتنفض وتقول: ـ سامحيني يا أنهار، سامحيني وهربي بنتك وأكفر عن ذنبي فيها) كلامها كان في الضلمة، كانت شايفاني أمي مش أنا، لقتني بتكلم بتوتر وبقول: ـ أسامحك على أيه؟! ـ على إني خليت ابني يتخلص منك واتهمتك في عِرضك بالزور..

مقدرتش أتحمل أكتر من كدا، مقدرتش، وخرجت أجري من الأوضة وأنا جسمي كله بيترعش، وفضلت لحد الصبح مش قادرة أنام، لحد ما قررت أفهم في النهاية كل حاجة، روحتلها وتمالكت أعصابي وقولتلها إن أمي زارتني امبارح وقالت إنها مسامحاكي بس تكفري عن ذنبك وتربيني وتعتني بيا.. لقيت وشها انشرح وفرحت أوي، قولتلها بس هي اشترطت إنك تحكيلي كل حاجة بالتفصيل، ولقتها وافقت فورًا وبدأت تحكي كل حاجة، إنها مكنتش بتحب أمي لأنها عروسة جاية من مصر وكانت عايزة ابنها يتجوز من البلد، ولما أمي جت تعيش في البيت افتعلت معاها مشاكل كتير أوي، ض.رب وشتا.يم وإها.نة..

في مرة أمي متمالكتش نفسها و.ض.ربت حماتها، وقتها بس حلفت تنتقم انتقام محصلش في أمي، واتهمتها في شرفها قدام أبويا وعرفت تقنعه إنها بتخونه، وبما إن أبويا راجل دمه حامي فقتلها، ودفنوها في الجنينة، قتلها بسكينة في قلبها زي ما مات بالظبط في الموقف، وكنت أنا لسة طفلة مولودة وقتها..

وطول السنين دي وجدتي عايشة في عذاب، بتشوف أمي ليل نهار، وممنوع تخرج من البيت ولا حد بقا بيزورها، عاشت ٢٠ سنة في عناء تام، في جحيم وكأنها في سجن، سألتها عن مكان الدفن وعرفت إنه المكان اللي رجليا غرزت فيه، مفكرتش لحظة وروحت القسم بلغت، وكلمت خالي حكتله كل حاجة وشجعني أعمل بلاغ عقبال ما يوصل.. ولما رجعنا البيت لقينا جدتي ميتة، ميتة ووشها شاحب فوق الحفرة اللي دفنوا فيها أمي، وفهمت إن الانتقام حصل في اللحظة دي بسبب وجودي اللي قوى القرين وأداله طاقة إنه يقتل، لأني جزء من أمي، جزء من كيانها..

خرجنا رفات أمي دفناه وجدتي اتدفنت، واتقفل البيت كله بعد ما رجعت عند خالي اللي تعهد يكفلني من يومها، يمكن فضلت سنين عشان أتخطى الموضوع ده، بس اللي اتعلمته إننا لازم نرحم بعض، لما ابنك يتجوز لازم تفهمي إن دي سنة الحياة، وإن ربنا خلقه للزوجة دي حتى لو كان ابنك، لازم تتعاملي معاها برحمة ومودة وتنزعي من جواكي فكرة إنها خدت ابنك منك، الست اللي بتيجي بيتك بتكون وحيدة ومسكينة ولازم ترحميها لوجه الله وعشان دي مرات ابنك وأم أحفادك مش عدوة ليكي..

اتعلمت إني لو ظلمت حد ظلم كبير هيترد ولو بعد ٢٠ سنة، وحتى أبويا اللي قتل وهو فاكرها خاينة مات بنفس الطريقة عشان أمه تتقهر أكتر عليه ويكون انتقام عادل.. [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] سورة البقرةرب بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى