
عندنا في بلدنا واحد اسمه “مسعود العبـ ـيط” من يوم ما خرجت للدنيا وهو قاعد نفس القعدة كل يوم في الشارع قدام بيت أمه الست الكبيرة الغلبانة، بيقعد تقريبًا من الساعة سبعة الصبح لحد عشرة بالليل يضحك ويكلم نفسه، بنفس الهيئة وبنفس الشكل من سنين طويلة، الجلبية اللي بقت سودة من كتر التراب ووشه اللي مليان تراب وشعره الطويل، ومن وقت للتاني كنت تلاقي حد من الجيران باعتله أكل ياكله..
الصبح تلاقيه ماسك سندويتش طعمية بياكله بلهفة وشوق كأنه مأكلش من سنين طويلة، وبعد العصر تلاقيه ماسك طبق فيه شوية رز وبطاطس بياكله ويوقع على نفسه، الجيران حبوه واتعاملوا معاه كأنه بركة في المكان، طول النهار الأطفال قعدين جمبوا بيلعبوا وبيضحكوا كأنه مصدر الأمان بتاعهم، وهو كان ليل نهار بيضحك، بيضحك في وش أي حد ويبتسم..
وأنا كانت عندي عادة يومية وأنا رايح الشغل لازم أعدي وأرمي عليه السلام، وكان يرد بتلعثم وطريقة جميلة أوي، وكنت بتعمد لو راجع وجايب معايا فاكهة كنت أديله منها قبل ما أدخل بيتي، لحد ما في ليلة بنتي طلبت مني أشتري مانجة لأنها كانت بتشتهيها، وأنا مروح بالليل عديت على بتوع الفاكهة كلهم بس الكل مكنش عنده مانجة، لحد ما تعبت من اللف..
في النهاية لقيت راجل معندوش غير مانجيتين في القفص وبس، خليته يوزنهم وأنا مش عارف هعمل أيه، هدي ليارا بنتي واحدة، وسما واحدة، طيب ونجلاء مراتي، مكنش هاين عليا متاخدش وأنا بعتبرها بنتي التالتة، ممكن أقطعهم وخلاص بقا..
كان الجو متأخر والناس كلها في بيوتها تقريبًا، وقبل ما أدخل بيتي عديت على بيت مسعود، كان قاعد مبتسم كعادته، وحسيت إن أنا في ورطة، مانا مش هينفع أعدي من غير ما أديله مانجة، حتى لو على حساب بناتي، أنا هديله واحدة وممكن سما اللي طلبت تاخد التانية من غير ما أعرف حد منهم لحد ما أجيب بكرة ليهم، ابتسمت ودخلت عليه وقولتله: ـ أزيك يا مسعود يا طيب جبتلك معايا مانجة انهاردة.. الغريب إن نظرة التيه والطيبة اتغيرت لنظرة غريبة وترتني، كأنه إنسان واعي وفاهم كل حاجة، لقيته بص للشنطة اللي فيها مانجيتين وقال بتلعثم:
ـ يارا، سما، يارا، سما.. بصتله باستغراب شديد وقولتله: ـ مانا جايب كتير وهديلهم خد بس أنت واحدة منهم.. لقيته ولأول مرة يبعد إيدي بزعل ويقول بتلعثم: ـ لا، يارا واحدة، سما واحدة.. حاولت معاه كتير رفض، ابتسمت وجيت أمشي لقيته بيطلع منجاية من الجلبية بتاعته وبيقول: ـ نجلاء واحدة.. كنت مذهول من اللي أنا شايفه، مش فاهم ده شخص متأخر عقليًا ولا فاهم ولا بركة فعلًا وربنا واهبه عطايا، رفضت بشدة لقيته بدأ يتعصب ويمد المنجاية ناحيتي وعمال يردد:
ـ نجلاء واحدة، نجلاء واحدة.. لدرجة إني خفت من عصبيته حد يخرج من بيته، خدت منه المنجاية لقيته ابتسم وفضل يضحك، بصتله بغضب مصطنع وقولتله: ـ عارف لو حد غيرك قال اسم مراتي كدا كنت هعمل فيه أيه يا واد يا مسعود.. لقيته فضل يضحك وأنا ضحكت معاه من كتر البهجة اللي حسيت بيها، مسعود حل مشكلة المانجة، رجعت بيتي غسلت المانجة ووزعت على التلاتة، وطبعًا التلاتة زعلوا واتخانقوا على مين تديني المانجة بتاعتها، وانتهى اليوم وأنا فعلًا بالي مشغول من مسعود، وكأنه كان شايل المانجة لأنه عارف اللي هيحصل معايا..
بس من تعب الشغل نمت، نمت بعمق شديد لأن أخيرًا بكرة الجمعة، وتاني يوم صحيت قبل الصلاة مستعجل، خدت دش سريع واتعطرت ولبست الجلابية وروحت على الصلاة في الجامع اللي قدام بيتي، وبعد الصلاة ووسط ضحك الناس وسلامهم سمعنا صوت صياح غريب، خرجنا من الجامع نجري لقينا خناقة كبيرة، حاولنا نتدخل بس كان الموضوع صعب جدًا.. رجالة عيلة أبو خِضر واللي بيعتبروا أكبر عيلة في البلد شايلين الشوم وهاجمين على بيت شاب مسكين ومالوش حد في البلد اسمه “ياسين” وكان في مقدمة عيلة أبو خِضر شاب كل الناس مبتحبوش اسمه “عابدين”..
حاولنا نتدخل بس كان اللي بيتدخل بياخد عصاية على جسمه تبعده، وارتفع صراخ زوجة ياسين اللي شدوه من قلب بيته ونزلوا عليه بالشوم عشان يكسروا عضمه، وصوت عابدين بيصرخ وهو بيضـ,ـرب فيه بالشومة وبيقول: ـ بتضـ,ـربني أنا على وشي يا ابن الزبالة، أنا هعلمك الأدب.. ونزل على وشه بأكتر من عشر ضـ,ـربات لحد ما مناخيره نزفـ,ـت بالدـ,ـم، مكنتش هقدر أشوف أكتر من كدا وأسكت خاصة إن ياسين كان هيمـ,ـوت من كتر الضـ,ـرب، دخلت وسطهم أبعدهم بس بعدوني بقوتهم وكملوا ضـ,ـرب، الرجالة من بعيد بيحاولوا بس محدش قادر عليهم..
في النهاية وسط الهرج والصراخ اتحرك مسعود العبـ ـيط، مسعود مشي مشيته الغير متزنة ودخل وسطهم وهو بيصرخ بتلعثم وبيقول: ـ لاااااااا ـ لاااااااااااااااا والغريب إنه رمى جسمه على جسم ياسين عشان يحميه من الضـ,ـرب، وقتها عابدين بدأ يضـ,ـرب مسعود برجليه بكل قسوة ويقوله: ـ أبعد يا معـ ـفن يا عبـ ـيط.. سبحان من خلى رجالة عيلة أبو خضِر تشفق عليه وشدوا عابدين بعيد وبدأوا يتراجعوا بعد ما طحنوا ياسين، وقتها خرجت مرات ياسين تصرخ وتبكي على جوزها اللي مرمي في الأرض وغرقان في دمه..
وبدأ مسعود يبكي كأنه طفل صغير، خـ,ـلع جلبيته وبدأ يمسح بيها على وش ياسين الغرقان بالدـ,ـم، بس أنا مستنتش أكتر وشلنا ياسين وجرينا بيه على المستشفى بما إنه مقطوع من شجرة.. الحالة مكنتش خطيرة بس اضطرينا نجبس دراعه ويخيط راسه، ورجع بيته مكسور، متحطم، وكعادة الأرياف ناس اتدخلوا وبدأوا يحلوا المشكلة، ورجعت عيلة خِضر تعتذر وكأن شيئا لم يكن، ومحدش كان هيعرف يعنف عيلة كبيرة، الناس يادوب كانت عايزة تراضي ياسين وتجبله اعتذار وخلاص، واعتذروا لياسين وانتهى الموضوع، شاب مسكين معندوش مجال غير إنه يقبل الاعتذار وخلاص..
اللي عرفناه بعدها إن ياسين يوم الخميس بالليل خبط بالتروسيكل بتاعه عربية عابدين من غير قصد، ونزل عابدين ضـ,ـربه بالقلم فياسين رد عليه القلم ومسكوا في بعض بس الناس اتلموا وخلصوا الموضوع، بس عابدين رجع لعيلته يقولهم إنه اتضـ,ـرب بالقلم، وطبعًا دي عيبة كبيرة في وش عيلة خِضر، وقرروا بعد الجمعة يضـ,ـربوا ياسين عشان مكانتهم في البلد، أمر قذر شهير في كل بلد للأسف..




